حملة المخالفات شمالاً: بين فرض القانون ومعالجة واقع متراكم
15 Aug 202607:28 AM
حملة المخالفات شمالاً: بين فرض القانون ومعالجة واقع متراكم
نداء الوطن

مايز عبيد

نداء الوطن
بعد زيارة وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار إلى سراي طرابلس قبل أيام، تحرّكت القوى الأمنية في اتجاه تشديد الإجراءات بحق الدراجات النارية وعربات "التوك توك" والمركبات المخالفة لقوانين السير، في خطوة لاقت ترحيبًا لدى الأهالي الذين يرون أن الفوضى المرورية في الشمال تجاوزت حدود المخالفة الفردية وباتت تهدد السلامة العامة.

ويُعدّ الشمال من أكثر المناطق اللبنانية التي تشهد انتشارًا للمركبات والآليات المخالفة لقوانين السير، إلى جانب العدد الكبير من الدراجات النارية وعربات "التوك توك". ويبرز هذا المشهد على طرقات طرابلس والمنية وعكار والضنية ودير عمار وزغرتا والكورة، بالأخص داخل القرى والبلدات والأحياء.

وفي الشوارع، لا تقتصر المخالفات على عدم التسجيل أو نقص الأوراق، بل تتخذ أحيانًا أشكالا أكثر خطورة، من السرعة الزائدة والسير بعكس اتجاه السير، إلى المناورات المفاجئة بين السيارات والقيادة الاستعراضية، ما يعرّض السائقين والمارة للخطر، فيما يدفع الملتزمون بالقانون ثمن هذه الفوضى.

ولذلك، لاقت الحملة الأمنية ترحيبًا من الأهالي، الذين يؤكدون أن قمع المخالفات أمر ضروري لوضع حد للحالات الشاذّة وإعادة الانتظام إلى الطرقات. إلا أنهم يطالبون بأن تكون الإجراءات شاملة، وألا تقتصر على الطرقات الرئيسية والحواجز، بل أن تمتد إلى داخل القرى والبلدات، حيث تنتشر المخالفات أيضًا.

لكن الحملة تفتح، في الوقت نفسه، ملفًا أوسع. فعلى الحواجز، تُسجّل حالات فرار لمركبات عند رؤية القوى الأمنية، فيما تتوقف سيارات أخرى عن السير أو تغيّر مسارها خشية ضبطها. وهذا المشهد يعكس حجم مشكلة متراكمة، في ظل وجود آلاف السيارات والمركبات في الشمال التي لم تُسجّل أو تراكمت عليها الغرامات والمخالفات.

من هنا، يطالب أصحاب الدراجات النارية وعربات "التوك توك"، إضافة إلى أصحاب المركبات المخالفة، بخفض رسوم التسجيل والغرامات أو منحهم فترات سماح تتيح لهم تسوية أوضاعهم والعودة إلى الالتزام بالقانون. وهي مطالب لا تلغي مسؤولية المخالف، لكنها تطرح ضرورة معالجة الأسباب التي تجعل جزءًا من المركبات خارج النظام القانوني.

وفي المقابل، يبقى التشدد في قمع المخالفات ضرورة لا يمكن التراجع عنها. فلا يمكن تبرير السير من دون تسجيل أو قيادة مركبة غير مستوفية للشروط القانونية، كما لا يمكن ترك الطرقات مفتوحة أمام الممارسات التي تهدد حياة الناس. المطلوب هو الجمع بين تطبيق القانون وفتح باب عملي لتسوية الأوضاع.

وثمة سؤال أكبر يطرح نفسه: كيف وصلت كل هذه الأعداد من الدراجات النارية وعربات "التوك توك" إلى لبنان أصلا؟ ومن المسؤول عن تنظيم استيرادها ومراقبة دخولها وتحديد شروط تسجيلها؟ إذ لا يمكن معالجة المشكلة فقط على مستوى السائق والمخالفة، فيما يبقى مسار الاستيراد والتسجيل والرقابة بحاجة إلى معالجة واضحة.

وفي موازاة ذلك، لا بد من إعادة تفعيل أدوات الرقابة المرورية التي يُفترض أن تكون جزءًا ثابتًا من أي خطة لضبط الطرقات. ومن هنا، تبرز المطالبة بإعادة تشغيل رادارات السرعة والتشدد في ضبط السرعة، إضافة إلى التشدد في وضع حزام الأمان ومنع المخالفات التي أصبحت، في كثير من الأحيان، جزءًا من السلوك اليومي على الطرقات.

فالمطلوب ليس فقط ملاحقة الدراجات و "التوك توك" والمركبات غير المسجلة، بل تطبيق قانون السير بكل حذافيره وعلى الجميع من دون استثناء، لأن احترام القانون يجب أن يشمل السرعة والحزام والإشارات المرورية والتجاوزات الخطرة وكل المخالفات، أيًّا كان نوع المركبة أو هوية سائقها.

كما أن الحملة الأمنية يجب ألا تكون ظرفية أو مرتبطة بفترة زمنية محددة، بحيث تنتهي الحواجز وتعود الأمور إلى ما كانت عليه. المطلوب خطة مستدامة، تشمل الطرقات الرئيسية والداخلية، وتستمر في ملاحقة المخالفات، بالتوازي مع معالجة ملف المركبات غير المسجلة والمتراكمة عليها الغرامات.

ولعل حادث السير الأخير بين دراجتين ناريتين على أوتوستراد الخناق – أبي سمراء في طرابلس، والذي أدى إلى إصابة شخصين، يعيد التذكير بأن المسألة ليست مجرد مخالفة مرورية، بل قضية سلامة عامة وحياة بشر.

الشمال يحتاج إلى دولة حاضرة على الطرقات، وإلى قانون يُطبّق على الجميع من دون استثناء. وفي الوقت نفسه، يحتاج أصحاب المركبات المخالفة إلى فرصة حقيقية لتصحيح أوضاعهم.

فالحل لا يكون بحملة تنتهي بعد أيام، ولا بتجاهل المخالفات بحجة الظروف الاقتصادية. الحل في حزم مستمر في تطبيق القانون، وتسويات واقعية تتيح للمخالفين العودة إلى كنف القانون، وإعادة تشغيل أدوات الرقابة، وفي مقدمتها رادارات السرعة، والتشدد في وضع حزام الأمان، وتطبيق قانون السير بكل حذافيره. عندها فقط يمكن الانتقال من معالجة الفوضى إلى إنهائها، ومن الحملات الظرفية إلى ثقافة مرورية تحمي حياة الناس وتعيد للطرقات انتظامها.