عصر الحرب التي لا تنتهي والسلام الذي لا يبدأ
15 Sep 202608:51 AM
عصر الحرب التي لا تنتهي والسلام الذي لا يبدأ
لم يعد الشرق الأوسط يقف على عتبة حرب تنتهي بانتصار واضح، ولا على طريق سلام تفتح له التسويات أبواب الاستقرار. لقد نشأت في المنطقة مساحة ثالثة، ممتدّة ومفتوحة على الاحتمالات، تتوقّف فيها المعارك حيناً من دون أن تنتهي أسبابها، وتبدأ المفاوضات من دون أن تبلغ خواتيمها. إنّها حالة تتجاوز الهدنة بمعناها التقليديّ، من دون أن ترقى إلى سلام قادر على ترسيخ الطمأنينة والهدوء.
رّبما هنا تكمن السمة الأبرز للشرق الأوسط الجديد. حروب تستعصي على الحسم، وتسويات تفتقر إلى شروط الاستدامة. فلا طرف يملك قدرة فرض نهاية واضحة على خصومه، ولا القوى المتصارعة تبدو مستعدّة لدفع ثمن التسوية الكاملة. وبين عجز القوّة عن إنتاج الحسم، وعجز السياسة عن إنتاج السلام، تتّسع المنطقة الرماديّة التي باتت تحكم الإقليم.
ما يجري اليوم يتجاوز المواجهة بين الولايات المتّحدة وإيران. فالحرب التي دخلت شهرها السادس لا تبدو قريبة من نهاية فاصلة، فيما تتمدّد تداعياتها من الخليج ومضيق هرمز إلى اليمن وباب المندب وإسرائيل ولبنان. 
ومع تصاعد المخاطر التي تهدّد الملاحة وأمن الطاقة، تجد المنطقة نفسها أمام معادلة أكثر تعقيداً. هي لا تستطيع العودة إلى ما قبل الحرب، ولا تملك بعد ملامح المرحلة التي ستليها. ذلك أنّ أطراف الصراع تكاد تتّفق على ما تريد تفاديه، من دون أن تلتقي على شكل اليوم التالي. الجميع يدرك كلفة الانفجار الشامل، لكن أحداً لم ينجح حتى الآن في تحويل موازين القوّة إلى تسوية قابلة للحياة، أو جعل وقف النار مدخلاً إلى استقرار دائم، أو بناء إطار إقليميّ جديد يستوعب التحوّلات التي فرضتها الحرب.
وهنا تكمن المعضلة. تعرف المنطقة جّيداً ما تريد الخروج منه، لكنّها لا تملك بعد تصوّراً واضحاً لما تريد أن تصل إليه. وبين غياب الحسم واستعصاء التسوية، نشأت معادلة جديدة تحكم المشهد. حرب لا يستطيع أحد المضي بها إلى منتهاها، وسلام لا يملك أحد شروطه الكاملة. 
ولبنان رّبما يكون المثال الأكثر وضوحاً على هذه الإشكاليّة. ففيه تبقى أسباب الصراع مفتوحة، والحدود عرضة للنزاع، والسلاح جزءاً من معادلة لم تُغلق سياسيّاً وأمنيّاً، فيما تظلّ السيطرة الإسرائيليّة على أجزاء من الجنوب مطروحة في مسار تفاوضيّ لم يُحسم بعد. أمّا الدولة، فتجد نفسها أمام مهمّة استعادة قرارها وسيادتها في بيئة لم تستعد فيها بعد كامل أدواتها.
لا يكفي أن يتوقّف إطلاق النار وأعمال القصف والتفجير والتجريف في لبنان كي يبدأ السلام. وهذا ما لم يسجّل يوماً. فوقف القتال قد يجمّد المواجهة، لكنه لا يحسم الأسئلة التي أنتجتها. وهذه هي العقدة التي تجعل لبنان عالقاً بين نهاية لم تكتمل وحلّ لم يبدأ بعد.
حتّى التفاوض اللبنانيّ ـ الإسرائيليّ يجري في ظلّ هذا الواقع المتناقض. فهناك مسار قائم برعاية أميركيّة، لكن الوقائع العسكريّة على الأرض لا تزال تؤثّر في شروطه وحدوده، فيما تبقى مسألة سلاح "حزب الله" ومستقبل الجنوب من الملفّات التي لم تجد حلاًّ نهائيّاً بعد. ولذلك، لا يمكن للحرب أن تنتهي إلاّ عندما تنتهي الحاجة إلى العودة إليها. وهذا ما لم يتحقّق بعد.
ورغم أنّ الشرق الأوسط تتوافر لديه اليوم قنوات تفاوض أكثر مما كان يملك في مراحل سابقة، فإنّه يفتقر إلى الشروط التي تجعل التفاوض قادراً على إنتاج ترتيبات قابلة للاستمرار. هناك وساطات واتّصالات واتّفاقات، لكن كلّ اتفاق يبقى مهدّداً بأن يتحوّل إلى مجرد هدنة مؤقتة أو فترة لالتقاط الأنفاس بين جولتين من التصعيد. وحتّى التفاهمات التي أوقفت القتال بين واشنطن وطهران واجهت منذ بدايتها أسئلة عميقة حول قدرتها على الصمود، فيما بقيت ملفّات أساسيّة معلّقة. وهنا تكمن خطورة المرحلة المقبلة، في أن تتحوّل الهدنة من جسر إلى السلام إلى صيغة دائمة لإدارة صراع لم يجد طريقه إلى الحل.
عندها، قد تدخل المنطقة عصراً جديداً لا تعود فيه الحرب حدثاً استثنائيّاً، بل احتمالاً دائماً. تتوقّف الضربات، تبدأ المفاوضات، تقع حادثة تعيد التصعيد، تأتي وساطة جديدة، ثم تولد هدنة أخرى. وبين جولة وأخرى، تعيش الشعوب والاقتصادات والدول على أعصابها، في انتظار انفراج لا يأتي أو تصعيد قد يندلع في أيّ لحظة.
إنّها ليست مجرد حالة "لا حرب ولا سلام" بالمعنى التقليديّ. إنّها حالة أكثر تعقيداً: سلام مؤجّل باستمرار، وحرب مؤجلة باستمرار.
ومن هنا تبرز أهميّة لبنان.
فهو لا يحتاج فقط إلى وقف الحرب، بل إلى أن يكون جزءاً من صياغة المرحلة التي تليها. لا يمكن أن تبقى مهمّته الدائمة استقبال نتائج التفاهمات الإقليميّة، والتكيّف مع خرائط يرسمها الآخرون، وانتظار ما تقرّره طهران وواشنطن وتل أبيب، ثم البحث عن مكان له بينها.
فالسلام الذي يحتاجه لبنان ليس مجرّد غياب الغارات. إنّه استعادة القدرة على اتّخاذ القرار وتنفيذه، وحماية الحدود، وحصر السلاح بيد الدولة، وإعادة بناء الاقتصاد، وإعطاء اللبنانيين سبباً للبقاء بدلاً من البحث عن مستقبل في بلد آخر.
وفي النهاية، تحتاج المنطقة إلى تسوية تتجاوز إدارة الصراع إلى معالجة أسبابه. وإذا بقيت عاجزة عن الوصول إليها، فقد يصبح قدرها أن تعيش طويلاً بين حرب لا يستطيع أحد ربحها، وسلام لا يستطيع أحد بلوغه.
وفي هذه المسافة تحديداً، قد يكون لبنان أوّل من يدفع الثمن، لكنّه قد يكون أيضاً أوّل من يملك فرصة الخروج من هذه المعادلة، إذا استطاع أن يستعيد دولته وقراره قبل أن تبدأ الحرب المقبلة.