بين وهم الأرباح وسلامة الأسواق: كيف يحمي المستثمر نفسه في زمن المنصّات غير المرخّصة؟
بين وهم الأرباح وسلامة الأسواق: كيف يحمي المستثمر نفسه في زمن المنصّات غير المرخّصة؟
07 Jul 202612:15 PM
بين وهم الأرباح وسلامة الأسواق: كيف يحمي المستثمر نفسه في زمن المنصّات غير المرخّصة؟
بقلم جورج خوري، محلّل لدى شركة CFI

في كل مرة تتصدّر فيها أخبار الاحتيال المالي المشهد، نكتشف أن المشكلة ليست في وجود منصّات وهمية فحسب، بل في البيئة التي تسمح لها بالتسلّل إلى الناس من باب الحاجة، والطموح، وأحيانًا من باب الثقة الزائفة. ففي لبنان، حيث تتآكل القدرة الشرائية وتضيق خيارات الادخار والاستثمار، يصبح الوعد بـ"ربح سريع من المنزل" أكثر من مجرد إعلان مضلل: يصبح طُعمًا مصمّمًا بعناية لاصطياد مصمّمًا لاستدراج أشخاص يبحثون عن مصدر دخل إضافي أو مخرج من ضيقهم المالي.

التحذيرات التي صدرت أخيرًا عن قوى الأمن الداخلي، وما رافقها من تقارير إعلامية عن شركات تداول وهمية استدرجت لبنانيين بخطاب احترافي وواجهات رقمية تبدو مقنعة، يجب ألا تُقرأ كحوادث متفرقة. ما نشهده هو نتيجة مباشرة لاتساع الفجوة بين الطلب المتزايد على الاستثمار من جهة، وضعف الوعي التنظيمي والمالي لدى شريحة واسعة من الأفراد من جهة أخرى. وهذا تحديدًا ما يجعل الامتثال والتنظيم قضية تمسّ أمن المستثمر الفردي وثقته وقراره المالي، لا مسألة محصورة بالمؤسسات المالية وحدها.

المشكلة أن كثيرين ما زالوا ينظرون إلى الترخيص كأنه تفصيل إداري، أو كماليات قانونية يمكن تجاوزها إذا بدا التطبيق جذابًا، أو إذا كان "المستشار" مقنعًا، أو إذا ظهرت على الشاشة أرباح أولية مغرية. لكن الحقيقة مختلفة تمامًا. في الأسواق المالية، الترخيص ليس ورقة تُعلّق على الحائط، بل هو الإطار الذي يحدد من يحق له أن يطلب أموال الناس، وكيف تُدار هذه الأموال، وما هي الضوابط المفروضة عليه، وما هي حقوق العميل إذا وقع خلاف أو ضرر أو تضليل.

هنا تحديدًا يجب السؤال: كيف يميّز المستثمر بين شركة مرخّصة ومؤسسة تلبس ثوب الشرعية من دون أن تمتلكها؟

القاعدة الأولى بسيطة، لكنها حاسمة: لا يكفي أن تقول الشركة إنها مرخّصة، بل يجب أن يكون ذلك قابلاً للتحقق من الجهة الرقابية المعنية. في لبنان، يفترض بالمستثمر أن يتأكد مما إذا كانت الجهة التي يتعامل معها خاضعة فعلًا لرقابة الجهات المختصة، وعلى رأسها مصرف لبنان وهيئة الأسواق المالية، وأن تكون أنشطتها منسجمة مع الترخيص الممنوح لها. وإذا ادّعت الشركة أنها مرخّصة في الخارج، فلا يكفي أن تعرض اسم هيئة أجنبية أو رقم تسجيل على موقعها الإلكتروني؛ المطلوب هو العودة إلى موقع الجهة التنظيمية نفسها، والتأكد من وجود الشركة، وطبيعة الترخيص الذي تحمله، ونطاق الخدمات التي يجيز لها تقديمها، وما إذا كان يحق لها أصلًا استهداف مستثمرين في لبنان.

القاعدة الثانية: أي وعد بعائد مرتفع ومضمون يجب أن يُقرأ كإشارة خطر، لا كفرصة. الأسواق المالية لا تعمل بمنطق الضمانات المطلقة، وأي جهة تسوّق التداول أو الاستثمار كمسار مضمون للربح، تتجاهل عمدًا جوهر هذه الأسواق القائم على المخاطر، والتقلبات، والحاجة إلى إدارة رأس المال والانضباط. الاحتيال لا يأتي دائمًا بصيغة بدائية؛ أحيانًا يرتدي بدلة أنيقة، ويتحدث بلغة مالية متقنة، ويمنح الضحية أرباحًا أولية وهمية فقط ليدفعها إلى ضخ المزيد من الأموال قبل أن يختفي.

أما القاعدة الثالثة، فهي أن على المستثمر أن يسأل عن آليات الحماية قبل أن يسأل عن فرص الربح. أين تُحفظ أموال العملاء؟ ما هي إجراءات التحقق من الهوية والامتثال؟ هل هناك إفصاح واضح عن المخاطر؟ هل توجد شروط وأحكام مفهومة، وآلية رسمية للشكاوى، وهيكلية رقابية يمكن الرجوع إليها؟ هذه الأسئلة ليست تفصيلًا قانونيًا. إنها جوهر العلاقة بين المستثمر والمؤسسة المالية. ففي الأسواق السليمة، لا تُقاس قوة الشركة فقط بحجم حملاتها التسويقية أو سهولة تطبيقها، بل بمدى خضوعها للمساءلة.

في هذا السياق، يجب الاعتراف بأن السوق اللبناني يقف اليوم أمام تحدٍ مزدوج: من جهة، هناك حاجة فعلية إلى توسيع الوصول إلى الخدمات المالية والاستثمارية الحديثة، ومن جهة أخرى هناك مسؤولية متزايدة لحماية هذا الانفتاح من أن يتحول إلى مساحة مفتوحة للاستغلال. فلا يمكن بناء سوق استثماري صحي إذا تُرك المستثمر يواجه وحده سيلًا من الإعلانات المضللة، والمؤثرين غير المرخصين، والمنصات العابرة للحدود التي تستهدفه من خارج أي مساءلة محلية.

من هنا، لا ينبغي أن يقتصر التعامل مع هذه الظاهرة على التحذير بعد وقوع الضرر. المطلوب مقاربة أوسع تجعل من الثقافة التنظيمية جزءًا من الثقافة المالية نفسها. أي أن يعرف المستثمر منذ البداية أن السؤال الأول ليس "كم يمكن أن أربح؟"، بل "من هي الجهة التي أضع أموالي لديها، وتحت أي رقابة تعمل، وما هي حقوقي إذا ساءت الأمور؟". هذا التحول في طريقة التفكير قد يكون أكثر فعالية من أي حملة توعية تقليدية، لأنه يعيد تعريف الاستثمار من مغامرة فردية إلى قرار مؤسسي يجب أن يُبنى على التحقق لا على الانبهار.

في النهاية، حماية المستثمر لا تبدأ عند لحظة الخسارة، بل عند لحظة الاختيار. وبين منصة تعد بالأرباح السهلة من دون أي شفافية، ومؤسسة مالية تعمل تحت مظلة تنظيمية واضحة وتخضع لمعايير الامتثال والإفصاح والمساءلة، لا ينبغي أن يكون الفارق في نظر المستثمر مجرد فارق في الاسم أو العلامة التجارية. إنه الفارق بين الدخول إلى سوق مالي من الباب الشرعي، أو السقوط في فخّ صُمّم أصلًا على قياس الثقة الساذجة.

وفي بلد مثل لبنان، حيث لم تعد الثقة تُمنح بسهولة، ربما حان الوقت لأن تصبح القاعدة الأهم في أي قرار استثماري: لا تضع أموالك حيث لا توجد مساءلة، ولا تنخدع بمنصة تعرف كيف تبيع الحلم أكثر مما تعرف كيف تثبت شرعيتها.