إيران... من التنازلات المتتالية إلى الاستسلام الكامل
03 Aug 202610:07 AM
إيران... من التنازلات المتتالية إلى الاستسلام الكامل
سعد شعنين

سعد شعنين

إيران لا تستسلم دفعة واحدة، ولا يمكن أن نتوقع من نظام بنى جزءاً كبيراً من شرعيته على مواجهة الولايات المتحدة أن يخرج غداً ليعلن هزيمته. لكن الاستسلام السياسي لا يبدأ دائماً بإعلان رسمي، بل يبدأ عندما تضطر الدولة إلى التراجع عن مواقف كانت تعتبرها خطوطاً حمراء، ثم تقدم تنازلاً بعد آخر، تحت ضغط عسكري واقتصادي وسياسي متراكم. ومن هذه الزاوية، يبدو أن إيران دخلت بالفعل في مسار من التنازلات قد يقود، إذا استمر، إلى تغيير كامل في موقعها الإقليمي.

خلال سنوات طويلة، اعتمدت طهران على مجموعة من الأوراق لفرض معادلة الردع الخاصة بها. البرنامج النووي كان في مقدمة هذه الأوراق، ثم الصواريخ الباليستية، ومضيق هرمز، وشبكة النفوذ الإقليمي الممتدة من العراق وسوريا إلى لبنان واليمن، إضافة إلى الأذرع المسلحة التي استخدمتها إيران لتوسيع نفوذها وإبعاد المواجهة عن أراضيها. وكانت طهران تتعامل مع هذه الأدوات باعتبارها عناصر قوة لا يمكن التنازل عنها.

لكن المعادلة بدأت تتغير عندما أصبحت هذه الأوراق نفسها موضع تفاوض.

فالبرنامج النووي الذي كان عنواناً للسيادة والقوة أصبح ملفاً مرتبطاً بالرقابة والقيود والضمانات الدولية. والصواريخ التي شكلت لعقود جزءاً أساسياً من العقيدة الدفاعية الإيرانية أصبحت من الملفات التي يمكن أن تطرح على طاولة التفاوض. أما مضيق هرمز، الذي لطالما استخدمته إيران كورقة ضغط على الولايات المتحدة والعالم، فلم يعد مجرد ورقة تهديد إيرانية، بل أصبح جزءاً من النقاش حول مستقبل العلاقة مع واشنطن وحركة الملاحة في الخليج.

وقد يبدو كل تنازل منفرد وكأنه تسوية محدودة أو إجراء مؤقت، لكن خطورة المسار تكمن في تراكم هذه التنازلات. فعندما تتراجع دولة في ملف نووي، وتعيد حساباتها في ملف الصواريخ، وتضطر إلى تقديم ضمانات بشأن هرمز، وتبدأ في إعادة النظر في نفوذها الإقليمي، فإن المسألة لا تعود مجرد اتفاقات منفصلة، بل تصبح إعادة صياغة تدريجية لمصادر القوة التي بنت عليها سياستها الخارجية.

وهذا ما يجعل الضغط الاقتصادي مهماً بقدر الضغط العسكري. فإيران تحتاج إلى رفع العقوبات، واستعادة قدرتها على تصدير النفط، وتحريك اقتصادها، وتخفيف الأعباء التي باتت تضغط على الداخل الإيراني. وبالتالي لم تعد القيادة أمام خيار المواجهة وحده، بل أمام معادلة صعبة: الاستمرار في المواجهة وتحمل كلفتها المتزايدة، أو تقديم تنازلات تفتح الباب أمام تخفيف الضغط وإعادة الاقتصاد إلى الحركة.

ومع تراجع هامش المناورة الخارجي، يصبح الداخل الإيراني جزءاً من المعادلة. فكلما ارتفعت كلفة المواجهة، ارتفعت الأصوات التي ترى أن التفاوض لم يعد خياراً سياسياً بل ضرورة لإنقاذ البلاد، في مقابل قوى تخشى أن تتحول التنازلات إلى تفكيك تدريجي للمشروع الإيراني الذي بُني خلال عقود. وهنا تصبح المعركة داخل إيران مرتبطة مباشرة بما يجري خارجها، لأن أي تنازل جديد يمكن أن يفتح الباب أمام تنازل أكبر.

ومن هنا تكتسب كلمة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أمس أهمية خاصة. فحديثه عن أن مذكرة التفاهم مع واشنطن ستكون محور العلاقات الخارجية الإيرانية في المرحلة المقبلة لا يمكن فصله عن هذا المسار المتدرج. فإيران التي جعلت من مواجهة الولايات المتحدة محوراً أساسياً في سياستها الخارجية، باتت تتحدث عن تفاهم مع واشنطن باعتباره نقطة ارتكاز لعلاقاتها الخارجية المقبلة. وهذا بحد ذاته يعكس تحولاً في الأولويات، مهما حاولت طهران تقديمه على أنه تفاوض من موقع الندية.

فالمسألة ليست في الكلمات وحدها، وإنما في المسافة التي قطعتها إيران بين خطاب الأمس وموقف اليوم. دولة كانت ترفض التفاوض تحت الضغط أصبحت تفاوض، ودولة كانت تستخدم أوراق القوة لرفع سقف شروطها أصبحت تفاوض على هذه الأوراق نفسها، ودولة كانت تعتبر الولايات المتحدة مصدر التهديد الأكبر أصبحت ترى أن التفاهم معها يمكن أن يشكل محوراً لعلاقاتها الخارجية.

وهنا لا يمكن القول إن إيران استسلمت بالكامل. ما زالت طهران تمتلك أوراقاً، وما زالت تحاول انتزاع أكبر قدر ممكن من المكاسب، وما زال داخل النظام من يرفض التنازل. لكن الاتجاه العام هو الذي يستحق التوقف عنده" إيران تنتقل من محاولة فرض شروطها إلى محاولة إدارة خسائرها، ومن استخدام القوة لرفع سقف مطالبها إلى استخدام التفاوض لتقليل ثمن التراجع."

إذا استمر هذا الاتجاه، فقد لا تحتاج الولايات المتحدة إلى انتزاع الاستسلام الإيراني في اتفاق واحد. يكفي أن يصبح كل تنازل مقدمة للتنازل التالي، وأن يصبح تخفيف الضغط مرتبطاً بقبول شرط جديد، حتى تتراكم التنازلات وتتحول في النهاية إلى واقع استراتيجي مختلف.

وعندها لن تكون إيران قد استسلمت في يوم محدد، ولن تكون هناك لحظة واحدة يمكن القول فيها إن الراية البيضاء رُفعت. سيكون الاستسلام قد حدث بالتدريج"في النووي، ثم في الصواريخ، ثم في هرمز، ثم في النفوذ الإقليمي، وصولاً إلى إعادة تعريف علاقة إيران بالولايات المتحدة وبالمنطقة كلها."

لهذا، فإن كلمة بزشكيان أمس قد تكون أكثر من مجرد تصريح سياسي. إنها، إذا وُضعت في سياق التحولات التي سبقتها، تعكس انتقالاً تدريجياً من منطق المواجهة إلى منطق التفاهم، ومن محاولة فرض الشروط إلى البحث عن تسوية تحفظ ما يمكن إنقاذه.

إيران لم تستسلم بعد، لكن مسار التنازلات بدأ، وإذا استمر، فقد لا يكون الاستسلام الكامل قراراً تتخذه طهران، بل نتيجة تصل إليها خطوة بعد خطوة، وتنازلاً بعد تنازل.