الدولة في مواجهة متفجرات "الحزب"
17 Oct 202610:16 AM

الدولة في مواجهة متفجرات "الحزب"

سعد شعنين

سعد شعنين

 

لم يعد ملف المتفجرات المضبوطة وسلاح «حزب الله» تفصيلاً أمنياً يمكن احتواؤه بالتسويات السياسية، بل بات اختباراً جدياً لقدرة الدولة اللبنانية على فرض سلطتها واستعادة قرارها السيادي. فالتشدد الدولي المتزايد يضع الحكومة أمام مسؤولية ترجمة التزاماتها إلى إجراءات ملموسة، في وقت يصرّ الحزب على التعامل مع سلاحه باعتباره مسألة خارج صلاحيات الدولة، حتى عندما تتدخل المؤسسات الأمنية والقضائية في ملفات ترتبط مباشرة بأمن اللبنانيين.

وفي هذا السياق، اكتسبت قضية المتفجرات المضبوطة أهمية تتجاوز الشحنة نفسها، بعدما دخلت واشنطن على خط القضية، مؤكدة رفضها إعادة المضبوطات إلى «حزب الله»، ومشددة على ضرورة محاسبة المسؤولين عن نقلها وتمويلها والإشراف على العملية. فالمطلوب دولياً، وفق هذا الموقف، ليس الاكتفاء بضبط المواد المتفجرة، بل كشف ملابسات القضية وتحديد المسؤوليات، بما يمنع تكرار مثل هذه العمليات ويعزز سلطة المؤسسات الشرعية.

لكن موقف النائب حسن فضل الله كشف مجدداً حجم التباعد بين منطق الدولة ومنطق الحزب. فبدلاً من التعامل مع ضبط المتفجرات باعتباره إجراءً أمنياً يخضع للتحقيق والقانون، أكد فضل الله أن الشحنة تعود إلى الحزب، مبرراً وجودها بأنها مخصصة لمواجهة القوات الإسرائيلية في الجنوب، ومطالباً بإعادة المضبوطات والإفراج عن الموقوفين. كما رفض قرار الحكومة المتعلق بحظر الأنشطة العسكرية للحزب، معتبراً أنه قرار لا يعترف بمفاعيله على الأرض.

هنا تكمن جوهر المشكلة. فالنقاش لا يتعلق فقط بالجهة التي تعود إليها المتفجرات أو بالهدف المعلن من استخدامها، بل بمن يملك الحق في امتلاك السلاح ونقله وتحديد وجهته داخل لبنان. هل هي الدولة، بمؤسساتها الأمنية والعسكرية والقضائية، أم تنظيم مسلح يقرر منفرداً طبيعة عملياته، ثم يطالب المؤسسات الشرعية بالتراجع عندما تمس إجراءاتها مصالحه؟

إن القول إن السلاح مخصص لمواجهة إسرائيل لا ينهي النقاش حول شرعيته، لأن المسألة تتصل بالمرجعية التي تتخذ القرار، لا بالهدف الذي تعلنه الجهة المسلحة. فالدولة لا تستطيع أن تكون مسؤولة عن أمن مواطنيها فيما تحتفظ جهة أخرى بحق اتخاذ قرارات الحرب والسلم، ولا يمكن أن تطالب المجتمع الدولي باحترام سيادتها إذا كانت سلطتها لا تُطبَّق على جميع القوى الموجودة على أراضيها.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل الاحتلال الإسرائيلي والاعتداءات المستمرة على لبنان، ولا إسقاط حق اللبنانيين في الدفاع عن أرضهم. لكن مواجهة الاحتلال لا تعني تكريس ازدواجية القرار العسكري، بل تستوجب استراتيجية وطنية تتولاها الدولة، بما يحفظ السيادة ويمنع جرّ البلاد إلى مواجهات لا يقرر اللبنانيون مجتمعين توقيتها أو نتائجها.

أمام هذا الواقع، يجد رئيس الحكومة نواف سلام نفسه أمام اختبار يتجاوز المعالجة الأمنية المباشرة. فالتشدد في التحقيق وملاحقة المتورطين ضروريان لإثبات أن القانون يسري على الجميع، لكن الأهم هو ألا تتحول الضغوط السياسية إلى وسيلة لتعطيل الإجراءات القضائية أو فرض تسويات تتعارض مع مقتضيات التحقيق. فإعادة المتفجرات، قبل استكمال الإجراءات القانونية وتحديد المسؤوليات، من شأنها أن تطرح تساؤلات جدية حول قدرة الدولة على حماية سلطتها.

ولا ينفصل هذا الملف عن المسار الذي تسعى الرئاسة والحكومة إلى اعتماده لإعادة الاعتبار إلى المؤسسات الشرعية وحصر السلاح بيد الدولة. فكلما أثبتت الحكومة قدرتها على تنفيذ قراراتها، تعززت ثقة المجتمع الدولي بها، وازدادت قدرتها على التفاوض من موقع الدولة المسؤولة عن أراضيها وأمنها. أما التراجع أمام اعتراضات الحزب، فيعيد إنتاج المعادلة التي جعلت القرار اللبناني موزعاً بين المؤسسات الرسمية وقوة مسلحة تفرض شروطها خارج إطار الدولة.

كذلك، فإن الموقف الدولي لا يضع الحكومة أمام مسؤولية تنفيذ المطالب الخارجية فحسب، بل أمام واجب داخلي يتمثل في حماية اللبنانيين من تداعيات القرارات العسكرية المنفردة. فالدعم الدولي للجيش والمؤسسات الشرعية لا يمكن أن يتحول إلى بديل من الإرادة السياسية اللبنانية، بل يفترض أن يترافق مع قرار واضح بتعزيز سلطة الدولة على كامل أراضيها.

وفي هذا الإطار، يصبح موقف فضل الله أكثر من مجرد اعتراض نيابي على إجراء أمني؛ إنه تعبير عن استمرار الصراع حول المرجعية التي تحكم لبنان. فإذا كان الحزب يرفض الاعتراف بقرارات الحكومة عندما تتصل بأنشطته العسكرية، فكيف يمكن بناء دولة قادرة على تنفيذ سياساتها وحماية مصالح مواطنيها؟ وكيف يمكن مطالبة الخارج بمساعدة لبنان على استعادة سيادته، فيما لا تزال شرعية القرار الأمني موضع نزاع داخلي؟

إن ملف المتفجرات يشكل فرصة أمام الحكومة لإثبات أن استعادة السيادة ليست شعاراً سياسياً، بل ممارسة تبدأ بحماية التحقيقات ومحاسبة المسؤولين، وتمتد إلى وضع حد لازدواجية السلاح والقرار. فالدولة التي تتساهل في تطبيق القانون تفقد تدريجياً قدرتها على فرضه، فيما لا يمكن بناء الثقة الدولية على الوعود وحدها.

في النهاية، لا يُقاس نجاح الحكومة بقدرتها على احتواء الخلاف مع «حزب الله»، بل بقدرتها على إدارة هذا الخلاف من موقع الدولة، من دون التفريط بصلاحياتها أو تحويل قراراتها إلى موضوع تفاوض مع كل جهة تعترض عليها. فلبنان يحتاج إلى دولة تقرر وتحاسب وتحمي مواطنيها، لا إلى سلطة تبقى قراراتها معلقة على موافقة السلاح.

والسؤال الذي تفرضه هذه القضية لم يعد ما إذا كان الحزب سيقبل بقرارات الحكومة، بل ما إذا كانت الحكومة قادرة على جعل قراراتها ملزمة للجميع. فهنا يبدأ اختبار السيادة، وهنا أيضاً يتحدد ما إذا كان لبنان يتجه فعلاً نحو استعادة دولته، أم سيبقى أسير معادلة تتقدم فيها قوة السلاح على سلطة القانون.