لا نفوذ لإيران على المتوسط ولا مقعد لها على طاولة التفاوض
04 Jun 202607:50 AM
لا نفوذ لإيران على المتوسط ولا مقعد لها على طاولة التفاوض
سعد شعنين

سعد شعنين

لم يعد الحديث في الكواليس الدولية والإقليمية يدور حول ما إذا كان النفوذ الإيراني سيتمدد نحو البحر الأبيض المتوسط، بل حول كيفية احتوائه ومنع تثبيته بشكل دائم. فالقرار، وفق المؤشرات السياسية والعسكرية والدبلوماسية المتراكمة، يبدو وكأنه اتُّخذ: لا نفوذ إيراني على المتوسط، ولا دور لطهران في الترتيبات الجديدة التي تُرسم للمنطقة.

التحولات التي تشهدها المنطقة خلال السنوات الأخيرة لا توحي بوجود تسويات تمنح إيران مساحة أوسع للحركة، بل تعكس توجهاً واضحاً نحو إعادة رسم التوازنات بما يمنع أي قوة إقليمية من الإمساك بشرق المتوسط أو تحويله إلى منصة نفوذ أحادي. وما كان ممكناً قبل سنوات لم يعد متاحاً اليوم في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة.

لبنان، الذي شكّل لعقود الرئة الإيرانية المفتوحة على المتوسط، بات في قلب هذا التحول. فالدولة اللبنانية، رغم أزماتها العميقة، تتحرك أكثر فأكثر نحو تثبيت منطق الدولة والسيادة والانفتاح العربي والدولي، فيما يزداد الضغط الخارجي لمنع بقاء لبنان ساحة مرتبطة بحسابات طهران الإقليمية.

وليس تفصيلاً أن تختار الولايات المتحدة لبنان ليضم أكبر سفارة أميركية في الشرق الأوسط، وربما واحدة من أكبر سفاراتها في العالم. فحجم هذا الحضور السياسي والأمني والدبلوماسي يعكس أن واشنطن تعتبر لبنان جزءاً أساسياً من معركة النفوذ في شرق المتوسط، وأنها تنظر إلى استقراره وسيادته من زاوية تتجاوز حدوده الجغرافية إلى التوازنات الإقليمية الأوسع.

كما أن المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، والتي تحظى برعاية ودفع أميركيين، تحمل في طياتها دلالات تتجاوز الملفات التقنية والأمنية المطروحة. فهذه المفاوضات تؤكد أن المجتمع الدولي يتعامل مع الدولة اللبنانية باعتبارها المرجعية الوحيدة المخولة اتخاذ القرار والتفاوض بشأن القضايا السيادية. والأهم أن إيران، التي لطالما اعتبرت نفسها لاعباً أساسياً في الساحة اللبنانية، تبدو اليوم خارج هذه العملية بالكامل، فلا مقعد لها على الطاولة ولا دور في صياغة التفاهمات التي يجري العمل عليها.

وهذا الاستبعاد لا يبدو تفصيلاً إجرائياً، بل يعكس توجهاً سياسياً أوسع يرمي إلى إخراج النفوذ الإيراني تدريجياً من المعادلات المرتبطة بلبنان وشرق المتوسط. فالتفاوض يتم بين دول وبرعاية دولية، فيما تُدفع الملفات السيادية نحو مؤسسات الدولة اللبنانية بعيداً عن منطق المحاور والأذرع الإقليمية.

فشرق المتوسط اليوم ليس مجرد مساحة جغرافية، بل مركز صراع عالمي يرتبط بالطاقة والغاز وخطوط الملاحة والأمن الإقليمي والتوازنات الدولية. ومن هنا يصبح منع إيران من تثبيت نفوذها على هذا الساحل هدفاً تتقاطع حوله مصالح أميركية وغربية وعربية وإقليمية متعددة.

إسرائيل بدورها تتعامل مع هذا الملف باعتباره معركة استراتيجية طويلة الأمد، ولذلك تواصل سياسة الضغط لمنع قيام بنية عسكرية أو لوجستية إيرانية مستقرة تمتد من طهران إلى المتوسط. وكلما اقتربت أي محاولة لترسيخ هذا الواقع، يرتفع منسوب المواجهة السياسية أو العسكرية لإحباطها.

وفي موازاة ذلك، تتحرك دول عربية عديدة لإعادة لبنان إلى محيطه العربي الطبيعي، انطلاقاً من قناعة متزايدة بأن استقرار المنطقة يبدأ من إنهاء زمن الساحات المفتوحة والمحاور العابرة للحدود، وإعادة الاعتبار للدولة الوطنية ومؤسساتها الشرعية.

المشهد الإقليمي بمجمله يوحي بأن مرحلة التمدد الإيراني بلغت حدودها القصوى، وأن ما يجري اليوم ليس مجرد احتواء سياسي، بل عملية إعادة رسم شاملة لموازين النفوذ في المنطقة. فالمفاوضات الجارية، والضغوط الاقتصادية، والتحولات الأمنية والعسكرية، وإعادة ترتيب الأولويات الدولية، تصب جميعها في اتجاه واحد.

لذلك، لم يعد السؤال: هل تصل إيران إلى المتوسط؟ بل: كيف سيتم تفكيك ما تبقى من نفوذها ومنع تحويله إلى واقع دائم؟

فالقرار الكبير، كما يبدو من توازنات المنطقة ومساراتها السياسية الجديدة، قد اتُّخذ بالفعل: لا نفوذ لإيران على المتوسط، ولا مقعد لها على طاولة التفاوض