الراعي: الكنيسة لا تخاف من الذّكاء الاصطناعيّ!
03 Sep 202614:17 PM
الراعي: الكنيسة لا تخاف من الذّكاء الاصطناعيّ!
افتتح البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، رئيس مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان، المؤتمر السنوي الثاني والثلاثين للمدارس الكاثوليكية في لبنان، في مدرسة سيدة اللويزة – زوق مصبح، بعنوان "مهنة التعليم في عصر الذكاءات الجديدة: رسالة تتجدد"، في حضور البطريرك مار إغناطيوس يوسف الثالث يونان، البطريرك رافائيل بيدروس الحادي عشر ميناسيان، ممثل البطريرك يوسف العبسي الأرشمندريت سابا سعد، وزيرة التربية والتعليم العالي ريما كرامي، وزير الإعلام بول مرقص، النواب: نعمة إفرام وشوقي الدكاش وأنطوان حبشي، المونسينيور عبدو  يعقوب، النائبة السابقة بهية الحريري، رئيس اللجنة الأسقفية للمدارس الكاثوليكية المطران يوسف سويف، رئيس الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية الأب يوسف نصر، المدير العام للتربية فادي يرق، رئيسة المركز التربوي للبحوث والإنماء هيام اسحق، نقيب المعلمين نعمه محفوض، ممثلين عن قيادة الجيش وقوى الأمن الداخلي والأمن العام وأمن الدولة، رئيس الرابطة المارونية المهندس مارون الحلو وعدد من رؤساء الجامعات والمسؤولين التربويين ومديري المدارس والمعلمين والأهل.

بو خليل

استهلت جلسة الافتتاح بالنشيد اللبناني ونشيد المدارس الكاثوليكية فكلمة للإعلامية سمر بو خليل اعتبرت فيها "أن العالم يمر بلحظة مفصلية مع دخول عصر الذكاء الاصطناعي"، مؤكدة "أن التعليم لا يقتصر على نقل المعلومات، بل يقوم على بناء الشخصية وتكوين الضمير واكتشاف المعنى".
وشددت على "أن الذكاء الاصطناعي قضية أخلاقية وتربوية وإنسانية، وأن مسؤولية تنظيمه لا تقع على الشركات وحدها، بل تتطلب شراكة مجتمعية"، محذرة من استخدامه "في التنافس العسكري والاقتصادي ومن التضليل الذي يهمش التربية لصالح الإنفاق العسكري".
وأكدت آبي خليل "أن مستقبل التعليم لا يتحدد بعدد الأجهزة والتطبيقات، بل بوضع الإنسان في قلب التكنولوجيا والضمير في قلب المعرفة"، مشيرة إلى "أن الآلة لا تستطيع أن تحل مكان المعلم الذي يمنح الطالب الثقة ويقول له: "أنت تستطيع".

نصر

بدوره، قال رئيس الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية الأب يوسف نصر إن عنوان المؤتمر "مهنة التعليم في عصر الذكاءات الجديدة: رسالة تتجدد" يؤكد أن "التربية هي في قلب رسالة الكنيسة"، وأن المدرسة الكاثوليكية جزء أساسي في خدمة الإنسان وبناء وطن نهائي لكل أبنائه.
وأشار إلى "أن الأسئلة المطروحة اليوم تمس جوهر الإنسان ومعنى المعرفة ودور المدرسة ورسالة المعلم في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة"، لافتا إلى "أن التغيير لا يطال المناهج فحسب، بل معنى المعرفة نفسها وطريقة إنتاجها، بعدما أصبحت الآلة قادرة على الكتابة والترجمة والتحليل والبرمجة والرسم والإجابة عن أسئلة معقدة خلال ثوانٍ".
وأكد الاب نصر "أن المدرسة "تبني الإنسان"، فهي المكان الذي يتعلم فيه التلميذ كيف يفكر ويسأل ويميز ويختار ويتحمل مسؤولية خياراته"، مشدداً على "أن الدور الأهم يقع على المعلم الذي يشكل الركن الأساسي في تعزيز التفكير النقدي والتربية على القيم".
وقال إنّ "التحدي الحقيقي يكمن في "تجدد المعلم"، ليكون مبدعاً وصانعاً للمعرفة وصاحب رسالة يشارك في بناء الإنسان والمجتمع"، متسائلا في الوقت نفسه عن "واقع المعلم وما إذا كان يشعر بالأمان المهني ويحظى بفرص التطور".
ولفت إلى "أن إدارات المدارس تدرك عمق هذه المسألة وتبحث عن حلول، رغم أن التحديات تتجاوز قدراتها وتستدعي تدخل الدولة لتحمل مسؤولياتها واجتراح حلول مستدامة"، معتبرا "أن المعلم المتجدد هو وليد مدرسة متجددة تواكب الحداثة من دون فقدان هويتها، وتكون "رقمية دون أن تفقد إنسانيتها".

وتوقف الاب نصر عند واقع لبنان الذي تتقاذفه الحروب في الجنوب والأزمات الاقتصادية والاجتماعية، مؤكداً "أن ما يبنيه المربي في عقل الطفل وقلبه يبقى "الأساس لوطن لا يزول"، وأن المدارس الكاثوليكية بقيت متمسكة برسالتها حتى في أصعب الظروف".

وأشار إلى "أن تطوير البيئة المدرسية يقتضي تطوير البيئة التشريعية، ومنها تحديث القوانين مثل القانون 515 لتحقيق العدالة والشفافية"، داعياً إلى "الشراكة الصادقة" بين الوزارة والمركز التربوي ونقابة المعلمين واتحادات لجان الأهل، للوصول إلى ميثاق تربوي جديد يجعل التربية قضية وطنية فوق التجاذبات".
وشدد الاب نصر على "أن نجاح المناهج الجديدة يتطلب إعداد المعلمين وتأمين الموارد، مع ضرورة بدء التدريب والتجريب في مطلع العام الدراسي الحالي"، مؤكداً أن الشهادة الثانوية العامة ضمانة للمساواة، وأن المطلوب "استعادة الثقة بالامتحانات الرسمية" والحفاظ على صدقيتها كعقد ثقة بين الدولة والمجتمع".
وطرح خمسة التزامات عملية، هي: إصدار إطار يدمج الذكاء الاصطناعي في التربية، ووضع خطة مستدامة لتطوير المعلم والتحول الرقمي، واعتماد آلية حوار دائم مع جميع المعنيين بالشأن التربوي، واستنباط نموذج جديد لاستدامة المدرسة يقوم على تصنيف الأداء وتمييز الرسالات، وتعزيز التعاون بين المدارس الكاثوليكية ومؤسسات اتحاد المدارس الخاصة لمشاركة الموارد والخبرات".
وختم الاب نصر بالتأكيد "أن التربية في المدرسة الكاثوليكية مترابطة بين مدرسة مستدامة، معلم كريم العيش، وعائلة قادرة على تأمين تعليم أبنائها، لتبقى المدرسة وفية لإنجيل المسيح وصانعة للرجاء في أرض الوطن".

كرامي

استهلت وزيرة التربية كلمتها بالترحيب بالحضور، مثمنة دور البطريرك الراعي في جعل التربية في صلب اهتماماته ومواقفه الوطنية، ودور المطران يوسف سويف في رعاية رسالة المدارس الكاثوليكية وتعزيز حضورها التربوي والوطني. كما شكرت الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية على تنظيم المؤتمر واختيار عنوانه، قائلةً إنّ "القطاع التربوي في لبنان يعيش منذ سنوات تحت وطأة أزمات متلاحقة، من الأزمة الاقتصادية والانقطاع عن التعليم والنزوح والحروب والاعتداءات وتعطل المدارس إلى التراجع الكبير في قدرة المعلمين والأهل والمؤسسات على الاستمرار"، مشددةً على أنه "لا يمكن أن تتحول مقاربات الطوارئ إلى طريقة دائمة لإدارة التعليم".

وأعلنت أنّ "التحدي ليس أن نصمد بل أن نتحول وأن ننتقل ونحن ندير الأزمة إلى بناء المستقبل"، مشيرة إلى أنً «رؤية وزارة التربية والتعليم العالي للـ2040» تشكل الإطار الوطني لبناء نظام تربوي أكثر قدرة على الصمود والتجدد، وأكثر عدالة وجودة واستجابة لحاجات المتعلمين والمجتمع المتطورة والمتغيرة".
وأوضحت "أن الرؤية تقوم على سبعة أهداف مترابطة تجمع بين جودة التعليم وتطوير المدرسة وتمكين المعلم والتحول الرقمي وتعزيز التماسك الاجتماعي، بما يؤهل أبناء لبنان للعيش والعمل والمشاركة المسؤولة في مجتمع سريع التغير".
وشددت على "أن المعلم هو حجر الزاوية في هذه الرؤية، قائلة: "إن رؤية 2040 لن تتحقق بالسياسات والخطط والوثائق وحدها، إنما بالمعلم المربي المهني، الذي يمتلك المبادرة والقرار المهني ويكون قائداً للتغيير داخل صفه ومدرسته ومجتمعه".

وفي ما يتعلق بالتحول الرقمي، أكدت "أن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ليسا غاية مستقلة، بل وسيلة لتحسين التعلم وتوسيع فرص الوصول ودعم المعلم في الاستجابة لحاجات المتعلمين"، مشددة على أن "المعلمين هم من يقودون والتكنولوجيا أداة بين أيديهم".

وقالت كرامي إنّ "المطلوب عدم التعامل مع الذكاء الاصطناعي "بخوف ولا بانبهار أعمى"، بل الاستفادة من إمكاناته في تخصيص التعلم وتوسيع الوصول إلى المعرفة، مع حماية بيانات المتعلمين وخصوصيتهم وضمان تكافؤ الفرص وبناء قدرات المعلمين على استخدامه بصورة تربوية وأخلاقية ومسؤولة".
وأشارت إلى "أن التكنولوجيا تستطيع تقديم المعلومة، لكنها لا تستطيع أن تفهم مشاعر المتعلم ولا أن تلمس قلبه وروحه ولا أن تمنحه الثقة ولا أن تبني لديه الضمير والقيم والمسؤولية".

وفي ما يتعلق بالمعلمين، أكدت كرامي "أن الحديث بصدقية عن الصورة المتجددة للمعلم والرؤية الطموحة للتربية لا يمكن أن يتم فيما يعيش المعلمون قلقاً يومياً على رواتبهم وأمنهم الاجتماعي وقدرتهم على الاستمرار"، مشددة على "أن صمود النظام التربوي لا يمكن أن يبقى قائماً على حساب كرامتهم وحقوقهم".
وأشارت إلى أنّها "ستواصل حمل مطالب المعلمين المحقة والدفاع عنها داخل مجلس الوزراء، مع إدراك أن معالجتها تتجاوز صلاحيات الحكومة ووزارة التربية وتتطلب قراراً وطنياً وتضامناً مسؤولا"، مشيرة إلى "الالتزام بصون حقوق المعلمين وتوفير فرص التطوير المهني المستمر لهم وإشراكهم في مسارات الإصلاح".

وعن المناهج المطورة، قالت إن تنفيذها يشكل "الاختبار الحقيقي لرؤية 2040"، موضحة أن ما تقوم به الوزارة "ليس مجرد تحديث للكتب"، بل تحول في فلسفة المنهج ونظرتها إلى المعرفة والتعلم والمتعلم، إذ تنقل المناهج التركيز من كمية المعلومات التي يحفظها المتعلم إلى قدرته على فهم ما يتعلمه وتوظيفه ونقله إلى سياقات جديدة واستخدامه في التحليل وحل المشكلات واتخاذ القرار، وتعتمد لذلك المقاربة القائمة على الكفايات".

وأوضحت كرامي "أن المناهج تجمع بين الكفايات الخاصة بالمواد الدراسية والكفايات المستعرضة، ومنها التفكير النقدي والإبداعي، وحل المشكلات، والبحث والتقصي، والتواصل والتعاون، وإدارة الذات، واتخاذ المبادرة واستخدام التكنولوجيا بصورة واعية ومسؤولة، بما يضع المتعلم في قلب العملية التربوية وينظر إليه كإنسان متكامل".

وتوجهت إلى معلمي ومعلمات المدارس الكاثوليكية، معتبرة أنهم "شركاء أساسيون" في تنفيذ المناهج المطورة وتجريبها وتقويمها، ودعتهم إلى أن يكونوا قادة في ترسيخ ملامح المعلم المهني التي تقوم عليها رؤية 2040، مؤكدة "أن الوزارة تنظر إلى التعليم الخاص باعتباره جزءا أساسيا من المنظومة التربوية الوطنية وشريكا لا يمكن أن يكتمل الإصلاح التربوي من دونه".

وشددت في المقابل على "أن أهمية التعليم الخاص "لا تعني إطلاقاً تراجع الدولة عن مسؤوليتها الأساسية في حماية المدرسة الرسمية وتعزيزها"، مؤكدة "أن المدرسة الرسمية ضمانة الحق في التعليم والمساواة بين أبناء لبنان» وأن تقويتها «أولوية وطنية لا بديل عنها".

وختمت بالدعوة إلى "حوار مسؤول" يوازن بين استمرارية المؤسسات وحقوق المعلمين وقدرة العائلات على تحمل الأعباء"، مؤكدة أن هذه الملفات "لا تعالج بالمواجهة ولا بالانفشارات، بل بالأرقام والشفافية والتشاور"، وأن "رؤية 2040 ليست وثيقة للمستقبل البعيد، إنها الخيارات التي نتخذها اليوم".

الراعي

من جهته، أكد البطريرك الراعي "أن الذكاء الاصطناعي أدخلنا "زمنا جديدا" تتسارع فيه المعرفة بصورة غير مسبوقة"، مشدداً على "أن السؤال لم يعد كيف نستعمله فحسب، بل كيف نجعله في خدمة الإنسان "من دون أن يصبح الإنسان في خدمته". واعتبر "أن الذكاء الاصطناعي لا يلغي مهنة التعليم، بل يدعو إلى «إعادة اختراعها».

وأوضح "أن دور المعلم لم يعد أن يكون المصدر الأساسي للمعلومة، بل أن يحول المعلومة إلى معرفة، والمعرفة إلى فهم، والفهم إلى قدرة على التمييز والاختيار والإبداع، وأن ينتقل التعليم من تخزين المعلومات إلى بناء ملكة التفكير، ومن التلقين إلى التحليل والاستنتاج، ومن إعداد التلميذ للامتحان إلى إعداده للحياة".

وقال إن الذكاء الاصطناعي "لا يضع نهاية لمهنة المعلم، بل يضع نهاية لصورة قديمة عن مهنة المعلم"، مشدداً على "أن المعلم الذي يبني العقل وينمي الشخصية ويوقظ الفضول ويربي على التمييز والمسؤولية، تصبح التكنولوجيا أداة إضافية بين يديه".

وأكد "أن الكنيسة لا تخاف الذكاء الاصطناعي"، محذراً في المقابل من أن «نتقدم تقنيا ونتراجع إنسانيا"، وألا تصبح المدارس "أكثر ذكاء وأقل حكمة، وأكثر اتصالا وأقل تواصلا، وأكثر سرعة وأقل عمقا". وشدد على "أن العصرنة ليست في وضع الحاسوب في الصف، بل في تجديد الفكر التربوي".

وأشار إلى "أن صورة المعلم الجديد هي "معلم الحكمة" في زمن المعلومة، و"معلم الفهم والتمييز" في زمن الأجوبة السريعة، و"حارس العلاقة الإنسانية" في زمن الشاشة، و"معلم الإنسان" في زمن الذكاء الاصطناعي"، داعياً إلى "تدريب المعلمين المستمر على هذه الأدوات وقدراتها وحدودها ومخاطرها".

ولفت إلى "أن المدرسة الكاثوليكية لا تربي عقلا فقط، بل تربي إنسانا"، مؤكداً "أن مدرسة المستقبل ليست التي تملك أكبر عدد من التقنيات، بل التي تعرف لماذا تستعملها، ومتى تستعملها، ولأي غاية". وقال: "لا نريد مدرسة ضد التكنولوجيا، ولا مدرسة خاضعة لها، بل مدرسة تقودها تربوياً وأخلاقياً وإنسانياً، وتبقى أمينة لرسالتها في تكوين الإنسان كله.

ودعا إلى "إعادة اكتشاف مهنة التعليم، وعصرنة المناهج، والاستثمار في المعلمين قبل الأجهزة، وتعليم الأبناء استخدام الذكاء الاصطناعي "بوعي وحرية ومسؤولية"، مؤكداً "أن التطور يجب أن يكون فرصة يعود فيها المعلم إلى جوهر رسالته كصانع إنسان، وباني عقل، ومرافق جيل، وحامل رسالة، وأن تبقى التربية «أمينة للإنسان».

وقبل انطلاق الجلسة الافتتاحية، تخلّل المؤتمر محطة فنية قدمها الفنان جورج خباز، تحدث خلالها عن تجربته مع المدرسة الكاثوليكية التي تلقى فيها تعليمه، والدور الذي أدّته في مساعدته على اكتشاف موهبته وتحديد مساره وما يريد أن يكون عليه. 

كما قدم الفنانان ليال نعمة ونادر خوري وصلة من الترانيم، تلاها عرض لرقصة تعبيرية قدّمها طلاب مدرسة فال بيرجاك، إلى جانب عرض فيديو تناول دور المعلم وأهميته في حياة الطلاب ومسيرتهم.