أمل شموني
نداء الوطن
بينما يستعد الأميركيون لانتخابات نصفية مصيرية في 3 تشرين الثاني المقبل، يبقى مصير لبنان معلّقًا ولكن ليس في صناديق الاقتراع. فوفق مسؤول في الخارجية الأميركية لـ"نداء الوطن": "مستقبل لبنان تحدّده أفعال حكومته، أو تقاعسها، في مواجهة "حزب الله" الذي لا تزال ترسانته أخطر ما يهدّد البلاد".
وتشير مصادر أميركية إلى أن الانتخابات قد تغيّر أدوات ضغط واشنطن على بيروت، لكنها لن تبدّل بالضرورة مطلب نزع سلاح "حزب الله". وإذا تجدّدت الحرب مع إيران، فقد يتوقف مصير لبنان على قدرته على منع "الحزب" من فتح جبهة جديدة.
وتضيف المصادر أن لبنان قد لا يملك صوتًا في الانتخابات النصفية المقبلة، لكنه لا شكّ بين البلدان الأكثر تأثّرًا بما يليها. فمع اقتراب موعد الاقتراع، تطرح التقارير عن استعدادات أميركية وإسرائيلية لاحتمال توجيه ضربات جديدة إلى إيران، سؤالا يتجاوز تركيبة الكونغرس المقبل: هل تنجح بيروت في إبقاء لبنان خارج مواجهة إقليمية جديدة، أم يحتفظ "حزب الله" بالقدرة على اتخاذ قرار الحرب نيابة عنها؟
يقول دبلوماسي أميركي: "الاستعدادات العسكرية لا تعني اتخاذ قرار الهجوم، وقد تهدف إلى الضغط الدبلوماسي. المشكلة الأعمق أن حزبًا مرتبطًا بطهران يحتفظ بقوة عسكرية مستقلة تعرّض لبنان لمخاطر لا تملك الحكومة السيطرة عليها".
من هذه الزاوية، قد تكون الانتخابات الأميركية أقل أهمية من السؤال الذي تؤجّله بيروت: هل تريد الدولة السيطرة على قرار الحرب والسلم، وهل تستطيع تحويل هذا الهدف إلى خطوات قابلة للتنفيذ؟
يمكن لنتائج الانتخابات الأميركية أن تغيّر مستوى الرقابة على إدارة واشنطن، وشروط المساعدات، والهامش السياسي المتاح للرئيس ترامب. لكن ذلك لا يعني تغيير السياسة تجاه لبنان. هناك أساس يتجاوز الانقسام الحزبي لهذه السياسة. فقد طُرح في مجلس الشيوخ مشروع يجمع بين دعم المؤسسات الأمنية اللبنانية وفرض عقوبات على الجهات التي تمكّن "الحزب"، مع ربط المساعدة بالتقدّم نحو بسط سلطة الدولة. وهو لا يزال اقتراحًا تشريعيًا، لا تمويلا مضمونًا أو التزامًا نافذًا، لكن دعمه من الحزبين يشير إلى استمرارية محتملة في الاتجاه العام.
وتقول المصادر إن الخلاف المحتمل في واشنطن يتعلّق بما يجب أن يأتي أولا: تقديم الدعم لتمكين الدولة اللبنانية من نزع سلاح "حزب الله"، أم اشتراط تقدّم ملموس في هذا المسار قبل منحها دعمًا إضافيًا؟
لذلك، لا يصحّ اختزال الانتخابات في معادلة مفادها أن فوز حزب يعني الحرب وفوز الآخر يعني التهدئة. كما أن توقيت الاستعدادات العسكرية بعد الاقتراع، إن تأكّد، لا يثبت أن نتائج الاقتراع هي التي ستحدّد قرار الهجوم.
وفي كواليس واشنطن، تعكس قراءات دبلوماسية أميركية رسالة واضحة إلى بيروت: مطالب لبنان تجاه الآخرين مشروعة، لكنها لا تعفيه من تنفيذ التزاماته، ولا تبرّر تعليق خطواته على ما سيفعله الآخرون.
وتحذّر هذه المصادر الدبلوماسية من تآكل الاهتمام الأميركي إذا لم تظهر نتائج لبنانية ملموسة. فواشنطن، برأيها، استثمرت موارد ورصيدًا سياسيًا في دعم الدولة والجيش والسعي إلى انسحاب إسرائيلي يسمح بعودة النازحين. وفي المقابل، تنتظر تقدّمًا في بسط سلطة الدولة خارج الجنوب وإصلاح القطاع المصرفي.
ويقول دبلوماسي أميركي لـ "نداء الوطن" إن هذا لا يعني أن الدعم الأميركي على وشك التوقّف، لكنه لن يكون دعمًا مضمونًا، خصوصًا إذا بدا أن الحكومة تطلب من شركائها خطوات يصعب عليها إظهار ما يقابلها من جانبها. ففي المنظور الأميركي، لا يتعلّق الملف بمجرّد إبعاد الصواريخ عن الحدود الإسرائيلية، بل إنه يتعلّق بإنهاء قدرة "حزب الله" على العمل كقوة عسكرية مستقلة، وبخفض نفوذ إيران داخل القرار اللبناني.
لهذا، تبرز أهمية "تفكيك البنية" التي تسمح لـ "حزب الله" بإعادة إنتاج قوته، لا جمع الأسلحة وحده. من هنا، ترى مصادر أميركية أن "إزالة مخازن أو منصات إطلاق لا توفّر حلا دائمًا إذا بقيت مسارات التهريب والتمويل والمنشآت العسكرية والقيادة المستقلة قادرة على إعادة بناء الترسانة".
بالنسبة إلى واشنطن، ترسانة "حزب الله" هي محور النفوذ الإيراني والمعوّق الأساسي لسلطة الحكومة على السلم والحرب. فإزالة الصواريخ والمتفجّرات تعالج القدرات الفورية، كما أوضح الدبلوماسي الأميركي. "أما منع إعادة التسلّح فيتطلّب تعطيل التمويل غير المشروع".
لغة وزارة الخارجية الأميركية في هذا الملف واضحة. فقد قال متحدث باسم الوزارة لـ "نداء الوطن"، ردًا على كلام أمين عام "حزب الله" الأخير: "نعيم قاسم مجرّد دمية إيرانية. لا يحقّ له أن ينظّر حول السيادة. في النهاية، حتى يتمّ نزع سلاحهم، سيفعل "حزب الله" كل ما يأمرهم به أسيادهم في طهران، وسيدفع الشعب اللبناني الثمن".
هذا التوصيف الحاد يعكس رؤية واشنطن الواضحة لدور "الحزب"، إذ تعكس هذه الرسالة أن "السلاح يبقي جوهر قوة "الحزب" قائمًا وأن الدولة مطالبة بتحمّل مسؤولية أمنها".
وفيما يهيمن شبح حرب جديدة مع إيران، يترقّب العديد من الخبراء والدبلوماسيين الأميركيين كيف ستمنع بيروت انزلاق لبنان فيها. في هذا الإطار، رأت المصادر الأميركية أن تدخّل "حزب الله" السابق عقب اندلاع الصراع بين إيران وإسرائيل أثار ردًا إسرائيليًا هائلا وغزوًا بريًا للبنان، بينما تمكّنت "صيغة الإطار" لاحقًا من توفير مسار للانسحاب ونزع السلاح ولو موقتًا.
وقالت المصادر الأميركية إنه إذا تجنّب "حزب الله" المواجهة المقبلة، فقد يتجنّب لبنان حربًا مدمّرة جديدة. وتحذّر هذه المصادر من أن بيروت قد لا تتمكّن من منع تحرّك "الحزب" إذا أمر الحرس الثوري الإيراني بذلك.
من هنا، تقول هذه المصادر إن لبنان بحاجة إلى استراتيجية حكومية مع جداول زمنية، ومؤسسات مسؤولة، ونتائج قابلة للقياس... لا رسائل متضاربة من مسؤوليه.
من هذا المنطلق، قد تغيّر الانتخابات النصفية اتجاهات السياسة في واشنطن، لكنها لن تعالج هشاشة لبنان الأساسية. لكن ما من شكّ في أن الرسالة الأميركية ستكون واضحة بعد النتائج كما قبلها، ومفادها: للحفاظ على الدعم الأميركي، يجب على لبنان تقديم أكثر من الوعود!