في خريطة الشعر العربي المعاصر، تبدو قصيدة "كحياةٍ في الجحيم"، الصادرة حديثًا عن "دار رياض الريّس للكتب والنشر"، بوصفها أحد الأعمال المركزية في المشروع الشعري لعقل العويط، لا من حيث حجمها وطموحها البنائي فحسب، بل من حيث سعيها إلى احتواء أسئلة الشاعر الكبرى التي رافقته على امتداد عقود: الشعر والموت، الفرد والتاريخ، لبنان والشرق، الحبّ والخراب، والمعنى الممكن للحياة في عالم يتداعى.
تقوم البنية النهائية للقصيدة على ثلاثة عشر مشهدًا أو مقطعًا داخليًا، يبدأ قوسها من "مفتاح" وينتهي عند "القصيدة/اللعنة". ومن بين محطّاتها الأساسية: "خارج الجاذبية"، "يمرّون في اللحظة نفسها"، "دعوتهم إلى دمي"، "يتقدّم وحده"، "هذه أرضي"، "بعد الرشد بقليل"، "أحيا خارج حياتي"، "في الحدّ الفاصل"، "لا تقل شيئًا"، "الكيان الشعري"، و"كمثل قصيدة تنجو". غير أنّ هذه المقاطع لا تنتظم في سردٍ خطّي أو حكاية متعاقبة، فهي في حركة حلزونية تتقدّم وتعود في آنٍ واحد، بحيث تنطلق من كلمة وتنتهي إلى كلمة، بعدما تكون هذه الكلمة قد عبرت العالم كلّه واحتوته.
يفتتح النص بمشهد "مفتاح"، وهو ليس بداية حدثٍ أو رواية، بل لحظة تلقّي قدر. ففي الأسطر الأولى يتماهى الشعر مع الحياة، وتصبح الكلمة مفتاحًا ولعنةً في الوقت نفسه:
"كلمة هي مفتاح
هي لعنة
هي حياتُكَ
وقصيدة".
منذ هذه العتبة التأسيسية يتحدّد أفق القصيدة كلّه. فالكلمة ليست أداة تعبير عن التجربة، هي التجربة ذاتها، وهي المصير الذي سيقود الشاعر عبر مسالك الجحيم المختلفة.
في "خارج الجاذبية" يبدأ الانفصال عن قوانين العالم المألوف. الذات تفقد استقرارها الأرضي وتدخل منطقة معلّقة بين الحياة والموت، وبين التاريخ والرؤيا. ومن هذا التعليق الوجودي تنفتح القصيدة على الآخرين. ففي "يمرّون في اللحظة نفسها" و"دعوتهم إلى دمي" لا يعود المتكلّم فردًا معزولًا، بل يصبح وعاءً تتقاطع فيه حشود الأحياء والأموات، الشعراء والفلاسفة والفنّانون والأنبياء والأصدقاء والغرباء. هكذا تتّسع الـ"أنا" الشعرية لتغدو مساحةً لاستضافة أصوات وأزمنة وحضارات كاملة.
غير أنّ القصيدة، وسط هذا الاكتظاظ البشري والرمزي، تعود باستمرار إلى عزلة الفرد. ففي "يتقدّم وحده" تستعاد الحقيقة الأساسية لكلّ رحلة كبرى: لا أحد يستطيع أن يحمل مصير أحد. العبور النهائي يظلّ عبورًا فرديًا مهما ازدحمت الطريق بالرفاق والظلال.
ومن التيه الكوني تنتقل القصيدة إلى سؤال المكان في "هذه أرضي". هنا لا تبدو الأرض ملكية أو حدودًا سياسية، إنها جرح وانتماء ومصير. يطلّ لبنان بوصفه جرحًا شخصيًا وجماعيًا في آن، كما يطلّ الشرق بكلّ تاريخه الممزّق وأحلامه المنكسرة. فالقصيدة لا تتحدّث عن جحيم فردية فحسب، بل عن جحيم حضارية وتاريخية تخصّ الأقوام الشرقية وخرائطها وآلهتها الميتة وأعلامها التي تولد ميتة.
وفي "بعد الرشد بقليل" تنعطف القصيدة نحو مراجعة العمر والحصيلة. ماذا فعل الزمن بالإنسان؟ ماذا بقي من الأحلام؟ وماذا صنعت المعرفة والحكمة من الكائن الذي ظنّ أنّه بلغ الرشد؟ ثم يبلغ هذا المسار إحدى ذراه في "أحيا خارج حياتي"، حيث يتجلّى الاغتراب في أقصى صوره: حضورٌ وغياب في اللحظة نفسها، وعيشٌ للحياة كما لو كانت حياة شخص آخر.
بعد ذلك تدخل القصيدة منطقة العتبات في "في الحدّ الفاصل"، حيث تتوقّف بين عالمين: لا حياة مكتملة ولا موت مكتمل، لا يقين نهائيًا ولا شكّ نهائيًا. ويبدو النص بأسره كأنّه يقيم على هذا الحدّ الدقيق الذي يفصل بين الأشياء ويصلها في الوقت نفسه. ومن هنا يبرز الصمت في "لا تقل شيئًا"، لا بوصفه عجزًا عن الكلام، إنما باعتباره معرفة أخرى تصل إليها اللغة عندما تبلغ حدودها القصوى.
أما في "الكيان الشعري"، فإن الشعر يتجاوز كونه وسيلة للتعبير ليغدو وجودًا قائمًا بذاته. لم تعد القصيدة شيئًا يكتبه الشاعر، هي شيء يصير فيه الشاعر نفسه. ومن هذه النقطة تتقدّم القصيدة نحو خاتمتها في "كمثل قصيدة تنجو"، حيث لا يتحقّق الخلاص من الجحيم، إنّما نوع آخر من النجاة: نجاة الكلمة والأثر والصوت، أي نجاة القصيدة ذاتها.
وعندما تصل إلى "القصيدة/اللعنة" تعود النهاية إلى البداية. الكلمة التي ظهرت مفتاحًا تتكشّف بوصفها لعنة أيضًا. غير أنّ اللعنة هنا ليست عقابًا. إنها قدر شعري ووجودي. فبعد عبور المدن والخرائط والآلهة المنهارة، وبعد المرور بالأحياء والأموات والحبّ والعزلة والتاريخ، يعود الشاعر إلى الكلمة الأولى ليكتشف أنها لم تعد كلمة فحسب، بل أصبحت حياة كاملة؛ حياةً في الجحيم.
ومن أبرز ما يمنح هذه القصيدة فرادتها أنها لا تكتفي بتحويل التجربة الشخصية إلى شعر، ولا بتحويل التاريخ إلى شعر، إذ تجعل من الشعر نفسه موضوعًا للتساؤل. فكلّ ما يمرّ في النص ــ الحياة والتاريخ والخراب والحبّ والشرق والميتافيزيقا ــ يعبر من خلال سؤال واحد: ماذا يستطيع الشعر أن يفعل أمام هذا كلّه؟
لهذا لا تنتمي "كحياةٍ في الجحيم" بسهولة إلى التقليد الغنائي العربي السائد. فالأنا فيها ليست أنا اعترافية أو سيرية بالمعنى الضيق، هي ذات واسعة ومركّبة تتحوّل مرارًا إلى مسرح للأصوات والأزمنة والحضارات. ومن هنا تبدو أقرب إلى قصيدة رؤيوية - حضارية كبرى منها إلى قصيدة سيرة ذاتية أو اعتراف شخصي.
ويضاف إلى ذلك طموحها التركيبي النادر. فالنص لا يراهن على مشهد واحد أو نبرة واحدة، إنما يسعى إلى بناء عالم كامل تتجاور فيه الذاكرة الفردية والذاكرة الجماعية، الشرق والغرب، الشعراء والفلاسفة والرسّامون والموسيقيون، الأحياء والموتى. وهو طموح أصبح قليل الحضور في الشعر العربي الحديث الذي مال، في كثير من نماذجه، إلى الاقتصاد والتقشّف أكثر مما مال إلى البناء الكلّي الشامل.
لكن السمة الأعمق في التجربة كلّها تكمن في أنّ الجحيم ليست موضوع القصيدة بقدر ما هي مناخها الوجودي. إنها ليست مكانًا محدّدًا ولا حادثة بعينها. إنها شرط الوجود نفسه. لذلك لا تنتهي القصيدة بخلاص أو مصالحة، إنما بإقامة واعية داخل المأساة. ومن هنا تنبع قرابتها الروحية مع بعض الأعمال الشعرية الكبرى في القرن العشرين، من دون أن تكون محاكاة لها أو استعادة مباشرة لأي نموذج سابق.
وفي هذا المعنى يمكن النظر إلى "كحياةٍ في الجحيم" بوصفها قصيدة جامعة أو تتويجية داخل مشروع عقل العويط الشعري؛ إنها عمل يحاول أن يجمع في نسيج واحد معظم الهواجس التي رافقت الشاعر طويلًا: الشعر، والموت، ولبنان، والشرق، والحضارة، والخراب، والحب، والعزلة، والبحث الدائم عن معنى أخلاقي وجمالي للاستمرار في العالم، رغم كلّ ما يجعله أقرب إلى الجحيم.
تقوم البنية النهائية للقصيدة على ثلاثة عشر مشهدًا أو مقطعًا داخليًا، يبدأ قوسها من "مفتاح" وينتهي عند "القصيدة/اللعنة". ومن بين محطّاتها الأساسية: "خارج الجاذبية"، "يمرّون في اللحظة نفسها"، "دعوتهم إلى دمي"، "يتقدّم وحده"، "هذه أرضي"، "بعد الرشد بقليل"، "أحيا خارج حياتي"، "في الحدّ الفاصل"، "لا تقل شيئًا"، "الكيان الشعري"، و"كمثل قصيدة تنجو". غير أنّ هذه المقاطع لا تنتظم في سردٍ خطّي أو حكاية متعاقبة، فهي في حركة حلزونية تتقدّم وتعود في آنٍ واحد، بحيث تنطلق من كلمة وتنتهي إلى كلمة، بعدما تكون هذه الكلمة قد عبرت العالم كلّه واحتوته.
يفتتح النص بمشهد "مفتاح"، وهو ليس بداية حدثٍ أو رواية، بل لحظة تلقّي قدر. ففي الأسطر الأولى يتماهى الشعر مع الحياة، وتصبح الكلمة مفتاحًا ولعنةً في الوقت نفسه:
"كلمة هي مفتاح
هي لعنة
هي حياتُكَ
وقصيدة".
منذ هذه العتبة التأسيسية يتحدّد أفق القصيدة كلّه. فالكلمة ليست أداة تعبير عن التجربة، هي التجربة ذاتها، وهي المصير الذي سيقود الشاعر عبر مسالك الجحيم المختلفة.
في "خارج الجاذبية" يبدأ الانفصال عن قوانين العالم المألوف. الذات تفقد استقرارها الأرضي وتدخل منطقة معلّقة بين الحياة والموت، وبين التاريخ والرؤيا. ومن هذا التعليق الوجودي تنفتح القصيدة على الآخرين. ففي "يمرّون في اللحظة نفسها" و"دعوتهم إلى دمي" لا يعود المتكلّم فردًا معزولًا، بل يصبح وعاءً تتقاطع فيه حشود الأحياء والأموات، الشعراء والفلاسفة والفنّانون والأنبياء والأصدقاء والغرباء. هكذا تتّسع الـ"أنا" الشعرية لتغدو مساحةً لاستضافة أصوات وأزمنة وحضارات كاملة.
غير أنّ القصيدة، وسط هذا الاكتظاظ البشري والرمزي، تعود باستمرار إلى عزلة الفرد. ففي "يتقدّم وحده" تستعاد الحقيقة الأساسية لكلّ رحلة كبرى: لا أحد يستطيع أن يحمل مصير أحد. العبور النهائي يظلّ عبورًا فرديًا مهما ازدحمت الطريق بالرفاق والظلال.
ومن التيه الكوني تنتقل القصيدة إلى سؤال المكان في "هذه أرضي". هنا لا تبدو الأرض ملكية أو حدودًا سياسية، إنها جرح وانتماء ومصير. يطلّ لبنان بوصفه جرحًا شخصيًا وجماعيًا في آن، كما يطلّ الشرق بكلّ تاريخه الممزّق وأحلامه المنكسرة. فالقصيدة لا تتحدّث عن جحيم فردية فحسب، بل عن جحيم حضارية وتاريخية تخصّ الأقوام الشرقية وخرائطها وآلهتها الميتة وأعلامها التي تولد ميتة.
وفي "بعد الرشد بقليل" تنعطف القصيدة نحو مراجعة العمر والحصيلة. ماذا فعل الزمن بالإنسان؟ ماذا بقي من الأحلام؟ وماذا صنعت المعرفة والحكمة من الكائن الذي ظنّ أنّه بلغ الرشد؟ ثم يبلغ هذا المسار إحدى ذراه في "أحيا خارج حياتي"، حيث يتجلّى الاغتراب في أقصى صوره: حضورٌ وغياب في اللحظة نفسها، وعيشٌ للحياة كما لو كانت حياة شخص آخر.
بعد ذلك تدخل القصيدة منطقة العتبات في "في الحدّ الفاصل"، حيث تتوقّف بين عالمين: لا حياة مكتملة ولا موت مكتمل، لا يقين نهائيًا ولا شكّ نهائيًا. ويبدو النص بأسره كأنّه يقيم على هذا الحدّ الدقيق الذي يفصل بين الأشياء ويصلها في الوقت نفسه. ومن هنا يبرز الصمت في "لا تقل شيئًا"، لا بوصفه عجزًا عن الكلام، إنما باعتباره معرفة أخرى تصل إليها اللغة عندما تبلغ حدودها القصوى.
أما في "الكيان الشعري"، فإن الشعر يتجاوز كونه وسيلة للتعبير ليغدو وجودًا قائمًا بذاته. لم تعد القصيدة شيئًا يكتبه الشاعر، هي شيء يصير فيه الشاعر نفسه. ومن هذه النقطة تتقدّم القصيدة نحو خاتمتها في "كمثل قصيدة تنجو"، حيث لا يتحقّق الخلاص من الجحيم، إنّما نوع آخر من النجاة: نجاة الكلمة والأثر والصوت، أي نجاة القصيدة ذاتها.
وعندما تصل إلى "القصيدة/اللعنة" تعود النهاية إلى البداية. الكلمة التي ظهرت مفتاحًا تتكشّف بوصفها لعنة أيضًا. غير أنّ اللعنة هنا ليست عقابًا. إنها قدر شعري ووجودي. فبعد عبور المدن والخرائط والآلهة المنهارة، وبعد المرور بالأحياء والأموات والحبّ والعزلة والتاريخ، يعود الشاعر إلى الكلمة الأولى ليكتشف أنها لم تعد كلمة فحسب، بل أصبحت حياة كاملة؛ حياةً في الجحيم.
ومن أبرز ما يمنح هذه القصيدة فرادتها أنها لا تكتفي بتحويل التجربة الشخصية إلى شعر، ولا بتحويل التاريخ إلى شعر، إذ تجعل من الشعر نفسه موضوعًا للتساؤل. فكلّ ما يمرّ في النص ــ الحياة والتاريخ والخراب والحبّ والشرق والميتافيزيقا ــ يعبر من خلال سؤال واحد: ماذا يستطيع الشعر أن يفعل أمام هذا كلّه؟
لهذا لا تنتمي "كحياةٍ في الجحيم" بسهولة إلى التقليد الغنائي العربي السائد. فالأنا فيها ليست أنا اعترافية أو سيرية بالمعنى الضيق، هي ذات واسعة ومركّبة تتحوّل مرارًا إلى مسرح للأصوات والأزمنة والحضارات. ومن هنا تبدو أقرب إلى قصيدة رؤيوية - حضارية كبرى منها إلى قصيدة سيرة ذاتية أو اعتراف شخصي.
ويضاف إلى ذلك طموحها التركيبي النادر. فالنص لا يراهن على مشهد واحد أو نبرة واحدة، إنما يسعى إلى بناء عالم كامل تتجاور فيه الذاكرة الفردية والذاكرة الجماعية، الشرق والغرب، الشعراء والفلاسفة والرسّامون والموسيقيون، الأحياء والموتى. وهو طموح أصبح قليل الحضور في الشعر العربي الحديث الذي مال، في كثير من نماذجه، إلى الاقتصاد والتقشّف أكثر مما مال إلى البناء الكلّي الشامل.
لكن السمة الأعمق في التجربة كلّها تكمن في أنّ الجحيم ليست موضوع القصيدة بقدر ما هي مناخها الوجودي. إنها ليست مكانًا محدّدًا ولا حادثة بعينها. إنها شرط الوجود نفسه. لذلك لا تنتهي القصيدة بخلاص أو مصالحة، إنما بإقامة واعية داخل المأساة. ومن هنا تنبع قرابتها الروحية مع بعض الأعمال الشعرية الكبرى في القرن العشرين، من دون أن تكون محاكاة لها أو استعادة مباشرة لأي نموذج سابق.
وفي هذا المعنى يمكن النظر إلى "كحياةٍ في الجحيم" بوصفها قصيدة جامعة أو تتويجية داخل مشروع عقل العويط الشعري؛ إنها عمل يحاول أن يجمع في نسيج واحد معظم الهواجس التي رافقت الشاعر طويلًا: الشعر، والموت، ولبنان، والشرق، والحضارة، والخراب، والحب، والعزلة، والبحث الدائم عن معنى أخلاقي وجمالي للاستمرار في العالم، رغم كلّ ما يجعله أقرب إلى الجحيم.