الفيدرالية: الخوف من تقسيم ما لم يتوحّد يوماً
28 Oct 202609:55 AM
الفيدرالية: الخوف من تقسيم ما لم يتوحّد يوماً
بيرلا حيدر

بيرلا حيدر

مجتمعنا 

لم ينتظر اللبنانيون إقرار الفيدرالية كي يتقاسموا البلاد. فعلوا ذلك منذ زمن، من دون دستور اتحادي، ولا مجالس إقليمية، ولا حتى الحاجة إلى تسمية الأشياء بأسمائها.

وحدها السلطة توزّعت على الطريقة الفيدرالية، أمّا المسؤولية فبقيت مركزية بما يكفي كي تضيع.

ومع ذلك، ما إن تُذكر الفيدرالية حتى يُستنفَر المدافعون عن وحدة البلاد، وكأنّ لبنان لم يعرف يوماً سوى سلطة الدولة، وكأنّ الذين تقاسموا مؤسساتها وقراراتها كانوا ينتظرون نظاماً فيدرالياً كي يباشروا مهمّتهم.
والمفارقة أنّ الفيدرالية تُتّهم بتقسيم لبنان، فيما لم يحتج الذين تقاسموا النفوذ فيه إلى تغيير الدستور. لقد كانت الخريطة واحدة، وهذا على ما يبدو كان كافياً لاعتبار الدولة موحّدة

ولم تكن هذه المفارقة بعيدة عمّا شهدته الحلقة الأولى من الموسم الثاني لبرنامج "مش مسرحية" لجو معلوف التي عُرضت مساء الإثنين على شاشة الـMTV، وخُصّصت لمناقشة الفيدرالية بين شباب لبنانيين من مختلف الطوائف والانتماءات. تعدّدت المواقف، لكنّ الاعتراضات أعادت إنتاج الأسئلة التي تلاحق الفيدرالية منذ عقود: أليست مقدّمة لتقسيم لبنان؟ ولماذا لا نعود إلى تطبيق اتفاق الطائف؟ وهل تستطيع أصلاً معالجة الأزمات التي يعاني منها اللبنانيون؟

واللافت في النقاش لم يكن الخلاف حول الفيدرالية بحدّ ذاته، بل الخلط المتكرّر بينها وبين التقسيم، إلى حدّ بدا معه أنّ بعض المشاركين يناقشون نتائج نظام يخشونه أكثر ممّا يناقشون طبيعة النظام نفسه.
فالفيدرالية في لبنان تكاد تكون متّهمة قبل أن يُتَّفق على تعريفها، فيما يحظى النظام القائم بفرصة جديدة للدفاع عن نفسه كلّما فشل في تحقيق ما وُجد من أجله. 

لكنّ التشابه بين واقع تقاسم النفوذ في لبنان وفكرة توزيع السلطة في النظام الفيدرالي ينتهي عند كلمة "توزيع". فالفيدرالية لا تقوم على اقتسام الدولة بين أصحاب النفوذ، بل على تنظيم ممارسة السلطة بين مؤسسات يحدّد الدستور صلاحياتها. ولا تأتي لتثبيت الحدود غير المعلنة بين الزعماء، أو لمنح إقطاعياتهم شرعية دستورية.
فثمّة فرق بين أن تتوزّع السلطة كي لا يحتكرها أحد، وأن تُقسَّم البلاد كي يحتفظ كلّ طرف بحصّته منها.

والفيدرالية، خلافاً لما يوحي به الخطاب السياسي اللبناني، ليست مرادفاً للتقسيم. فهي تقوم على وجود حكومة اتحادية وسلطات إقليمية تتمتّع بصلاحيات دستورية ضمن دولة واحدة ذات سيادة. أمّا التقسيم فيعني إنهاء وحدة الدولة وقيام دول مستقلة مكانها.
فالفيدرالية تعيد رسم حدود السلطة داخل الدولة، فيما يعيد التقسيم رسم حدود الدولة نفسها.

ولذلك، يبدو غريباً أن يجد بعض اللبنانيين في الفيدرالية تهديداً للوحدة، فيما يجد فيها آخرون، ولا سيما بعض المسيحيين، خطوة أولى نحو الانفصال. الطرفان ينطلقان من الافتراض نفسه، ويختلفان فقط حول ما إذا كان التقسيم الذي يتخيّلانه مرغوباً أم مرفوضاً.
فمن من يخاف الفيدرالية لأنّه يريد لبنان واحداً، ومن يريدها لأنّه يحلم بأكثر من لبنان، قد يكونان أبعد الناس عن فهم المشروع نفسه.

غير أنّ سوء فهم الفيدرالية ليس العقبة الوحيدة أمام مناقشتها. فثمّة نظام سياسي قائم، وزعماء أتقنوا الدفاع عنه، واتفاق يُستخرج من الأدراج كلّما أصبح النقاش حول تغييره جدّياً: اتفاق الطائف.
منذ عام 1989، يسمع اللبنانيون أنّ الحلّ يكمن في تطبيق الطائف. وقد تضمّن الاتفاق بالفعل إصلاحات دستورية وإدارية أساسية، بينها إلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية، وإنشاء مجلس للشيوخ، وتوسيع اللامركزية الإدارية. لكنّ أجزاء مهمّة من هذه الإصلاحات بقيت معلّقة.

والمثير أنّ الذين تولّوا إدارة الدولة طوال هذه العقود لا يزال بعضهم يقدّم تطبيق الاتفاق باعتباره مشروعاً للمستقبل.لقد أصبح الطائف الاتفاق الوحيد الذي يستمدّ صلاحيته السياسية من عدم اكتمال تطبيقه.
فكلّما طُرح بديل، قيل إنّ النظام الحالي لم يأخذ فرصته بعد. وكلّما سُئل عن نتائج تجربته، قيل إنّه لم يُطبّق كما يجب. وهكذا، يستطيع النظام أن يستمرّ إلى ما لا نهاية من دون أن يتحمّل مسؤولية نتائجه، لأنّ صورته المنشودة تبقى دائماً أفضل من واقعه.
و ليس من المنطقي أن يبقى المستقبل اللبناني محكوماً إلى الأبد بشروط الخروج من الماضي.

وهنا تبدأ المهمة الأصعب: بناء فيدرالية على قياس لبنان، لا على قياس الطوائف التي تتنازع حكمه. فالمطلوب ليس استيراد نموذج جاهز، ولا إعادة رسم الخريطة اللبنانية بألوان مذهبية، بل صياغة نظام اتحادي مركّب يأخذ في الاعتبار التداخل السكاني والجغرافي والاقتصادي، ويمنح المناطق صلاحيات فعلية من دون أن يحوّل الانتماء الطائفي إلى عنوان دستوري دائم.

ولعلّ التجربة البوسنية تقدّم درساً يستحقّ التوقّف عنده. فبعد اتفاق دايتون عام 1995، أُنشئ نظام شديد التعقيد لتقاسم السلطة بين المكوّنات القومية، ساعد على تثبيت السلام، لكنه أبقى الهوية الجماعية في قلب المؤسسات وآليات اتخاذ القرار. وبعد ثلاثة عقود، لا تزال البوسنة تعاني من التعطيل السياسي والتمييز المرتبط ببعض أحكام نظامها الدستوري، في تجربة تكشف حدود تحويل التسويات بين الجماعات إلى قواعد دائمة للحكم.
فقد نجحت البوسنة في إنهاء الحرب، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في إخراج الحرب من هندسة الدولة.

وهذا تحديداً ما ينبغي للبنان تجنّبه. فالفيدرالية التي تُنشئ كانتونات للمسيحيين وأخرى للشيعة وثالثة للسنّة لن تعالج المأزق اللبناني، بل قد تمنحه حدوداً إدارية جديدة. وما الجدوى من الانتقال من نظام يتقاسم فيه الزعماء مؤسسات الدولة إلى نظام يتقاسمون فيه أراضيها؟
فالفيدرالية لا ينبغي أن تكون مشروعاً لانزواء المسيحيين في مناطقهم، ولا وسيلة لحبس الشيعة ضمن جغرافيا سياسية محدّدة، ولا دعوة إلى أن يعيش السنّة والدروز وسائر اللبنانيين داخل حدود ترسمها هوياتهم الموروثة. إنّها فرصة لإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والسلطة، بحيث تصبح المنطقة وحدة إدارية وسياسية ذات صلاحيات، لا قفصاً طائفياً يولد الإنسان داخله ويُحكم عليه بالبقاء فيه.

وعليه، فإنّ البحث يجب أن ينطلق من معايير التنمية والموارد والتواصل الجغرافي والكثافة السكانية والقدرة على الإدارة، لا من حسابات الأكثريات المذهبية وحدها. وأن يقوم على مواطنة متساوية، ومؤسسات اتحادية قوية في المسائل السيادية، وضمانات تمنع تحوّل السلطات الإقليمية إلى ممتلكات خاصة للزعامات المحلية.

الفيدرالية ليست وصفة سحرية، وقد تكون إعادة إنتاج للأزمة إذا صُمّمت بالعقلية التي صنعتها. وأخطر ما يمكن فعله بالفيدرالية هو أن نكلّف مهندسي المحاصصة أنفسهم بإعادة تصميم الدولة، ثم نتفاجأ بأنّهم أضافوا غرفاً جديدة لكلّ طائفة.
لذلك، لا ينبغي أن يكون السؤال كم إقليماً يمكن اقتطاعه من لبنان، بل أيّ نظام يستطيع أن يجمع اللبنانيين من دون أن يشترط عليهم الاتفاق على كلّ شيء، وأن يترك لهم مساحة لإدارة شؤونهم من دون أن يجعل اختلافاتهم سبباً دائماً لتعطيل الدولة.

فإذا كانت الفيدرالية تعني أن يصبح لكلّ طائفة لبنانها الخاص، نكون قد غيّرنا حدود المشكلة لا طبيعتها. أمّا إذا كانت تعني أن يصبح لكلّ لبناني مكان في الدولة لا تحدّده طائفته، فعندها فقط نكون قد بدأنا بمناقشة نظام جديد، لا بإعادة توزيع النظام القديم.
فلبنان لا يحتاج إلى خريطة جديدة يتوزّع عليها اللبنانيون، بل إلى دولة جديدة لا يضطرّون إلى تقاسمها كي يعيشوا فيها.