الشرق الأوسط بين أربعة بحار: تحالف مكة وصراع إعادة تشكيل المنطقة
11 Aug 202611:02 AM
الشرق الأوسط بين أربعة بحار: تحالف مكة وصراع إعادة تشكيل المنطقة
في معاهدة تتسم بالغموض، أقرّ الأقطاب الأكثر فاعلية في العالم الإسلامي ضرورة أخذ المبادرة والانتقال نحو تشكيل حلف إقليمي يهدف إلى إعادة رسم صورة منطقة الشرق الأوسط، عبر استعادة دور بلدانهم في تقرير مصيرها ومستقبلها وعدوّها.

إن الأهداف المعلنة تتماشى مع نظرية الولايات المتحدة القائمة على ضرورة إرساء السلام والاستقرار في المنطقة، وهو مطلب أدركته الدول الثلاث، ولكن من منطلق فرض الاستقرار عبر نظام إقليمي يمنحها الأحقية والأولوية في التحكّم بأمنه، وبناء معادلة ردع لمواجهة المخاطر المقبلة.
وتنتج هذه المخاطر عن سياسة إسرائيل التوسعية، وطموح إيران إلى التحكّم ببعض الدول العربية، بالإضافة إلى خطر عودة نشاط الجماعات الإرهابية في المنطقة.
ولقراءة التمدّد الإسرائيلي، لا بد من النظر إلى ما هو أبعد من الحدود الجغرافية والدول المحيطة، ومن خلال عدد من المناظير، وليس المنظور العسكري فقط. فلا يمكن فصل ما جرى في “سبتا” عمّا يجري في ليبيا وإثيوبيا والسودان والصومال، مرورًا باليمن وصولًا إلى إيران، وختامًا بالهند. فإسرائيل تسعى إلى تثبيت نفوذها وبناء تحالفات جديدة خدمةً لمصالحها الاقتصادية والعسكرية.
ولتحقيق أهدافها، تدعم إسرائيل قوى انفصالية في العديد من الدول، وهو ما تعتبره الدول العربية خطرًا على مصالحها ومستقبلها. لذلك، نراها تدعم الحكومات المركزية، على الرغم من مشكلاتها.
ومن المؤكد أن التعامل مع إسرائيل لا يمكن أن يحصل عبر مواجهة عسكرية، فالجميع يدرك أن مثل هذه الخطوة تعني مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة. لذلك، ترتكز استراتيجية الدول الثلاث على تعطيل المشاريع الإسرائيلية أكثر من إنشاء معادلة ردع أو حلف عسكري.
وستكون ميادين المواجهة القضية الفلسطينية، واستقرار سوريا، وتثبيت طرق الإمداد، وتحسين صورة إسرائيل لدى العرب، ودعم الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر والبحر المتوسط والمضائق، وأخيرًا تحصين المجتمعات الداخلية، لأن ردة الفعل الإسرائيلية ستكون داخل الدول الثلاث.
إن دول التحالف الثلاثي لا تطمح إلى خوض صراع مع إيران، إذ إن هناك عوامل تجعل من المواجهة تهديدًا مباشرًا لأمن الدول الثلاث ومستقبلها. فالسعودية لا تريد مواجهةً وهي تدرك مدى قدرة الصواريخ الإيرانية على تعطيل الحركة الاقتصادية في الخليج وتهديد الثقة بالاستثمار.
أما باكستان، فستعاني داخليًا من مشكلات قد تؤثر في استقرارها ووحدتها الداخلية. فيما لا تطمح تركيا إلى الدخول في أي حرب، خصوصًا أنها تخوض معركة مع إسرائيل لم تصل بعد إلى حدود المواجهة العسكرية. ومن مصلحتها التعاون مع الدول المحيطة وعدم فتح جبهات أخرى.
لذلك، سيكون الاتجاه نحو إيران عبر التفاوض وليس المواجهة. وستكون هناك طروحات متبادلة، وعمل جدي على موضوع الوحدة الإسلامية، لمنع التصادم السني-الشيعي، الذي سيكون إشعاله من أولويات إسرائيل.
وفي المقابل، ستطالب إيران بمغادرة القوات الأميركية المنطقة، وهنا يكمن الاختبار الفعلي للقرار الخليجي بتولّي حماية أراضيه ومحيطه بنفسه. فهل سيُطلب من الولايات المتحدة سحب قواتها وإغلاق قواعدها التي كانت الذريعة الأساسية لإيران لضرب الدول الخليجية، إذا استثنينا الإمارات، التي اتهمتها إيران بالمشاركة في العمليات العسكرية، بالإضافة إلى دعوتها الدول الخليجية الأخرى إلى المشاركة في الحرب؟
من الآن فصاعدًا، لا بد من إعادة رسم الشرق الأوسط ليصبح ساحة صراع ممتدة بين الدول المحيطة بالبحار الأربعة، وعلى أساس هذا التعريف الجغرافي يجب رسم السياسات والاستراتيجيات.

فالصراع انتقل ليصبح صراعًا على استقرار الممرات والاقتصاد والطاقة والغاز. وليس صحيحًا أن المحاور كلها تريد الاستقرار للمنطقة، لأن كل محور يملك أهدافه ومشروعه المنفصل، الذي يريد تطبيقه عبر تعطيل المشاريع الأخرى أو تأخيرها.