أن تكون كاهنًا
24 Oct 202607:57 AM
أن تكون كاهنًا
يوم سيامتي كاهنًا، قال لي أحد الإخوة الكهنة المخضرمين: «الله لا يندمك يا أبونا». لم أفهم يومها عمق هذه العبارة، وظننتها دعاءً أبويًّا يرافق بداية خدمتي. لكنّ السنوات كشفت لي أنّ وراءها حكمةً تختصر خبرة الكهنوت بكلّ ما فيها من أفراحٍ وأوجاع، ومن تعزياتٍ وتحدّيات، ومن مسؤوليةٍ لا تنتهي بانتهاء القداس، ولا تخفّ أعباؤها مع مرور الزمن.

إحدى وعشرون سنةً مرّت على تلك اللحظة، أدركت خلالها أنّ الكهنوت ليس رتبةً تُمنح، ولا وظيفةً تُمارَس. الكهنوت دعوةٌ إلهيّة وعهدٌ مقدّس، يضع الله فيه بين يدي الإنسان أمانةً تفوق قدرته، ولا يستطيع أن يحملها إلّا بنعمته. إنّه سرٌّ لا تتوقّف مسؤوليته عند خلاص الكاهن الشخصي، بل تمتدّ إلى النفوس التي ائتمنه الله عليها، وإلى المواهب التي دُعي إلى تنميتها، وإلى كلّ إنسانٍ ينتظر منه كلمة حقّ، أو لمسة حنان، أو بارقة رجاء.

في الأسرار المقدّسة، يُدعى الإنسان إلى حفظ النعمة التي نالها، أمّا في الكهنوت، فتتّسع دائرة الأمانة لتشمل رعيّةً بأكملها. لذلك، لا تكمن خطورة الخدمة في ما عجزنا عن تقديمه فحسب، إنّما في ما كان باستطاعتنا أن نقدّمه وتخاذلنا عنه؛ في الكلمة التي احتاج إليها إنسانٌ فآثرنا الصمت، وفي اليد التي كان ينبغي أن تمتدّ فتأخّرنا، وفي الجريح الذي انتظر مَن يفتقده فتجاوزناه.

فالكاهن لا يُسأل عمّا فعله فحسب، بل عمّا كان يمكنه أن يفعله بمحبة الله العاملة فيه.

الكهنوت رسالةٌ لا امتياز، وخدمةٌ لا سلطة، وبذلٌ لا بحثٌ عن المجد الشخصي. فالمذبح ليس مكانًا يرتفع منه الكاهن فوق الآخرين. هو مدرسةٌ يتعلّم فيها أن يبذل ذاته عنهم، والثياب الكهنوتية ليست زينةً للكرامة البشرية، إنّما تذكيرٌ دائم بثقل الأمانة التي يحملها أمام الله والناس.

ولا تخلو هذه الرسالة من الصليب. فقد يسير الكاهن دروبًا من التعب والوحدة، ويحمل هموم رعيّته فيما يخفي أوجاعه، ويواسي المحزونين فيما يحتاج هو نفسه إلى مَن يواسيه. وقد يتعرّض لسوء الفهم أو الافتراء أو الجحود، فيجد نفسه أمام امتحانٍ صعب: كيف يحفظ قلبه من المرارة، ولسانه من التجريح، وخدمته من أن تتحوّل إلى ردّ فعلٍ على إساءات الآخرين؟

لكنّ الجلجلة ليست نهاية الطريق؛ فالصليب الذي يرافق الكاهن لا يلغي الرجاء، بل يطهّر مقاصده ويذكّره بأنّ القيامة ليست وعدًا بعيدًا، بل حقيقة الإيمان التي يستمدّ منها قوّته. وفي كلّ دربٍ شاقّ، قد يهيّئ الله له قيروانيًّا يشاركه حمل الصليب، أو إنسانًا يردّ إلى قلبه شيئًا من الطمأنينة، أو تعزيةً تأتيه في اللحظة التي يظنّ فيها أنّه استنفد قدرته على الاحتمال.

أمّا في مواجهة الاتّهامات والافتراءات، فليس أقوى دفاعٍ عن الكاهن ارتفاع صوته. أقوى دفاع هو استقامة سيرته؛ وليس انتصاره في إسكات كلّ منتقد، بل في ألّا يسمح للظلم بأن يحوّله إلى ظالم، ولا للجراح بأن تجعله مصدرًا لجراح الآخرين. فالتقوى، ونزاهة السلوك، والطهارة، والتواضع، هي الشهادة التي تمنح خدمته صدقيّتها، وتجعله قادرًا على الوقوف أمام الله بضميرٍ مستنير.

ومحبّة الرعيّة لكاهنها لا تُنتزع بالخوف، ولا تُفرض بالرتبة. هي تُبنى بالتواضع والصدق والعدل. فالكاهن الذي يعامل الجميع بالمحبّة نفسها، ويصغي إلى الغنيّ والفقير، وإلى صاحب المكانة والإنسان المنسيّ، من دون تمييزٍ أو استعلاء، يعكس شيئًا من وجه المسيح، الراعي الصالح الذي يعرف خرافه ويبحث عن الضالّ منها.

ليس المطلوب منه أن يُرضي الجميع. المطلوب أن يكون أمينًا للحقّ، رحيمًا في تعامله، حكيمًا في قراراته، وحازمًا من دون قسوة. فالرحمة لا تعني التهاون، والتواضع لا يعني التخلّي عن الحقّ، والسلطة الروحيّة لا تمنح صاحبها حقّ التسلّط على الضمائر.
والكاهن مدعوّ كذلك إلى ضبط النفس واللسان، وإلى الحكمة في أقواله وأفعاله؛ فكم من كلمةٍ متسرّعةٍ تهدم ما بنته سنواتٌ من الرعاية، وكم من صمتٍ حكيمٍ يحفظ علاقةً من الانهيار! وهو مدعوّ إلى أن يكون حاضرًا في رعيّته بقلبه قبل جسده، مفتقدًا المرضى والمسنّين، خادمًا الفقراء والمهمّشين، مواسيًا المحزونين، وقريبًا من العائلات والشباب والأطفال.

فالرعيّة ليست مبنىً تُقام فيه الصلوات، ولا سجلًّا تُحصى فيه الأسماء.
هي جماعةٌ حيّة، لكلّ فردٍ فيها جرحه واحتياجه وكرامته. والكاهن الذي ينشغل بالمؤسّسة وينسى الإنسان، أو يقيس نجاحه بالمظاهر والأرقام وحدها، يخاطر بأن يفقد جوهر الرسالة التي دُعي إليها.

ومع ذلك، لا يُطلب من الكاهن أن يكون إنسانًا لا يتعب أو لا يخطئ، بل أن يعرف ضعفه من دون أن يستسلم له، وأن يطلب المساندة حين يحتاج إليها، وأن يقبل الإرشاد كما يقدّمه للآخرين. فمَن يحمل أوجاع الناس يحتاج هو أيضًا إلى أخٍ يصغي إليه، وأبٍ روحيٍّ يرافقه، وجماعةٍ تصلّي من أجله.

نجاح الكاهن لا يُقاس بعدد المصفّقين له، ولا بمقدار نفوذه، ولا بحجم ما ينجزه من مشاريع، إنما بأمانته للربّ، وبالنفوس التي ساعدها على الاقتراب من المسيح، وبالرجاء الذي أعاده إلى القلوب، وبالمصالحة التي ساهم في صنعها. وليس الكاهن الناجح مَن لا يسقط، لا. الكاهن الناجح هو مَن ينهض بالتوبة؛ هو مَن لا يسمح لجراحه بأن تُطفئ محبّته؛ ولا مَن يملك كلّ الأجوبة، بل مَن يظلّ أمينًا للحقيقة، متّكلًا على نعمة الله.

بعد إحدى وعشرين سنةً من الكهنوت، بدأت أفهم ما أراد ذلك الكاهن المخضرم أن يقوله لي يوم سيامتي. لم يكن يتمنّى لي حياةً خاليةً من الصعوبات. كان يصلّي كي لا أصل إلى يومٍ أكتشف فيه أنّني خنت الدعوة التي ائتمنني الله عليها؛ أن أكون قد امتلكت القدرة على المحبّة ولم أحبّ، وعلى الخدمة ولم أخدم، وعلى احتضان المتألّمين فأغلقت في وجوههم أبواب قلبي.

وهنا تتكشّف لي اليوم حقيقة تلك العبارة: «الله لا يندمك يا أبونا». إنّها صلاةٌ ترافق الكاهن طوال عمره، وتذكيرٌ بأنّ النعمة التي نالها تستحقّ الأمانة، والدعوة التي قبلها تستحقّ البذل، والنفوس التي اؤتمن عليها تستحقّ ألّا يُهملها.

وحين تُطوى صفحات السنين، وتخفت أصوات المديح والعتاب، وتسقط من الذاكرة الألقاب والمناصب، لن يبقى للكاهن ما يتباهى به سوى ما صنعته النعمة من خلال ضعفه، وما زرعته المحبّة في قلوب الآخرين. عندها لن يكون السؤال: كم سنةً خدمتَ؟ بل: ماذا فعلتَ بالسنوات التي أُعطيتَها؟ وكم قلبًا اقترب من الله لأنّك كنتَ أمينًا لدعوتك؟

ولعلّ الرجاء الأكبر للكاهن، في نهاية الطريق، ألّا يقف أمام المسيح متّكئًا على إنجازاته، بل مستندًا إلى رحمته، راجيًا أن يسمع من فم الربّ ما يفوق كلّ تكريمٍ أرضيّ: «نِعِمَّا أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ وَالأَمِينُ».

وعندما أقف يومًا أمام الربّ، بعد إحدى وعشرين سنةً أو أكثر من الخدمة، لن أطلب أن تُوزن حياتي بما حقّقت، بل بما حفظت من أمانة، ولن أرجو أن تُمحى من ذاكرتي صعوبات الطريق، بل أن أكون قد عبرتها من دون أن أفقد وجهتي: المسيح.

فالكهنوت ليس أن تمرّ عبر الحياة حاملًا لقبًا مقدّسًا. الكهنوت أن تسمح للمسيح بأن يعبر من خلالك إلى حياة الآخرين.

«أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادَقَ» (مزمور ١١٠: ٤).
يا ربّ، أعنّي أن أكون كاهنًا بالقلب والحياة، وأن أحمل اسمك وأُظهر وجهك في سلوكي، وأن أحبّك بأمانة حتى النهاية. آمين.