بين الضيق والرجاء
23 May 202608:21 AM
بين الضيق والرجاء
ما أبهى تلك اللحظة التي يُلقي فيها الإنسان جسده المُتعب على فراشه، لا يحمل في صدره هَمَّ غدٍ، ولا يجرُّ خلفه أوجاع نهارٍ أثقلته الساعات. لحظةٌ قصيرة، لكنّها تُشبه نجاةَ روحٍ عبرت صحراء طويلة تبحث عن قطرة سلام. غير أنّ الحياة، في حقيقتها، ليست سوى مدٍّ وجزر، فرحٍ يعقبه وجع، وأمانٍ يتسلّل إليه خوف، ونهارٍ لا يلبث أن يطويه الليل. وما أقسى الحقيقة حين نكتشف أنّ الشدائد تطول إقامتُها في أعمارنا، فيما يمرّ الفرح كطيفٍ، يزورنا قليلًا ثم يمضي.
لقد علّمتني الأيام أنّ الحياة ليست طريقًا مفروشًا بالطمأنينة. هي مدرسةٌ قاسية، تمتحننا قبل أن تُعلّمنا، وتكسر شيئًا فينا لكي تُنضجنا. فما من يومٍ ينقضي إلا ويسلّمنا شيئًا من تعبه، أو يترك في أرواحنا أثرَ معركةٍ خفيّة خضناها بصمت. وكأنّ النهار بخيلٌ بوصفات الراحة، كريمٌ في توزيع الأعباء، حتى ليخيّل للمرء أحيانًا أنّ الإنسان خُلق ليصارع أكثر ممّا خُلق ليستريح.
والعمر، مهما طال أو قصر، ليس بعدد السنوات، إنما بطريقة العبور فيها. فقد يحيا إنسانٌ عقودًا طويلة دون أن يذوق معنى الحياة، وقد يختصر آخر عمرًا كاملًا في لحظات صبرٍ وصدقٍ وإيمان. غير أنّ السؤال الذي يبقى معلّقًا في أعماقنا هو: من أين لنا هذه القدرة العجيبة على احتمال الصعاب؟ كيف تستطيع الروح أن تنهض، كلّما أرهقتها الحياة، وأوشكت أن تنكسر؟
إنّ النفس البشريّة كثيرًا ما تتأرجح بين التشاؤم والرجاء. فالمتشائم يرى في كلّ فرصةٍ بابًا جديدًا للعجز، أما المتفائل فيصنع من الحجارة سلّمًا للعبور. وليس التفاؤل إنكارًا للألم، بل إيمانًا بأنّ النور لا بدّ أن يُولد من رحم العتمة، وأنّ الله لا يترك قلبًا احتمى به صادقًا.
ومن هنا تتجلّى عظمة كلمات الرسول بولس حين يقول: "بَلْ نَفْتَخِرُ أَيْضًا فِي الضِّيقَاتِ، عَالِمِينَ أَنَّ الضِّيقَ يُنْشِئُ صَبْرًا، وَالصَّبْرُ تَزْكِيَةً، وَالتَّزْكِيَةُ رَجَاءً، وَالرَّجَاءُ لاَ يُخْزِي" (رومية ٥: ٣-٥).

أيّ سرٍّ عجيب هذا الذي يجعل الضيق طريقًا إلى الرجاء؟
إنّه سرّ النفوس التي أدركت أنّ الألم قد يكون أحيانًا صياغةً إلهيّةً للروح، وتطهيرًا خفيًا للقلب، وإعدادًا لإنسانٍ أكثر عمقًا ورحمةً وثباتًا.
لذلك، حين نقارن أوجاعنا بهذه التعاليم، نتعلّم أنّ الصبر ليس استسلامًا سلبيًا، بقدر ما هو قوّة هادئة، ومقاومة نبيلة، وثقة بأنّ يد الله تعمل حتّى في أكثر اللحظات غموضًا. فما يُرمى علينا من ظلمٍ وافتراء، وما نعبره من ضيقات وانكسارات، قد يتحوّل - إن حملناه بالإيمان - إلى دروسٍ تُهذّب أرواحنا وتكشف معدننا الحقيقي.
ليس لنا، في مواجهة الحياة، سوى أن نسلّم ذواتنا لمشيئة العليّ، بيقين المؤمن أنّ النعمة قادرة أن تصنع من الضعف قوّة، ومن الانكسار بداية جديدة. وعندما نترك لله أن يعمل في داخلنا، تهدأ الحروب التي تعصف في أعماقنا، ونكتشف أنّ السلام ليس غياب العاصفة، بل حضور الله وسطها.
فلنتعلّم الصبر، كتدريبٍ يوميّ على الثبات. ولنجعل من كلّ ظلمٍ نتعرّض له درسًا في الرحمة، ومن كلّ خيبةٍ نافذةً نحو نضجٍ أعمق. فالحياة، رغم قسوتها، ما تزال جديرة بأن تُعاش إذا سكن الرجاء في قلوبنا. والرجاء كالنافذة؛ لا تدخل إلينا أشعة النور إلا حين نفتحها بثقة.

فلنحذر أن نكون سبب ألمٍ لأحد، ولنمضِ إلى جانب كلّ مظلوم، نحمل معه شيئًا من وجعه، ونشهد لكلّ فرحٍ يأتينا من الله، ذاك الساكن فينا، المحرّك لأنفاسنا، والواهب لحياتنا معناها الحقيقي.
ولا ننسَ أبدًا أنّ إلهنا هو حقًا: "إلهُ الصبرِ والتعزية".