هل يستطيع العهد تجاوز إرث نبيه برّي؟
12 Aug 202606:44 AM
هل يستطيع العهد تجاوز إرث نبيه برّي؟
نداء الوطن
قد يكون الرئيس جوزاف عون محقًا عندما يقول إن نبيه بري "قلبيًا معنا، لكن وضعه دقيق". وقد يكون الرجلان قد توصلا، بعيدًا عن الأضواء، إلى قناعات أو تفاهمات لا يعلم بها الرأي العام. غير أن النقاش السياسي لا يُبنى على ما في القلوب، بل على ما تكشفه المواقف والممارسات، ولا يمكن الاستناد إلى ما يُفترض أنها نوايا، ما دامت الوقائع العلنية لا تعكس تحولا واضحًا في الاتجاه نفسه. وحتى الآن، لا تعكس مواقف رئيس المجلس العلنية تبدلا يوازي الطموح الذي يعلنه العهد بشأن حصرية قرار الدولة في قضايا الحرب والسلم.

وفي هذا السياق، صحيح أنه، بمناسبة عيد الجيش، أشاد نبيه بري بدور المؤسسة العسكرية في صون وحدة لبنان، إلا أنه، في الوقت نفسه، وجّه انتقادًا مبطنًا لطرح "المناطق النموذجية"، معتبرًا أنه يتعارض مع وحدة البلاد ويصب في خدمة الأهداف الإسرائيلية. وبذلك، لم يكتفِ بعدم تأييد هذا المسار علنًا، بل قدّم خطابًا مضادًا له، ينسجم مع موقفه الرافض لأي مسار تفاوضي مباشر بين لبنان وإسرائيل، ومع تمسكه بربط أي تفاهم بمآلات التفاهمات الأوسع بين واشنطن وطهران، بما يعكس تغليب البعد الإقليمي على استقلالية القرار اللبناني.

وانطلاقًا من هذا المشهد، فإن تعبير نبيه بري عن "الارتياح" عقب أي لقاء سياسي لا يُقرأ بالضرورة بوصفه مؤشرًا إيجابيًا بالنسبة إلى من يدعو إلى استعادة الدولة لصلاحياتها السيادية، بل يثير التساؤل عما إذا كان ذلك اللقاء قد كرّس ميزان القوى القائم بدلا من أن يشكل بداية لتغييره. وهذا الانطباع ليس وليد اللحظة، بل هو حصيلة مسار سياسي ممتد منذ "اتفاق الطائف" وحتى اليوم.

فطوال أكثر من ثلاثة عقود على رأس مجلس النواب، نجح نبيه بري في تكريس معادلة دستورية وسياسية جعلت نفوذ "حزب الله" جزءًا من آليات عمل الدولة اللبنانية، لا مجرد قوة تعمل خارجها. وهنا تكمن مفارقة إرثه السياسي؛ فهو لم يعمل على إسقاط الدولة أو استبدالها، كما لم يسعَ إلى إنشاء مؤسسات موازية لها، بل أسهم في ترسيخ نموذج أكثر استدامة يقوم على استيعاب نفوذ "حزب الله" ضمن المؤسسات الدستورية، بحيث باتت الدولة تتعايش معه في إطار ما اصطلح السياديون على تسميته بـ "المنظومة"، التي تتداخل فيها الشرعية الدستورية مع موازين القوى السياسية والعسكرية. ولعل ذلك يفسر صعوبة تفكيك هذه "المنظومة"، إذ أصبح تغيير موازين السلطة يتطلب أكثر من تغيير الحكومات أو نتائج الانتخابات.

وهذا، في الواقع، يمثل أحد أبرز المكاسب السياسية التي حققها "حزب الله". فلم يكتفِ ببناء "دولة داخل الدولة"، بل نجح في تطويع مؤسسات الدولة للتكيف مع مقتضياته. ولأن بري شكّل الجسر الدستوري الذي أتاح انتقال هذا النفوذ إلى مؤسسات الجمهورية، فقد جعله ذلك المهندس الفعلي لمأسسة نفوذ "حزب الله"، وترسيخ موقعه شريكًا لا يمكن تجاوز حضوره في حسم القضايا السيادية.

ويتجلى هذا النمط بوضوح في تحليل مضامين تصريحات بري خلال الأشهر العشرة الماضية. فكلما طُرح موضوع سلاح "حزب الله" أو حصرية السلاح بيد الدولة، انتقل النقاش من مبدأ احتكار الدولة لاستخدام القوة إلى التركيز على الحوار والتوافق والتدرج في المعالجة، بما يؤدي عمليًا إلى تأجيل الحسم وإعادة تأطير القضية بوصفها مسألة سياسية تفاوضية، لا استحقاقًا سياديًا واجب التنفيذ.

ولا تكمن المشكلة في الحوار أو التوافق في حد ذاتهما، فهما من ركائز أي نظام ديمقراطي، بل في أن هذين المفهومين تحولا تدريجيًا من وسيلتين لإنتاج القرار إلى شرطين مسبقين يقيدان عملية اتخاذه. وانطلاقًا من ذلك، تثير الرسائل الدولية المحذرة من أي تصعيد عسكري محتمل من جانب "حزب الله" قلقًا متزايدًا. فالمسألة ليست في ما إذا كان "حزب الله" سينفذ قرار خوض حرب جديدة، بل في قدرة الدولة اللبنانية على منعه.

وهنا يعود الحديث مجددًا إلى نبيه بري، الذي لم يقتصر إرثه السياسي، في نظر منتقديه، على مأسسة نفوذ "حزب الله"، بل امتد، بحسب هؤلاء، إلى تكريس حقه في الاعتراض على ممارسة الدولة صلاحياتها السيادية.

في المحصلة، لا توحي المؤشرات، حتى الآن، بوجود مراجعة جدية للخيارات الاستراتيجية التي حكمت العلاقة بين نبيه بري و "حزب الله" على مدى عقود. لذلك، يغدو السؤال الأكثر إلحاحًا في لبنان اليوم: هل باتت الدولة اللبنانية قادرة، أخيرًا، على استعادة احتكارها الدستوري لقرار الحرب والسلم؟ فالإجابة عن هذا السؤال ستحدد ما إذا كان لبنان قد بدأ بالفعل في تجاوز الإرث السياسي لنبيه بري، أم أنه لا يزال أسير "المنظومة" التي أسهم في ترسيخها.