الرئيس عون في طرابلس: معركة الصورة والدولة
29 Oct 202606:38 AM
الرئيس عون في طرابلس: معركة الصورة والدولة
نداء الوطن

سامر زريق

نداء الوطن
يمكن اختصار زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى طرابلس يوم السبت الماضي بمعركة الصورة والتوظيف السياسي، بين ما أُريد لها، وحملات التصويب والتوظيف المضاد، وما صيّرتها إليه من مسارات لم تكن أصلا على لائحة المستهدفات.

بمعزل عن بعض الرومانسية الممزوجة بالأدبيات السياسية التي طبعت جزءًا من الزيارة الرئاسية، فإن أهدافها تتجاوز فكرة "دولنة" المدينة، التي صورت كثيرًا بأنها متمردة على السياق العام، الذي مضت به الدولة تحت فوهة بندقية "حزب الله"، وهي صورة شديدة التنميط، وتتصل بتأكيد محوريتها ضمن المشهد الجديد الذي لا يزال يرتسم ببطء تحت وطأة التطورات والتحولات الجارية في المنطقة.

لم يسعَ رئيس الجمهورية في أي لحظة إلى زيارة جماهيرية، على خلاف ما جرى تصويره في عديد وسائل الإعلام ومنصات التواصل، ولا سيما تلك المنضوية ضمن ماكينة الممانعة، فضلا عن بعض الأصوات السنية "الصديقة" لـ"الحزب" من تحت الطاولة. فالزيارة كان جدولها معروفًا ومعممًا قبل أيام، ولو أرادها جماهيرية لما صعب تأمين حشد له. ذلك أن الشمال يعد الملعب المفضل للأجهزة الأمنية، التي تتمتع منذ أيام "المكتب الثاني" بمساحة واسعة تجعلها شريكًا مضاربًا في العملية السياسية. وإن كان ثمة ما يستدعي الاستنفار والحشد لفعلت كما تفعل في الاستحقاقات الانتخابية. جل الأمر أن أحدها صمّم جمعًا رمزيًا بقصد "التمريك" على أقرانه ضمن الصراع التقليدي.

كما أن الرئيس جوزاف عون لا يبحث عن جماهير ضمن مسعاه لتقديم نموذج مختلف في الحكم، يعيد من خلاله استحضار رجال الدولة. فهو ما انفك يكرّر في لقاءاته أنه ليس بصدد بناء شعبية من أي نوع، إنما رجل دولة يحاول إعادة بناء دولة محطمة، في رد واضح على كل ما ينسب إليه من ترشيحات وتجمعات سياسية. وهو يدرك تمامًا أن رجل الدولة قد يضطر أحيانًا إلى اتخاذ قرارات صعبة غير شعبية.

وبالتالي، فإن المقارنات التي أقيمت بين صورة استقباله، وتلك العائدة لاستقبال وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في زيارته إلى حاضرة الشمال، في غير مكانها. لكل صورة وظيفة سياسية مختلفة. الشيباني توخّى توجيه رسائل يتصدرها "حزب الله"، ومن خلفه أطراف أخرى، داخلا وخارجًا. وحتى تلك تفجّرت نقاشات على ضفافها، حولّتها إلى مركز استقطاب حول العدد والانتماء الهوياتي، بهدف التشويش على مُرادها الأصلي.

بينما الوظيفة السياسية لصورة زيارة الرئيس جوزاف عون أن تكون الحد الفاصل بين زمنين ودولتين. زمن آفل كان فيه قرار سياسي بتهميش الشمال، والتعامل معه كتهديد استراتيجي من قبل الوصيّ على الدولة. وزمن عتباته في بداياتها، لا يعيد فيه رئيس الجمهورية الدولة إلى شمالها، لأنها حاضرة وفاعلة، إنما يوظف المتغيرات الإقليمية للإفادة من مزاياها، وتعزيز الثقة مع نخبها وناسها، ضمن مسار تراكمي يمنحها مقعد الشراكة في صناعة قرار دولة تطهر نفسها من الوصايات.

هذا الهدف ظهر في كلمات محدّدة انتقاها الرئيس جوزاف عون، وفي مقدمها: "انتهى عهد الإقصاء". والمعنى المضمر أن وقت الشراكة قد حان. وقوله إنه جاء ليضع في صندوق بريد طرابلس رسالة من نوع مغاير لـ"رسائل الماضي المسمومة". كما يمكن ملاحظة أن الأشغال والاقتصاد كانا حجر الزاوية في جولته وأمكنتها المختارة، ولا سيما معرض رشيد كرامي الدولي، ومرفأ طرابلس، وإعلانه من المدينة بالذات انضمام مرفئها وبيروت إلى الممر الاقتصادي (IMEC).

وفي هذا يحسب لرئيس الجمهورية عدم الإسراف في الوعود، بما يعكس إدراكه حجم التعقيدات، حيث لم يحقن الناس بمورفين خطابي، كما اعتاد "الحزب" وبعض أنداده المفترضين من السنّة فعله، من ناحية الإغداق في الوعود وبناء دعاية سياسية كاملة عليها. فهو يعلم أن المسار لا يزال في بداياته، وأن إطلاق المشاريع العملاقة لا يلغي واقع الأزمات المتفاقمة، ولا يغني عن مجهود تراكمي يتصدّره الشق السياسي، ابتدأ بزيارات حكومية متواصلة للرئيس نواف سلام ووزير الأشغال فايز رسامني، ورام الإعلان بنفسه عن انتقاله إلى مرحلة جديدة.