في صورة واحدة، قيل الكثير. الصورة التي تصدرت المشهد فجر اليوم، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، جمعت الرئيس الأميركي دونالد ترامب بقادة إحدى عشرة دولة: الأردن ومصر والعراق ولبنان وتركيا، إلى جانب دول مجلس التعاون الخليجي الست. اجتماع عقد بينما تقترب الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران من شهرها السابع، وبينما تدفع دول المنطقة، ومعها أسواق الطاقة العالمية، ثمن حرب لم تشنّها. الملف الأول على الطاولة لم يكن بروتوكولياً، بل إيران وأزمة الطاقة الناتجة عن حربها، وسط تهديد أميركي مباشر بأن الحل سيكون تفاوضياً "أو سينتهي بسرعة كبيرة جداً". صورة تختصر تحوّلاً لم يكن ممكناً تخيّله قبل سنوات قليلة: لبنان جالس على الطاولة، علمه داخل القاعة، بلا وصاية، وبلا من يتكلم باسمه.
فهذا الحضور لم يأتِ من فراغ، بل هو نقيض تام لما اعتاده لبنان طوال عقود. كانت دمشق تُملي على بيروت خياراتها، ثم حوّل "حزب الله" الدولة إلى امتداد لأجندة طهران، وقرر متى تُفتح الجبهات ومتى يُدفع الثمن وحده. وتوازياً، استمرت فرنسا برمي ثقل تاريخها الاستعماري، متصرفة كوصي غير معلن. النتيجة كانت دائماً واحدة: دولة لها علم ومقعد في الأمم المتحدة، لكن لا صوت مستقل لها في قراراتها الكبرى.
واليوم، هذه الصورة تقول شيئاً مختلفاً تماماً. فقبل أيام، وصلت رسالة من ترامب إلى الرئيس جوزاف عون، جاء فيها: "في وقت يشهد فيه الشرق الأوسط صراعاً، أُقدّر قيادتك الحاسمة نيابة عن لبنان وشعبه". جملة موجّهة بدقة: إلى الدولة اللبنانية فهو يقول لها: انهضي! وإلى العالم، بأن لبنان لاعب يُعتد به من جديد، وإلى إيران تحديداً، بأن لبنان لم يعد ضمن قبضتها. واللافت أن إسرائيل، رغم غيابها الحرفي عن القاعة، كانت "الحاضر الغائب" في كل بند نوقش، من حرب إيران إلى مسار التطبيع الإقليمي.
غير أن هذا الزخم الخارجي، مهما بلغت أهميته، لا يُغني عن استحقاق داخلي لا مفر منه. فالإجابات عن سؤال "هل يملك لبنان استراتيجية؟" لا تكمن في نيويورك، بل في بعبدا والسراي الحكومي. منذ توليه، يقود الرئيس عون سياسة لبنان الخارجية بشكل شبه منفرد لاسيما في موضوع التفاوض المباشر مع اسرائيل. ومجلس الوزراء نفسه اتخذ قرارات واضحة في 5 و7 آب 2025 وفي 2 آذار 2026، فلماذا لم تُنفّذ بعد؟ ولماذا لا تُعطى أعلى سلطة في البلاد تعليمات صريحة للجيش والقوى الأمنية لملاحقة المرتزقة، اليمنيين والحوثيين والعراقيين، والحرس الثوري الإيراني، العاملين على الأراضي اللبنانية؟ ولماذا لا يُطلب دعم دولي واضح لجعل بيروت، على الأقل، منطقة خالية من السلاح غير الشرعي، بدءاً بسلاح المخيمات الفلسطينية؟
وما يفاقم هذا التقاعس ليس نقصاً في الإمكانات، بل خطاب مزدوج يقتل الفرصة قبل أن تنضج: لبنان يتحدث عن الاحتلال الإسرائيلي وحده، فيما يصمت عن احتلال آخر لا يقل خطورة، احتلال إيران لارضه حيث ينشط الحرس الثوري ويتخذ من مدنه فوق الارض وتحتها مقرات لقيادة ارهابه، واحتلال لقراره عبر سفيرها المثير للجدل وكيلها المحلي.
آن الأوان لخطاب متوازن، يعترف صراحة بأن إيران باتت اليوم دولة معادية للبنان، تماماً كما يُصنَّف أي طرف يستخدم أرضه ساحة لحساباته الإقليمية ويتسبب بحرقها وهدمها وتهجير أهلها.
وهنا يكمن جوهر المسألة: الدول الإحدى عشرة التي جلست حول تلك الطاولة لا تجمعها مصلحة لبنان، بل عدو مشترك، وإن تفاوتت درجة تأثره من دولة إلى أخرى. كل واحدة منها ذهبت إلى نيويورك لتُدافع عن أمنها القومي ومصالحها هي أولاً، لا لتتبرع بحل جاهز لأزمات غيرها. وهذا بالضبط ما يجب أن يفهمه لبنان: أميركا فتحت الباب وأعادت المقعد، لكنها لن تجلس مكانه لتقول ما يجب أن يُقال. الرئيس ترامب مدّ يده، وعلى لبنان أن يمدّ يده في المقابل، لا أن ينتظر أن يُنجَز كل شيء نيابة عنه كما اعتاد طوال عقود.
فالعالم اليوم منشغل بحساباته الخاصة، وكل دولة، مهما بدت حليفة، تُدير أزماتها أولاً. لبنان لم يعد يملك ترف الاتكال على أحد ليتولى عنه القرار، ولا وقتاً إضافياً ليماطل. لا أحد يتكلم باسمه بعد اليوم، لا دمشق ولا طهران ولا حتى باريس أو واشنطن. حان الوقت، وربما لأول مرة منذ عقود، ليكبر لبنان ويتصرف كدولة تعرف ماذا تريد، بدل أن يبقى ينتظر من يُنقذه من نفسه.