روبيو نجح في جعل المستحيل ممكناً... لبنان وإسرائيل: الخطوة التاريخية الأولى نحو السلام
27 Jun 202611:50 AM
روبيو نجح في جعل المستحيل ممكناً... لبنان وإسرائيل: الخطوة التاريخية الأولى نحو السلام
ليست كل الاتفاقات التاريخية تُقاس بما تحققه في يوم توقيعها، بل بما تؤسس له من مسارات تغيّر وجه التاريخ. وما جرى في وزارة الخارجية الأميركية في السادس والعشرين من حزيران 2026 ليس مجرد اتفاق أمني جديد، ولا هدنة إضافية تُضاف إلى سلسلة طويلة من التسويات المؤقتة التي عرفها لبنان منذ عقود. إنه لحظة سياسية مفصلية تعيد رسم مستقبل لبنان والمنطقة.
للمرة الأولى، ينص إطار سياسي رسمي على تأكيد حق لبنان وإسرائيل في الوجود بسلام كدولتين جارتين ذاتي سيادة، وعلى نية دائمة لإنهاء النزاع بينهما وإنهاء حالة الحرب رسمياً، مع التزام لا رجعة فيه بحل جميع القضايا العالقة عبر مفاوضات مباشرة برعاية ودعم أميركي. 
لا يمكن قراءة هذه الصياغة إلا بوصفها تحولاً تاريخياً. فهي تشكل أول اعتراف سياسي لبناني واضح وغير قابل للالتباس بوجود دولة إسرائيل ضمن إطار يقود إلى سلام دائم.
هذه لغة إنهاء صراع امتد نحو ثمانية عقود، وفتح صفحة جديدة تقوم على السيادة والاستقرار والتنمية، لا على الحروب الدائمة.
وإذا كُتب لهذا المسار أن يُنفذ، فإنه سيقود إلى أربعة تحولات تاريخية: الانسحاب الإسرائيلي الكامل وفق الآليات المتفق عليها، حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، إعادة إعمار الجنوب والمناطق المتضررة، والوصول إلى اتفاق سلام شامل يطوي صفحة واحدة من أكثر الصراعات استنزافاً في تاريخ المنطقة.
هذا الاتفاق ليس نهاية الطريق، بل بدايته. لكنه بداية تختلف عن كل ما سبقها.
الرابح الأول، إذا نجح هذا المسار، هو الدولة اللبنانية.
للمرة الأولى منذ عقود، تصبح استعادة السيادة مشروعاً عملياً لا شعاراً سياسياً. يعود القرار الأمني والعسكري إلى مؤسسات الدولة وحدها، ويصبح الجيش اللبناني المرجعية الوحيدة المخولة بحماية الحدود والدفاع عن الوطن، وتنتهي معادلة الدويلة داخل الدولة التي عطلت قيام الجمهورية لعقود.
كما يفتح الاتفاق الباب أمام إعادة الإعمار، وعودة الاستثمارات، واستعادة الثقة الدولية، وإحياء الاقتصاد اللبناني بعد سنوات من الانهيار. فالدول لا تنهض في ظل الحروب الدائمة، ولا يمكن بناء اقتصاد أو جذب استثمارات أو إعادة بناء القرى والمدن بينما يبقى قرار الحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة.
أمّا الخاسر الأكبر، فهو المشروع الذي قام على إبقاء لبنان ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية، هو مشروع الجمهورية الإسلامية الإيرانية التوسعي، الذي اعتمد لعقود على تحويل لبنان إلى منصة نفوذ متقدمة خارج مؤسسات الدولة، وعلى تثبيت معادلة السلاح الموازي للدولة كأداة استراتيجية في الإقليم.
ما يتكشف اليوم ليس مجرد تحول لبناني داخلي، بل إعادة رسم أوسع لمعادلات القوة في المشرق، حيث تتراجع تدريجياً منظومة النفوذ التي قامت على الميليشيات العابرة للدول، لصالح منطق الدولة المركزية والقرار السيادي الواحد. وفي الحالة اللبنانية تحديداً، يصبح هذا التحول اختباراً مباشراً لوجود الدولة نفسها: دولة واحدة أو لا دولة.
ولهذا السبب تحديداً يبدو حزب الله اليوم في أكثر مراحله قلقاً منذ تأسيسه.
فالحزب يدرك أن نجاح هذا الاتفاق يضرب الأساس الذي قام عليه وجوده العسكري والسياسي. فمنذ أكثر من أربعة عقود، ارتبطت شرعيته باستمرار الصراع مع إسرائيل وبفكرة أن السلاح خارج الدولة ضرورة وجودية. أما إذا تحقق الانسحاب، وثُبّت وقف إطلاق النار، واستُعيدت الأراضي، وأصبحت الدولة وحدها مسؤولة عن حماية الحدود، فإن السؤال الذي سيواجهه الحزب لن يعود سؤالاً خارجياً، بل سؤالاً لبنانياً داخلياً: ما مبرر استمرار قوة عسكرية موازية للدولة بعدما انتفت الذريعة التي قامت عليها؟
ارتباك الحزب ظهر في ردة الفعل المباشرة بعد توقيع الاتفاق. ضعيفة جداً مقارنة بحجم الحدث. استعراضات في الشارع، خطابات تصعيدية، ورسائل تهديد، مجرد ضجيج تمّ ضبطه ولجمه.
والسبب أنّ الحزب يدرك أن البيئة الاستراتيجية التي عمل فيها لعقود لم تعد موجودة.
من الشرق، سقط النظام السوري الذي شكّل لعقود عمقه الاستراتيجي وخط إمداده الرئيسي.
ومن الجنوب، ترعى الولايات المتحدة مساراً تفاوضياً واضحاً يقود إلى ترتيبات أمنية جديدة وحصرية السلاح بيد الدولة وتطوقه اسرائيل.
ومن الخليج، صدر موقف أميركي – خليجي واضح يدعو إلى إنهاء وجود السلاح غير الشرعي، ليس في لبنان فقط، بل في المنطقة بأسرها، بما يعكس انتقالاً إقليمياً من مرحلة الميليشيات إلى مرحلة الدول.
أمّا في الداخل اللبناني، فقد تبدل المزاج العام بصورة جذرية. فبعد سنوات من الانهيار الاقتصادي والهجرة والحروب، لم يعد غالبية اللبنانيين مستعدين لدفع أثمان صراعات لا يقررونها ولا تخدم مصالحهم الوطنية.
يدرك حزب الله أن أي محاولة للانقلاب على هذا المسار أو الذهاب إلى مواجهة داخلية واسعة لن تُواجَه هذه المرة بمؤسسات الدولة وحدها، بل برفض لبناني واسع يقف إلى جانب الدولة والجيش دفاعاً عن قيام الدولة الواحدة، بعدما دفع اللبنانيون، على اختلاف انتماءاتهم، أثمان أربعة عقود من الحروب والانهيار. ولذلك فإن هامش المناورة أمامه لم يعد كما كان. لبنان كله سيقف بوجههم.
وفي قلب هذا التحول تقف المؤسسة العسكرية اللبنانية. فالجيش اللبناني لم يعد مجرد مؤسسة أمنية ضمن نظام سياسي معقد، بل أصبح معيار الدولة الفعلي. نجاح هذا الاتفاق أو سقوطه يتوقف على قدرته على فرض حصرية السلاح، وترسيخ قرار الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، ومنع أي ازدواجية في الشرعية الأمنية أو العسكرية. هذا ليس دوراً تقنياً، بل اختبار وجودي: اختبار الدولة الواحدة في مواجهة واقع طويل من تداخل السلطات.
وبالتوازي مع ذلك، تبرز المعركة الأعمق: إعادة بناء مؤسسات الدولة من الداخل. فاستعادة السيادة لا تكتمل على الحدود وحدها، بل داخل الإدارة العامة، والأجهزة الأمنية، ومراكز القرار السياسي، حيث تراكمت خلال عقود شبكات نفوذ متداخلة مع مشروع الدولة الموازية. استعادة الدولة هنا تعني إعادة تعريفها جذرياً على قاعدة واحدة لا شراكة فيها: لا سلطة تعلو فوق الدستور، ولا شرعية خارج مؤسسات الدولة.
أما داخل البيئة الشيعية، فالمعادلة باتت مباشرة وغير قابلة للتأجيل أو الالتباس. مستقبل الجنوب، ومستقبل الاستقرار الاجتماعي، ومستقبل الاقتصاد وإعادة الإعمار، لا يمكن فصله عن مسألة الدولة والسلاح. فاستمرار منطق السلاح خارج الدولة يعني عملياً استمرار انهيار الدولة نفسها، بينما الانتقال إلى منطق الدولة الواحدة يفتح للمرة الأولى أفقاً واقعياً للحماية، والإعمار، والاستقرار، والحياة الطبيعية. وهنا تصبح المسؤولية داخل هذه البيئة مسؤولية سياسية وتاريخية في آن: تحديد موقعها النهائي من مشروع الدولة.
هذا الاتفاق يغيّر لبنان، لكن السؤال الحقيقي ليس ماذا يغيّر، بل هل سيتغيّر لبنان بما يكفي كي لا يُهدر هذه الفرصة التاريخية؟ 
هذه المرة، التاريخ يفتح نافذة نادرة لإعادة تأسيس الدولة، مشروع يُعَوّل على زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون الى واشنطن في تموز، لاستكماله.