أسعار النفط تتأرجح بين تجدد المفاوضات وتزايد المخاطر
21 Oct 202617:34 PM
أسعار النفط تتأرجح بين تجدد المفاوضات وتزايد المخاطر

كتب العميد الدكتور غازي محمود:
تراجعت أسعار النفط يوم الثلاثاء إلى ما دون 107 دولارات للبرميل، بعد أن بلغ سعر خام برنت أعلى مستوى له في خمسة أشهر مع بدء التداول صباح اليوم نفسه. وجاء هذا التراجع عقب معلومات غير مؤكدة عن تقديم قطر وباكستان مقترحًا جديدًا لاستئناف المفاوضات، الأمر الذي أحيا الآمال بإنهاء الحرب على إيران، وخفف الضغوط على أسواق النفط العالمية، ويعكس هذا التحرك مدى حساسية أسواق النفط لأي مؤشر إيجابيقد يمهّد لوقف الحرب.


في المقابل، تستمر حالة عدم اليقين بشأن موعد عودة إمدادات الطاقة إلى طبيعتها، في ظل مزاعم الحوثيين بشن هجمات على منشآت نفطية سعودية، فضلًا عن المخاوف من اتساع رقعة الصراع في الشرق الأوسط. وتُهددهذه التطورات مخاوف بشأن أمن البنية التحتية للطاقة في المنطقة، وما قد يسببه ذلك من حدوث من اضطرابات إضافية في إمدادات النفط العالمية، الأمر الذي يُبقي الأسعار عند مستويات مرتفعة.
وواصلت أسعار النفط تداولها بالقرب من أعلى مستوى لها في خمسة أشهر صباح الثلاثاء، على الرغم من أن تدفقات النفط الخام القادمة من منطقة الخليج العربي تُعدّ قوية نسبيًا. ويرجع ذلك إلى ارتفاع علاوة المخاطر الجيوسياسية، في ظل احتمال وقوع هجمات إيرانية إضافية في مضيق هرمز وهجمات حوثية في باب المندب، وحتى الآن لا توجد أي مؤشرات واضحة إلى أن ترجع هذه العلاوة في المدى القريب.
وكانت العقود الآجلة لخام برنت قد ارتفعت بنسبة 0.28% لتصل من 110 دولارات للبرميل قبيل افتتاح الأسواق الأوروبية، في حين تم تداول خام غرب تكساس الوسيط (WTI) بسعر تجاوز 104 دولارات للبرميل للتسليم الشهر المقبل. وجاء ذلك على الرغم من أن تدفقات النفط الخام من الخليج قد عادت إلى نحو 80% من مستوياتها قبل الحرب، وفق تصريح وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت لقناة فوكس نيوز. فيما تواجه إمدادات المنتجات المكررة قيودًا أشد. 
وفي حين تتوقع منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) نمو الطلب العالمي على النفط بمقدار 0.2 مليون برميل يوميًا في 2026، و2.6 مليون برميل يوميًا في 2027، ترجح وكالة الطاقة نمو الطلب بمقدار مليوني برميل يوميًا في 2027. ويعكس هذا التباين اختلاف التقديرات بشأن مسار الاستهلاك، وتأثير الأسعار والتوترات الجيوسياسية في النشاط الاقتصادي العالمي. 
وتشير هذه التطورات إلى أن تحركات أسعار النفط لم تعد تتحدد بحجم المعروض وحده أو بوتيرة الطلب وحدهما، بل أصبحت رهينة تفاعل المخاطر الجيوسياسية مع تكاليف النقل والتأمين، وقدرة الأسواق على ضمان استمرار الإمدادات. ويؤدي الارتفاع القياسي في تكاليف شحن الناقلات إلى زيادة الأعباء المالية، فضلاً عن بقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة. 
وفي هذا السياق، تسعى الولايات المتحدة الأميركية إلى خفض تكاليف نقل النفط من خلال رفع الحظر عن ناقلات النفط الخاضعة للعقوبات، مما قد يتيح لها العودة إلى السوق النظامية ويعزز الطاقة المتاحة للشحن. ومع ذلك، من غير الواضح حجم القدرة الإضافية التي يُمكن أن يوفرها هذا الإجراء، أو مدى سرعة تأثيره في تخفيف حدة الأسعار.
من ناحيتها، سارعت وكالة الطاقة الدولية إلى طرح الكميات المتبقية من الاحتياطيات النفطية الطارئة، للحد من ارتفاع الأسعار، بما فيها أكثر من 20 مليون برميل من الديزل. ومع ذلك، لم تكن تلك الخطوة كافية لتهدئة السوق، بعدما أُفرج عن نحو 330 مليون برميل من أصل أكثر من 400 مليون برميل تعهدت الدول بطرحها في آذار/مارس. ويبرز ذلك محدودية قدرة السحب من المخزونات الاستراتيجية على تعويض اضطرابات الإمدادات إذا استمرت لفترة طويلة. 
بدورها ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي المسال الفورية في آسيا إلى 30.4 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية يوم الاثنين، وهو أعلى مستوى لها منذ كانون الأول/ديسمبر 2022. ويتزامن ذلك مع إعلان عمليات التجارة البحرية البريطانية بتعرض ناقلة غاز طبيعي مسال لإطلاق نار من قارب صغير قبالة سواحل اليمن يوم السبت، مما زاد من المخاوف بشأن سلامة شحنات الطاقة المارة في المنطقة.
كذلك جرى تداول أسعار الغاز الأوروبية قرب أعلى مستوياتها منذ سنوات. وسجلت العقود الآجلة للغاز الطبيعي الهولندي (TTF) للتسليم الشهر المقبل، ما دون 88 يورو لكل ميغاواط ساعة صباح الثلاثاء، متراجعة قليلًا عن أكثر من 89 يورو قبيل الساعة السادسة صباحًا، وفقًا لبيانات بورصة إنتركونتيننتال (ICE).
إن استمرار التوتر في منطقة الخليج العربي وتزايد مخاطر تصاعد الصراع في الشرق الأوسط يهددان أمن البنية التحتية للطاقة في المنطقة، ويزيدان من الاضطرابات في إمدادات النفط العالمية، فيما تبدو المساعي الدبلوماسية لإنهاء حرب إيران مجرد محاولات لشراء الوقت استعدادًا لجولة جديدة من المواجهة من جهة، والحد من ارتفاع الأسعار من جهة ثانية.
في المحصلة، تتأرجح أسواق الطاقة بين آمال التهدئة الدبلوماسية ومخاطر التصعيد العسكري، فيما تظل الممرات البحرية الحيوية والبنية التحتية للطاقة عرضة للاضطراب. وقد تسهم الإجراءات الاستثنائية، مثل السحب من الاحتياطيات أو توسيع قدرات الشحن، في تخفيف الضغوط مؤقتًا، لكنها لا تعالج جذور الأزمة ولا تضمن استقرار الإمدادات على المدى الطويل. 
ويبقىالمسار الأكثر تأثيرًا في إعادة الاستقرار إلى أسواق النفط والغاز هو التوصل إلى تسوية سياسية تنهي الحرب هذه الحرب العبثية وتحدّ من المخاطر التي تهدد تدفقات الطاقة. أما استمرار المواجهة، فسيُبقي الأسعار رهينة التطورات الميدانية والتوقعات المتقلبة، مع ما يحمله ذلك من أعباء إضافية على الاقتصاد العالمي.