إيران بين فكّي النسر الأميركي والتنين الصيني
16 May 202608:15 AM
إيران بين فكّي النسر الأميركي والتنين الصيني
سعد شعنين

سعد شعنين

في عالم تتغيّر فيه موازين القوى بسرعة، تبدو إيران اليوم وكأنها تقف في منتصف صراعٍ أكبر منها بكثير؛ صراع بين نسرٍ أميركي يريد الحفاظ على هيمنته العالمية، وتنينٍ صيني يتمدّد بهدوء نحو قلب النظام الدولي الجديد. وبين الفكّين، تحاول طهران أن تتحرك، تناور، وتستفيد من التناقضات الدولية، لكنها في الوقت نفسه تجد نفسها محاصرة بحسابات القوتين معاً.

فـالولايات المتحدة تنظر إلى إيران كأحد أبرز التحديات لنفوذها في الشرق الأوسط. المشروع النووي، الصواريخ الباليستية، النفوذ الممتد من العراق إلى لبنان واليمن، كلها ملفات تعتبرها واشنطن تهديداً مباشراً لتوازنات المنطقة ولمصالحها الاستراتيجية، وخصوصاً أمن إسرائيل وحرية الملاحة والطاقة.
لهذا السبب، تمارس أميركا أقصى درجات الضغط: عقوبات اقتصادية، حصار مالي، تضييق على صادرات النفط، وتحركات عسكرية ورسائل أمنية متواصلة. لكنها، في الوقت نفسه، تدرك أن إسقاط إيران بالكامل أو دفعها نحو الانهيار قد يفتح أبواب فوضى هائلة في الشرق الأوسط، من الخليج إلى البحر المتوسط. لذلك تبدو السياسة الأميركية وكأنها تقوم على معادلة دقيقة: إضعاف إيران… لا تفجيرها.
أما الصين، فتتعامل مع إيران من زاوية مختلفة تماماً. فطهران بالنسبة إلى بكين ليست فقط دولة حليفة سياسياً، بل محطة أساسية في مشروع النفوذ الاقتصادي الآسيوي. الصين تحتاج إلى النفط الإيراني، وإلى موقع إيران الجغرافي الذي يربط آسيا بالشرق الأوسط وأوروبا، كما ترى فيها شريكاً مهماً في مواجهة الضغوط الغربية.

لكن التنين الصيني، رغم دعمه الاقتصادي والسياسي لإيران، لا يريد أيضاً أن تتحول طهران إلى قوة تشعل المنطقة بالكامل. فالصين تبني اقتصاداً عالمياً يحتاج إلى الاستقرار، وأي حرب كبرى في الخليج تعني تهديداً مباشراً للطاقة والتجارة والأسواق التي يقوم عليها صعودها الدولي.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: إيران تعتقد أنها تستفيد من التنافس الأميركي – الصيني، لكن الواقع أن القوتين، رغم تنافسهما ، تتقاطعان عند نقطة أساسية واحدة" منع انهيار التوازن في الشرق الأوسط."
فالولايات المتحدة لا تريد إيران قوية إلى حد فرض وقائع جديدة في المنطقة، والصين لا تريد إيران ضعيفة إلى حد السقوط والفوضى. وبين الرغبتين، تتحول طهران إلى دولة تتحرك ضمن هامش ضيق جداً، مهما رفعت منسوب التصعيد أو المناورة.

حتى في الملف النووي، يبدو المشهد واضحاً. واشنطن تضغط لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي، وبكين أيضاً لا ترغب في شرق أوسط نووي قد يفتح سباق تسلح خطيراً يهدد مصالحها الاقتصادية. لذلك، ورغم اختلاف الأساليب، يبقى سقف الطرفين متشابهاً "احتواء و ضبط إيران لا تركها تنفلت بالكامل".
وفي كل مرة ترتفع فيها احتمالات الحرب، تعود القنوات الخلفية والتحركات الدبلوماسية لتؤكد أن القوى الكبرى لا تريد الانفجار الشامل. فالعالم اليوم لم يعد يحتمل حرباً ضخمة في منطقة تتحكم بجزء كبير من الطاقة العالمية والممرات البحرية.

الأخطر بالنسبة إلى إيران أن التحولات الدولية قد تجعلها تدريجياً ورقة تفاوض أكثر منها لاعباً مستقلاً بالكامل. فحين تتقاطع مصالح النسر الأميركي والتنين الصيني على حماية الاستقرار العالمي، تصبح قدرة طهران على استخدام التوتر الإقليمي محدودة أكثر فأكثر.

وفي لحظة ما، قد تجد إيران نفسها أمام حقيقة قاسية: أنها ليست فقط في مواجهة أميركا، بل أيضاً تحت سقف الحسابات الصينية التي تدعمها… لكن ضمن حدود دقيقة لا تسمح بانفجار يهدد مصالح بكين الكبرى.

هكذا تبدو الصورة اليوم: نسر أميركي يضغط من الأعلى، وتنين صيني يطوّق بهدوء من الشرق، وإيران تحاول النجاة بين الفكّين، في عالم لم يعد يسمح لدولة متوسطة الحجم بأن تتحرك بحرية كاملة خارج إرادة القوى الكبرى.