ما من خيارٍ ثالث… إيران بين الإذعان والتقسيم
29 Jul 202608:13 AM
ما من خيارٍ ثالث… إيران بين الإذعان والتقسيم
سعد شعنين

سعد شعنين

لم تعد المؤشرات العسكرية والسياسية في الشرق الأوسط توحي بأن المنطقة تتجه إلى جولة تصعيد عابرة، بل إلى إعادة رسم كاملة لموازين القوى. فالتحالفات التي عملت الولايات المتحدة على بنائها خلال الأشهر الماضية أصبحت شبه مكتملة، من الانتشار العسكري في الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط، إلى التنسيق مع الحلفاء الإقليميين، وصولاً إلى الاستعدادات اللوجستية والاستخباراتية التي تسبق عادة أي تحول استراتيجي كبير.

في المقابل، تبدو إيران اليوم أمام أكثر لحظة مصيرية منذ أربعة عقود. فلم يعد هناك متسع كبير للمناورة أو شراء الوقت، ولا يبدو أن واشنطن مستعدة للعودة إلى سياسة إدارة الأزمة أو القبول بأنصاف الحلول. الرسالة الأميركية، كما يقرأها كثير من المراقبين، تقوم على معادلة واضحة: تنفيذ المطالب كاملة أو مواجهة واسعة قد تكون نتائجها غير مسبوقة.
ولا تقتصر هذه المطالب على البرنامج النووي، بل تشمل أيضاً البرنامج الصاروخي، ووقف دعم وتسليح الحلفاء الإقليميين، وإنهاء سياسة استخدام الوكلاء العسكريين، وإعادة صياغة الدور الإيراني في المنطقة بما يتوافق مع التوازنات الجديدة التي تسعى الولايات المتحدة إلى فرضها.
إذا رفضت طهران، فإن المواجهة المحتملة لن تكون مجرد سلسلة من الضربات المحدودة كما شهدت المنطقة في السنوات الماضية، بل قد تتحول إلى حرب تستهدف البنية العسكرية والاستراتيجية الإيرانية بصورة منهجية. القواعد الجوية، ومنظومات الدفاع، ومخازن الصواريخ، ومراكز القيادة والسيطرة، والمنشآت العسكرية، وشبكات التصنيع، والمرافئ الحيوية، والبنية الاقتصادية التي يعتمد عليها النظام، كلها قد تتحول إلى أهداف مباشرة.
لكن الأخطر أن أي حرب من هذا النوع لن تبقى داخل الحدود الإيرانية. فشبكة النفوذ التي بنتها طهران خلال عقود، من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن، ستصبح جزءاً من ساحة المواجهة، ما يعني أن الشرق الأوسط بأكمله سيدخل مرحلة إعادة تموضع سياسي وأمني، تتراجع فيها أدوار قوى إقليمية، وتبرز أخرى وفق ميزان قوى جديد.
وفي الداخل الإيراني، لن يقتصر التغيير على الجانب العسكري أو الاقتصادي. فإذا تعرضت مؤسسات الدولة لضربة قاسية، واهتزت قدرة السلطة المركزية على فرض سيطرتها، فقد تدخل البلاد مرحلة من عدم الاستقرار الداخلي تفتح الباب أمام سيناريوهات كانت حتى وقت قريب تُعد بعيدة الاحتمال. ومن بين هذه السيناريوهات، التي تتناولها بعض مراكز الدراسات الاستراتيجية، احتمال تصاعد النزعات الانفصالية في بعض الأقاليم ذات الخصوصيات القومية، بما قد يقود إلى مشاريع لإعادة رسم الجغرافيا السياسية الإيرانية إذا فقدت الدولة المركزية قدرتها على الإمساك بكامل أراضيها. ولا يعني ذلك أن تقسيم إيران نتيجة حتمية، لكنه أصبح يُطرح في بعض التحليلات كأحد الاحتمالات التي قد تفرضها حرب شاملة وانهيار مؤسسات الدولة.
لبنان سيكون من أكثر الدول تأثراً بأي تحول من هذا النوع. فكل تراجع في قدرة إيران على التمويل والإسناد سينعكس مباشرة على نفوذها الإقليمي، وستزداد الضغوط الدولية لتكريس سلطة الدولة اللبنانية وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية. كما سيواجه العراق وسوريا واليمن تحولات مماثلة قد تعيد تشكيل المشهد السياسي والأمني في هذه الدول.
في المقابل، يبقى أمام القيادة الإيرانية خيار آخر، وهو القبول بتسوية شاملة، مهما كانت قاسية، تجنب البلاد حرباً قد لا تنتهي عند حدود تدمير المنشآت العسكرية، بل قد تمتد إلى تهديد وحدة الدولة نفسها ومستقبل النظام السياسي الذي حكم إيران منذ عام 1979.

إن المنطقة تقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي. وإذا كانت التحالفات قد اكتملت والاستعدادات العسكرية بلغت مراحل متقدمة، فإن القرار لم يعد في واشنطن وحدها، بل أصبح في طهران أيضاً. فإما القبول بواقع إقليمي جديد، وإما مواجهة قد لا تغيّر موازين القوى في الشرق الأوسط فحسب، بل قد تعيد رسم مستقبل إيران نفسها، سياسياً وجغرافياً، وتفتح الباب أمام مرحلة لم تعرفها الجمهورية الإسلامية منذ قيامها.