نايف عازار
نداء الوطن
تحرص الحركة على إطلاق وعود رنانة تخاطب فيها الداخل والخارج في آن، فحواها أنها مستعدّة لتسليم زمام السلطة إلى "اللجنة الوطنية لإدارة غزة"، المؤلّفة من تكنوقراط. بيد أن المتابع للشأن الفلسطيني، يعي تمامًا أن اللجنة لم تدخل القطاع قط، في ظلّ رفض "حماس" المقنّع للأمر، لا بل تسعى الحركة جاهدة وهي لم تيأس من محاولات دمج الآلاف من عناصرها المسلّحة، خصوصًا الشرطية منها، في أجهزة اللجنة، وهو ما ترفضه الأخيرة جملة وتفصيلًا، فضلًا عن رفض الدولة العبرية القاطع ذلك، شأنها شأن الإدارة الأميركية، راعية اللجنة.
تحاول بذلك "حماس" الهروب إلى الأمام وكسب الوقت، بانتظار تبدّلات إقليمية أو دولية ما، وما قد تحمله الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، التي ربّما تزيح نتنياهو من المشهد السياسي، والذي يُعدّ من أشدّ رؤساء الحكومات تطرّفًا وتزمّتًا في تاريخ الدولة اليهودية. كذلك تراهن الحركة على إبقاء ثقل عسكري لها داخل متفرعات اللجنة، يمكّنها من الاحتفاظ بجزء من السيطرة في الميدان، فضلًا عن محاولاتها تأمين بقاء موظفيها المدنيين في مؤسّسات القطاع الرسمية، للحفاظ بذلك على التدفقات المالية المتأتية من رواتبهم.
في المقلب الإسرائيليّ، لم تألُ حكومة نتنياهو جهدًا من أجل عرقلة دخول أعضاء اللجنة إلى قلب القطاع، من خلال فرضها معوقات فنية وإدارية وإجرائية، حالت حتى الآن من دون استخدامهم صلاحياتهم الإدارية في ميدان القطاع، رغم أن آمالًا كبيرة عُقدت على إمكان دخولهم من الجانب المصري عبر معبر رفح، مع إعادة فتحه المشروطة أوائل الشهر الحالي.
إلى سياسة وضع العراقيل أمام دخول أفراد اللجنة إلى غزة، تمضي إسرائيل في شن غارات متى يحلو لها في كافة أنحاء القطاع، من دون حسيب أو رقيب، متسبّبة في سقوط مزيد من القتلى، وكأن اتفاق وقف النار لم يكن، وبذلك يكون نتنياهو يدق مزيدًا من "الأسافين" في "خطّة ترامب للسلام في غزة"، وتحديدًا في مرحلتها الثانية، مستفيدًا من حال الابتزاز التي يفرضها على الغزيين البؤساء.
لا ريب في أن معضلة نزع سلاح "حماس" أو ما تبقى منه، تبقى العقبة الجوهرية في طريق تطبيق المرحلة الثانية من خطة ترامب، إذ إن هذه الإشكالية تعتبر "حجر العثرة" أمام رحلة الاستقرار الأمني الطويلة في القطاع، وأمام الانتهاء من مهمة إنشاء "قوة الاستقرار الدولية"، وقوات الشرطة الفلسطينية، التي يُفترض بها تولي المهمة الشاقة، المحفوفة بالألغام العسكرية والشعبية.
وفي انتظار جلاء صورة إرهاصات المرحلة الثانية، يبقى الغزّيون المشرّدون من ديارهم التي استحالت "أثرًا بعد عين"، والذين "يفترشون الأرض ويلتحفون السماء" في شتاء قارس، الحلقة الأضعف، تتقاذفهم رياح المصالح الدولية، والحسابات الإسرائيلية الداخلية، ومكابرة من تبقى في هيكل قياديّ واهن في "حماس". فألم يئِنّ الأوان بعد للإنصات لأصوات الجوعى والمشرّدين؟