بركات التكريس
17 Jan 202607:52 AM
بركات التكريس
يطلّ علينا زمن عيد الظهور الإلهي (الغطاس) كفيضٍ من نور، كاشفًا جمال هذا الموسم وبركاته، زمنٍ تنسكب فيه النعمة من صوت الآب، وتُعلن فيه بنوّة الابن، ويعمل الروح القدس في القلوب والنفوس. إنه فصل من أيام السنة تتعانق فيه الخليقة مع خالقها، حيث يغتسل العقل في مياه الأردن، فيتطهّر القلب، وتُجدَّد الحياة.

منازل كثيرة يقصدها الكهنة، مستفقدين أبناءهم، ولا سيّما أولئك الموسميين الذين يزورون الكنيسة في الأعياد والمناسبات. فيأتي نضح البيوت بالماء المقدّس لا كتقليدٍ عابر أو بركةٍ شكلية، بل كفعلٍ تحويلي، يجعل من البيت واحةً في صحراء الأيام، علّ سكّانه يرتشفون منها في مسيرة حياتهم، فتغدو كالمطر الهاطل على أرضٍ أنهكها جفاف البعد عن كلمة الله.

ما أبهى تلك الرحلة التي نسلك فيها دروب الرعية وأحيائها وزواريبها، نقرع الأبواب فنُقابَل بأصوات الأطفال تهتف فرحًا بقدوم “الأبونا”. يا لعذوبة اللقاء! استقبالٌ تتلاقى فيه القلوب قبل الأيادي، وتتعانق فيه النظرات، فيتحقق لقاء الكنيسة بأبنائها. هو شعورٌ تعجز الكلمات عن وصفه: عناق، وصلوات، وكلمات بريئة، وتصرفات لا تخلو من عفويةٍ طفولية قد تُوصَف بـ“الرذالة” المحبّبة. إنها خبرة يعيشها الكاهن في تكريس البيوت، فيتعلّم منها دروسًا حيّة من مدرسة أولئك الذين أُعدّ لهم ملكوت السماوات.
وللقاء الكاهن بالأطفال الملتزمين في نشاطات الرعية نكهةٌ خاصة. فمواظبتهم على الالتقاء بالجماعة تكسر الحواجز بينهم وبين الكاهن والمرشدين، فلا يعود الكاهن شخصًا غريبًا أو صورةً مخيفة، ولا تبقى الجماعة كيانًا معزولًا. إنها شركة حيّة تنمو بالمحبة والثقة.

أشكر الله على النهضة الروحية التي تنبض في رعايانا، تلك التي تحتضن الأطفال وتغذّيهم بالتعليم المسيحي والترتيل الكنسي. وقد لمست ذلك بوضوح حين كان الأطفال يشاركون الكاهن الصلاة والترتيل أثناء نضح المنازل بالماء المقدّس، في مشهدٍ يفيض رجاءً وفرحًا.
يحمل الكاهن تعزياتٍ عظيمة عند مغادرته البيوت الملتزمة بحياة الكنيسة، كبارًا وصغارًا. وفي المقابل، يرافقه قلقٌ وحزنٌ واضطراب حين يغادر المنازل التي لا تعرف الكنيسة إلا في المواسم، أو لا تعرفها إطلاقًا. ولستُ ديّانًا، فنحن جميعًا نتحمّل مسؤولية التقصير في الرعاية، غير أنّ أبواب الكنائس تبقى مشرّعة لأبنائها، ولا تكاد تخلو رعية من عملٍ بشاري يشمل مختلف الأعمار. ومع ذلك، يتذرّع البعض بأعذارٍ شتّى، ويبرّر غيابه بأسبابٍ تخفي في طيّاتها فتور الإيمان، فيبتعد لا عن النشاطات فحسب، بل عن قدّاس الأحد أيضًا.

إن التكريس فرصة محبة، يطّلع من خلالها الراعي على حال رعيته. فالغالبية تنتظر زيارته بفرح، فيما قلّة لا تعير الأمر اهتمامًا عميقًا. لكن الأهم ألّا تُحجب هذه البركة عن أحد، فلكل بيت أسراره، ولكل عائلة أفراحها وأحزانها، ضيقاتها وانفراجاتها، مصائبها وآمالها. داخل جدران المنازل تُروى قصص كثيرة، نرفع معها الصلاة، طالبين من الرب أن يسكب مراحمه على القاطنين وزوّارهم، وأن يمنحهم صحة النفس والجسد، وأن يظلّل برحمته الراقدين من أحبّائهم.

حقًا، يحمل الكاهن تعزيةً عظيمة في بركات التكريس، ويتعزّى هو بدوره من براءة الأولاد ومحبة المسنين، إذ يلمس أنّ الناس، رغم وطأة الحياة الاستهلاكية وضجيجها، لا يزالون متمسّكين بالإيمان والرجاء والتقوى. إنه موسمٌ معزٍّ، نُفعّل فيه نعمة معموديتنا، ونستمدّ من المؤمنين الهمّة والعزيمة والإرادة، ونجدّد محبتنا للخالق.

#

فضل شاكر

المزيد