هل تتكرّر مليونيّة  14 آذار 2005 أم يفرض اللبنانيّون التفاوض بصمت؟
03 May 202612:51 PM
هل تتكرّر مليونيّة 14 آذار 2005 أم يفرض اللبنانيّون التفاوض بصمت؟
في لحظة لبنانية شديدة الحساسية، يتبدّل شكل الانقسام أكثر مما تتبدّل عناوينه بحيث لم يعد المشهد محكوماً فقط بالاصطفافات الطائفية التقليدية، بل يتجه تدريجياً نحو انقسام عامودي واضح بين خيارين: الاستمرار في منطق الصراع، أو الذهاب إلى التفاوض كمدخل إلزامي لإنقاذ ما تبقّى من الدولة.
 
هذا التحوّل لا يمكن قراءته بمعزل عن التجربة اللبنان القريبة، وتحديداً انتفاضة 14 آذار 2005، التي شكّلت لحظة مفصلية حين خرج مئات آلاف اللبنانيين إلى الشارع في مشهد غير مسبوق، متجاوزين الانقسامات الأفقية، ليفرضوا معادلة سياسية انتهت بانسحاب الجيش السوري من لبنان بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. يومها كان الانقسام بين سيادة ووصاية، لا بين طوائف.
غير أن العنوان تبدّل اليوم. فبدل الصراع حول الوجود العسكري الخارجي، باتت الإشكالية مرتبطة بواقع أكثر تعقيداً: ارتباط القرار اللبناني، خصوصاً في ما يتعلق بخيارات الحرب والسلم، بتوازنات إقليمية ومسارات تفاوضية خارجية، وفي مقدّمها المسار المرتبط بـ إيران، هذا الواقع يعمّق الانقسام العامودي بين من يرى في هذا الارتباط جزءاً من موازين القوى، ومن يعتبر أن فكّه والذهاب إلى تفاوض مباشر بات ضرورة داخلية.
في المقابل، يتشكّل داخل المجتمع اللبناني ما يمكن وصفه بإجماع شعبي أفقي صامت، يتجلّى في تراجع الحماسة للتصعيد، وارتفاع الخوف من الحرب، وتنامي القناعة بأن كلفة الصراع أصبحت غير محتملة. هذا التحوّل لا يقتصر على فئة واحدة، بل يمتد عبر مختلف المكوّنات، مع ميل واضح لدى شرائح واسعة، بما فيها بيئات كانت تقليدياً أقرب إلى الصلابة، نحو الاستقرار وتجنّب المواجهة.
وهنا يبرز سؤال أساسي: من الشعب إلى القرار، هل تتكرّر مشهدية مليونية انتفاضة 14 آذار 2005، أم أن اللبنانيين يفرضون خيارهم بطريقة مختلفة، هادئة ومتراكمة، عنوانها التفاوض بدل الشارع؟ الواقع يشير إلى أن الظروف اليوم لا تُشبه 2005، لكن فكرة الحشد الشعبي تبقى ممكنة بشكل جديد، ليس فقط كاحتجاج، بل كدعم واسع لأي مسار إنقاذي.
في هذا السياق، تبرز مبادرة الرئيس جوزاف عون كعنوان محتمل لهذا التحوّل، كونها تتقاطع مع مزاج شعبي متزايد يرى أن الاستقرار أولوية ملحّة. وقد لا يكون مستبعداً، في لحظة ما، أن يتجسّد هذا التقاطع في حشد شعبي واسع داعم لمسار تفاوضي إنقاذي.

ومع ذلك، تبقى المفارقة اللبنانية قائمة: الشارع يسبق السياسة، لكن القرار يتأخر. وبين احتمال تكرار مشهد 14 آذار أو الاكتفاء بإجماع صامت يتراكم ببطء، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان هذا المزاج الشعبي كافياً لدفع القرار نحو التفاوض، أم أن لبنان سيحتاج مجدداً إلى لحظة "مليونيّة" كبرى كي يُسمع صوته؟