الذكرى السادسة
04 Aug 202613:15 PM
الذكرى السادسة

زياد شبيب

النهار

هذي ابنةُ التاريخ بيروتُ
أريجٌ عابقٌ من نسمةٍ على ضفافِ البحرْ، عند ابتسام الثغرْ،
نابعةٍ من المروجِ والثلوج في ذُرى صنّين،
بيروت قُبلةُ الوداعِ واللقاء، قِبلة الحنين،
لا بدّ أن ينهضَ فيها الخِضْرُ ويصْرَعَ التنّين...  

(أديب صعب: "مرسى النّور" عن دار النهار)

"تحلّ الذكرى السادسة على تفجير مرفأ بيروت في 4 آب 2020. تاريخٌ سيبقى محفورًا في ذاكرة اللبنانيين، كما حفر عصف التفجير في أجسادهم ومزّقها ودمّر بيوتهم وآمالهم. وسيذكره التاريخ كما يذكر الكوارث التي ألمّت بها وأبرزها الزلزال الرهيب الذي دمّر المدينة العام 551. 

ستّ سنوات من الألم والخيبة للبنانيّين الذين ينتظرون إعلان الحقيقة، وهذا العام تحلّ الذكرى مترافقة مع أملٍ جديد هو اقتراب صدور القرار الاتهامي عن المحقّق العدلي القاضي طارق البيطار الذي كابد وصبر حتى النهاية.

القرار الاتهامي الذي يُنتظر أن يصدر بعد مطالعة النيابة العامة لدى محكمة التمييز، التي تُعلّق عليها آمال كثيرة نظرًا لأهميّة دورها وخطورته،قد يحمل الحقيقة أو أجزاء منها و فق ما تيسّر للتحقيق من عناصر. وقد يُصيب في كل خلاصاته أو توجّهاته أو بعضها، ولكنّ ما أنجزه بحدّ ذاته، وبصرف النظر عن مضمونه، سيُريح صدور اللبنانيين ويفتتح مرحلة جديدة من العدالة أمام المجلس العدلي وأمام التاريخ، لأنه سيُسجّل أن الحقيقة في هذا الوطن المدمّى يحقّ لها أن ترى النور.

قناعة كاتب هذه السطور، كما كثير من المتابعين، انصرفت منذ اليوم الأول إلى أن التفجير حصل بضربة، أقرّ بها رئيس الحكومة الإسرائيلي، وعبّر عنها الرئيس ترامب منذ اللحظة الأولى حين تحدّث عن "اعتداء"، ولكن تلك التصريحات تبخّرت عندما تبيّن هول الإنفجار وآثاره التدميرية، فتبرّع الرئيس الفرنسي ماكرون بترتيب المخارج وحضر إلى لبنان منقذًا ومضمّدًا للجراح، ولكنه أنجز الصفقة التي قضت باستبعاد سيناريو الاعتداء مقابل السكوت عمّا وجدته فرق التحقيق الفنيّة والجنائية التي حضرت إلى المرفأ وجمعت الأدلّة وأجرت الفحوصات للمواد الموجودة وللشظايا والبقايا.

لن ينسى اللبنانيون صوت الطيران الذي حلّق في الأجواء قبل التفجير وبعده، ولن ينسوا غرابة القول بأن رادار المطار لم يسجّل وجود ذلك الطيران. ولكن الفيديوهات سجّلت تلك الحقيقة ولا بدّ أن يكون التحقيق قد أخذ بها وحقّق في هذا المسار من مسارات التحقيق، وإن عرقلوه عبر إنكار وجود تصوير حيّ للأقمار الصناعية في تلك اللحظة الرهيبة حينأجمعت الدول على أن كل أقمارها الاصطناعية لم تسجل لحظة تفجير مرفأ. تلك الأقمار الصناعية نفسها سجّلت لحظة بلحظة موجات المد العالي أو التسونامي التي ضربت سواحل مملكة تونغا في المحيط الهادئ في العام 2022، على إثر ثوران بركان هائل في إحدى جزر المملكة. وتبيّن أن تلك الأقمار تقوم بتصوير دائم لكل حركة على سطح الأرض وفي عرض المحيطات.

هذا بالنسبة إلى فعل التفجير، أما المواد التي انفجرت فإن انكشاف حقيقتها سيتزامن مع التغيير الذي يشهده لبنان، وقد يساهم في تسريع حصوله. الدولة كانت تحتضن السلاح والمتفجرات وتسهّل وجودها وانتقالها، ولكن مسؤوليها الذين نفّذوا سياستها يلاحقون. ليس كل من علم بوجود نيترات الأمونيوم يستحق المعاقبة، بل من علم وكان من صلاحياته أن يمنع بقائها أو تحوّلها إلى مادة للتفجير.

في العام 551 تلا الزلزال الرهيب تسونامي أتى على ما تبقّى من بيروتالرومانيّة، واليوم ينتظر اللبنانيون القرار الاتهامي والمحاكمات التي ستليه التي قد تشكّل تسونامي يطيح بالركام الذي غطّى حقيقة تفجير 4 آب وبمن تسبب بتلك الكارثة".