مضت أقل من ٢٤ ساعة على زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى واشنطن، على رأس وفد ضم وزراء الخارجية والمالية والطاقة، وكانت كافية لتكشف هوة لا يمكن تجاهلها: الزاوية التي تنظر الإدارة الأميركية من خلالها إلى الملف اللبناني تختلف جذرياً عن نظرة الدولة اللبنانية لواقعها وكيفية التعاطي مع واشنطن بهذا الشأن.
الوزير ماركو روبيو اختصر الموقف الأميركي في سطور قليلة: التزام أميركي مشروط بتنفيذ الإطار الثلاثي، باعتباره المسار الوحيد نحو سلام دائم مع إسرائيل، ووقوف واشنطن إلى جانب لبنان السيادي، الخالي من نفوذ حزب الله وإيران. لم يكتفِ بهذا القدر. وزير الخزانة سكوت بسنت، أحد أبرز صقور هذه الإدارة، تبعه ببيان لا يقل حسماً: مطلوب من لبنان تحرك حاسم لتعطيل الشبكات المالية الإيرانية وشبكات حزب الله، وربط استعادة الثقة بالقطاع المصرفي بإصلاحات جوهرية.
فالعقوبات لن ترحم أحداً.
وزيران، في يوم واحد، يتحدثان اللهجة نفسها: الحسم لا المجاملة.
هاتان الرسالتان ليستا حدثاً عابراً، بل جزء من نافذة أميركية أوسع بكثير مما تدركه بيروت. فبالنسبة لواشنطن، حزب الله ليس فصيلاً لبنانياً مسلحاً يمكن التفاوض معه أو استيعابه ضمن معادلة داخلية. هو إيران، بمعناها الحرفي، ذراعها التنفيذية على الأرض اللبنانية. ولهذا فإن القرار الأميركي بإنهائه واجتثاثه وتفكيك بنيته ليس قابلاً للتفاوض أو التأجيل، بل قرار لا رجعة فيه، يندرج ضمن مشروع أوسع لإضعاف النفوذ الإيراني في المنطقة بأكملها. وكل المؤشرات التي نتابعها تقودنا إلى قناعة متزايدة بأن الهدف الأبعد لهذه الإدارة لم يعد إضعاف هذا النفوذ فحسب، بل إسقاط النظام في طهران نفسه.
هذا هو المقياس الذي تدير به واشنطن هذا الملف: مقياس إقليمي واستراتيجي، لا مقياس محلي لبناني. وهنا بالضبط يكمن الخلل في القراءة اللبنانية. فما بدا من تفسير نواف سلام بعد لقاءاته يشبه نعامة تدفن رأسها في الرمل. لا تزال الدولة اللبنانية، بمؤسساتها الرسمية، تتعامل مع حزب الله وكأنه الجار، أو الشريك الذي تتقاسم معه العيش المشترك، لا كخطر وجودي يهدد سيادتها وقرارها ووجودها كدولة. يبدو أن من يقود هذا الملف في بيروت لا يدرك، أو لا يريد أن يدرك، حجم ما يجري وسرعته. وهذا التردد والتلكؤ في مواجهة الاستحقاق سيكون له ثمن باهظ.
وهذا سوء التقدير هو الخطر الحقيقي. حين تتحدث واشنطن عن "المسار الوحيد" و"القرار الحاسم"، فهي لا تطلق تهديدات عابرة لالتقاط الصور، بل تصف سياسة ثابتة تُبنى عليها قرارات فعلية: عقوبات، تصنيفات، ملاحقات مالية، عزل، وربما أكثر من ذلك.
والأخطر من سوء التقدير هذا، أن بيان رئيس الحكومة نفسه يحمل قدراً من المغالطة لا يجوز السكوت عنه. فسلام يطالب بجدول زمني واضح لتنفيذ الانسحاب الإسرائيلي، وبآلية تحقق تراقب الالتزام الأميركي والإسرائيلي، وكأن واشنطن وتل أبيب موظفتان في خدمة لبنان، تُطالَبان بتقديم ما لا يزال هو يرفض تقديمه. سؤال بسيط يفرض نفسه: أين جدول لبنان الزمني لنزع سلاح حزب الله؟
لماذا يطالب لبنان الآخرين بمواعيد محددة، فيما يرفض أن يُلزم نفسه بموعد واحد لتنفيذ قراراته هو؟ هذه الازدواجية في المعايير هي بالضبط ما يُسمى المخاتلة السياسية، وواشنطن، بخلاف بيروت، لا تُضيع وقتها ولا طاقتها على من يمارسها. من يريد الدعم الأميركي عليه أن ينفّذ، لا أن يطلب من الآخرين التزامات لم يلتزم هو نفسه بمثلها بعد.
فهذا الدعم الأميركي ليس مفتوحاً ولا بلا شروط.
والمشكلة الأعمق ليست فقط في كيفية رؤية واشنطن للبنان، بل في كيفية رؤية لبنان لنفسه. لا بد من طريقة تُفهّم الدولة اللبنانية الغاية الحقيقية من المفاوضات الثلاثية الجارية: لسنا نتفاوض على حل مؤقت، ولسنا نتفاوض على هدنة جديدة مع إسرائيل. الهدف إنهاء هذا الوضع نهائياً، لأن لبنان معني أن يكون جزءاً من المشروع الإقليمي المقبل، أي الاتفاقيات الإبراهيمية. المستقبل الذي نراه هو مستقبل أقل سياسة، أقل حرباً، أقل مواجهة، وأكثر اقتصاداً جغرافياً. من هنا، على لبنان أن يخرج من حالة الغيبوبة التي يعيشها، وأن يبدأ برؤية الأمور من الزاوية الأميركية نفسها، ليدرك أخيراً ما هي تبعات كل خطوة يقوم بها، أو يتقاعس عن القيام بها.
المنطقة لا تنتظر لبنان. الأسبوع نفسه الذي زار فيه سلام واشنطن، كان الشرق الأوسط يعيد ترتيب أوراقه بسرعة تُشعر المراقب بالدوار: الأحد، نتنياهو في أبوظبي في لقاء مع محمد بن زايد. الاثنين، وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في أبوظبي أيضاً. والثلاثاء، نائب رئيس دولة الإمارات في السعودية، في أول لقاء مباشر بهذا المستوى منذ الخلاف حول اليمن. كل هذه التحركات تخدم غاية واحدة: كل لاعب إقليمي يعيد تموضعه لضمان بقائه ومكسبه في النظام الجديد الذي تُرسم ملامحه الآن، لا بعد سنوات. ولبنان، في خضم كل هذا، لا يزال يدور حول نفسه، يستنزف فرصه، ويتردد في الانخراط بالمواجهة ليضمن مقعده في خارطة المنطقة الجديدة.
دونالد ترامب ليس بابا نويل. لم يأتِ ليوزع الهدايا على دولة تتفرج على انهيارها وتتعامل مع من يدمرها كشريك سكن. الدعم الأميركي، كما بدا بوضوح في بياني روبيو وبسنت، مشروط، محدد بسقف زمني، ومربوط بأفعال لا بتصريحات. والفجوة بين النافذتين، إن لم تُردم سريعاً من الجانب اللبناني، لن تُترجم عتاباً دبلوماسياً، بل ثمناً تدفعه الدولة كلها، لا حزب الله وحده.
الوزير ماركو روبيو اختصر الموقف الأميركي في سطور قليلة: التزام أميركي مشروط بتنفيذ الإطار الثلاثي، باعتباره المسار الوحيد نحو سلام دائم مع إسرائيل، ووقوف واشنطن إلى جانب لبنان السيادي، الخالي من نفوذ حزب الله وإيران. لم يكتفِ بهذا القدر. وزير الخزانة سكوت بسنت، أحد أبرز صقور هذه الإدارة، تبعه ببيان لا يقل حسماً: مطلوب من لبنان تحرك حاسم لتعطيل الشبكات المالية الإيرانية وشبكات حزب الله، وربط استعادة الثقة بالقطاع المصرفي بإصلاحات جوهرية.
فالعقوبات لن ترحم أحداً.
وزيران، في يوم واحد، يتحدثان اللهجة نفسها: الحسم لا المجاملة.
هاتان الرسالتان ليستا حدثاً عابراً، بل جزء من نافذة أميركية أوسع بكثير مما تدركه بيروت. فبالنسبة لواشنطن، حزب الله ليس فصيلاً لبنانياً مسلحاً يمكن التفاوض معه أو استيعابه ضمن معادلة داخلية. هو إيران، بمعناها الحرفي، ذراعها التنفيذية على الأرض اللبنانية. ولهذا فإن القرار الأميركي بإنهائه واجتثاثه وتفكيك بنيته ليس قابلاً للتفاوض أو التأجيل، بل قرار لا رجعة فيه، يندرج ضمن مشروع أوسع لإضعاف النفوذ الإيراني في المنطقة بأكملها. وكل المؤشرات التي نتابعها تقودنا إلى قناعة متزايدة بأن الهدف الأبعد لهذه الإدارة لم يعد إضعاف هذا النفوذ فحسب، بل إسقاط النظام في طهران نفسه.
هذا هو المقياس الذي تدير به واشنطن هذا الملف: مقياس إقليمي واستراتيجي، لا مقياس محلي لبناني. وهنا بالضبط يكمن الخلل في القراءة اللبنانية. فما بدا من تفسير نواف سلام بعد لقاءاته يشبه نعامة تدفن رأسها في الرمل. لا تزال الدولة اللبنانية، بمؤسساتها الرسمية، تتعامل مع حزب الله وكأنه الجار، أو الشريك الذي تتقاسم معه العيش المشترك، لا كخطر وجودي يهدد سيادتها وقرارها ووجودها كدولة. يبدو أن من يقود هذا الملف في بيروت لا يدرك، أو لا يريد أن يدرك، حجم ما يجري وسرعته. وهذا التردد والتلكؤ في مواجهة الاستحقاق سيكون له ثمن باهظ.
وهذا سوء التقدير هو الخطر الحقيقي. حين تتحدث واشنطن عن "المسار الوحيد" و"القرار الحاسم"، فهي لا تطلق تهديدات عابرة لالتقاط الصور، بل تصف سياسة ثابتة تُبنى عليها قرارات فعلية: عقوبات، تصنيفات، ملاحقات مالية، عزل، وربما أكثر من ذلك.
والأخطر من سوء التقدير هذا، أن بيان رئيس الحكومة نفسه يحمل قدراً من المغالطة لا يجوز السكوت عنه. فسلام يطالب بجدول زمني واضح لتنفيذ الانسحاب الإسرائيلي، وبآلية تحقق تراقب الالتزام الأميركي والإسرائيلي، وكأن واشنطن وتل أبيب موظفتان في خدمة لبنان، تُطالَبان بتقديم ما لا يزال هو يرفض تقديمه. سؤال بسيط يفرض نفسه: أين جدول لبنان الزمني لنزع سلاح حزب الله؟
لماذا يطالب لبنان الآخرين بمواعيد محددة، فيما يرفض أن يُلزم نفسه بموعد واحد لتنفيذ قراراته هو؟ هذه الازدواجية في المعايير هي بالضبط ما يُسمى المخاتلة السياسية، وواشنطن، بخلاف بيروت، لا تُضيع وقتها ولا طاقتها على من يمارسها. من يريد الدعم الأميركي عليه أن ينفّذ، لا أن يطلب من الآخرين التزامات لم يلتزم هو نفسه بمثلها بعد.
فهذا الدعم الأميركي ليس مفتوحاً ولا بلا شروط.
والمشكلة الأعمق ليست فقط في كيفية رؤية واشنطن للبنان، بل في كيفية رؤية لبنان لنفسه. لا بد من طريقة تُفهّم الدولة اللبنانية الغاية الحقيقية من المفاوضات الثلاثية الجارية: لسنا نتفاوض على حل مؤقت، ولسنا نتفاوض على هدنة جديدة مع إسرائيل. الهدف إنهاء هذا الوضع نهائياً، لأن لبنان معني أن يكون جزءاً من المشروع الإقليمي المقبل، أي الاتفاقيات الإبراهيمية. المستقبل الذي نراه هو مستقبل أقل سياسة، أقل حرباً، أقل مواجهة، وأكثر اقتصاداً جغرافياً. من هنا، على لبنان أن يخرج من حالة الغيبوبة التي يعيشها، وأن يبدأ برؤية الأمور من الزاوية الأميركية نفسها، ليدرك أخيراً ما هي تبعات كل خطوة يقوم بها، أو يتقاعس عن القيام بها.
المنطقة لا تنتظر لبنان. الأسبوع نفسه الذي زار فيه سلام واشنطن، كان الشرق الأوسط يعيد ترتيب أوراقه بسرعة تُشعر المراقب بالدوار: الأحد، نتنياهو في أبوظبي في لقاء مع محمد بن زايد. الاثنين، وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في أبوظبي أيضاً. والثلاثاء، نائب رئيس دولة الإمارات في السعودية، في أول لقاء مباشر بهذا المستوى منذ الخلاف حول اليمن. كل هذه التحركات تخدم غاية واحدة: كل لاعب إقليمي يعيد تموضعه لضمان بقائه ومكسبه في النظام الجديد الذي تُرسم ملامحه الآن، لا بعد سنوات. ولبنان، في خضم كل هذا، لا يزال يدور حول نفسه، يستنزف فرصه، ويتردد في الانخراط بالمواجهة ليضمن مقعده في خارطة المنطقة الجديدة.
دونالد ترامب ليس بابا نويل. لم يأتِ ليوزع الهدايا على دولة تتفرج على انهيارها وتتعامل مع من يدمرها كشريك سكن. الدعم الأميركي، كما بدا بوضوح في بياني روبيو وبسنت، مشروط، محدد بسقف زمني، ومربوط بأفعال لا بتصريحات. والفجوة بين النافذتين، إن لم تُردم سريعاً من الجانب اللبناني، لن تُترجم عتاباً دبلوماسياً، بل ثمناً تدفعه الدولة كلها، لا حزب الله وحده.