الكلمة وأوراق الغار
31 Oct 202608:34 AM
الكلمة وأوراق الغار

 

حدثني أحد شيوخ الكنيسة عن شابٍ أتى يومًا معترفًا عند كاهنٍ مشهودٍ له بنقاوة القلب واستنارة العقل. وكان هذا الكاهن قد اختار لنفسه صومعةً في الجبل، تحيط بها الأشجار من كل جانب، ولا سيما أشجار الغار التي كانت تملأ المكان برائحتها الطيبة.
وقد أنعم الله على ذلك الأب المعرِّف بمواهب روحية كثيرة، فكان يعرف كيف يقود النفوس إلى التوبة، وكيف يضع الكلمة المناسبة في قلب الإنسان في الوقت المناسب.
حين وصل الشاب إلى الصومعة، وقبل أن يبدأ الأب بسماع اعترافه، طلب منه أمرًا بدا غريبًا بعض الشيء. قال له:
«يا ابني، خذ هذه الكمية من أوراق الغار، وانثرها خارج الصومعة، بحيث تصل إليها أشعة الشمس».
استغرب الشاب الطلب، لكنه أطاع. حمل أوراق الغار ونثرها في الخارج، ثم عاد إلى أبيه الروحي. عندها استمع الكاهن إلى اعترافه، وأعطاه نصائح روحية مباركة، ثم منحه الحلّ من خطاياه.
مرت الأيام، ثم الأسابيع والأشهر، وعاد الشاب مرة أخرى إلى الصومعة نفسها، طالبًا سرّ التوبة والاعتراف عند أبيه الروحي.
وكعادته، وقبل أن يبدأ الشاب بالكلام، طلب منه الشيخ أن يخرج ويجمع أوراق الغار التي كان قد نثرها قبل أشهر، وأن يعيدها إلى الصومعة.
خرج الشاب، وحاول أن يجمع الأوراق المتناثرة هنا وهناك، لكنه عاد بعد وقتٍ قصير ولم يستطع أن يجمع سوى جزء منها.
فقال معتذرًا:
«يا أبي، حاولت أن أجمعها كلها، لكنني لم أستطع. لقد حملت الريح بعضها، وتفرّقت أوراق أخرى بين الأشجار والحجارة، ولم أعد أعرف أين ذهبت».
ابتسم الأب المعرِّف وقال له:
«اسمع يا ابني... هكذا هي الكلمات التي تخرج من فم الإنسان. عندما تخرج، لا يعود بإمكانك أن تجمعها من جديد. قد تعتذر عن كلمة قلتها، وقد تحاول أن تصلح ما أفسدته، لكن الكلمة تكون قد وصلت إلى قلب إنسان، وربما تركت فيه جرحًا لا يُرى».
ثم فتح الأب المعرِّف كتاب المزامير، وقال له: «صُنْ لِسَانَكَ عَنِ الشَّرِّ، وَشَفَتَيْكَ عَنِ التَّكَلُّمِ بِالْغِشِّ» (مزمور 34: 13).
وأوضح له أن اكتساب مخافة الله يبدأ بالابتعاد عن الشر، قولًا وفعلًا. فداود النبي لا يقول فقط: «صن لسانك»، بل يدعونا أيضًا إلى الابتعاد عن الشر؛ لأن الشر يعمي بصيرة الإنسان، فيضعف تمييزه، فلا يعود يرى حضور الله في حياته ولا يصغي إلى صوته في قلبه.
لم يعطنا الله اللسان لكي نجرح به الآخرين، أو نثور ونخاصم، أو نهين ونذلّ بعضنا بعضًا، بل أعطانا إياه لكي نسبّح به الله، ونشكره، ونشجع إخوتنا، وننطق بالكلمات التي تبني النفوس.
ولهذا يقول الرسول بولس:
«لاَ تَخْرُجْ كَلِمَةٌ رَدِيَّةٌ مِنْ أَفْوَاهِكُمْ، بَلْ كُلُّ مَا كَانَ صَالِحًا لِلْبُنْيَانِ، حَسَبَ الْحَاجَةِ، كَيْ يُعْطِيَ نِعْمَةً لِلسَّامِعِينَ» (أفسس 4: 29).
كم هو مؤلم أن نرى أحيانًا أناسًا يخرجون لتوّهم من القداس، وقد اشتركوا في الصلاة ورفعوا أيديهم بالتسبيح، ثم ما إن يخرجوا من باب الكنيسة حتى يبدأوا بكلمات قاسية، أو نميمة، أو إدانة، أو تجريح!
فما قيمة أن يخرج الإنسان من الكنيسة، بينما تخرج الكنيسة من قلبه؟
وقد نُسب إلى القديس يوحنا الذهبي الفم قول جميل:
«هدّئ فكرك أولًا، فإن لم تستطع، فضع حافظًا على لسانك».
وهذا يقودنا إلى نصيحة الرسول يعقوب:
«لِيَكُنْ كُلُّ إِنْسَانٍ مُسْرِعًا فِي الاسْتِمَاعِ، مُبْطِئًا فِي التَّكَلُّمِ، مُبْطِئًا فِي الْغَضَبِ، لأَنَّ غَضَبَ الإِنْسَانِ لاَ يَصْنَعُ بِرَّ اللهِ»
(يعقوب 1: 19-20).
فالإنسان الذي يحسن الاستماع يفهم أكثر، ويعطي نفسه فرصة ليفكر قبل أن يتكلم، ويصلي في قلبه طالبًا من الله أن يرشده إلى ما ينبغي أن يقوله.
أما الذي يتكلم بسرعة، فقد يندم بسرعة أيضًا. وكما نقول في كلامنا اليومي: «لسانه سبق تفكيره».
كم من علاقة انكسرت بسبب كلمة قيلت في لحظة غضب!
وكم من صداقة انتهت بسبب جملة لم يُفكَّر فيها!
وكم من قلبٍ جُرح بكلمة ظنّ قائلها أنها عابرة، بينما بقي صداها في نفس الذي سمعها سنوات طويلة!
لذلك، ليس كل ما يخطر في بالنا يجب أن يخرج من أفواهنا. فالحكمة ليست في أن نقول كل ما نعرف، بل في أن نعرف متى نتكلم، وكيف نتكلم، وماذا نقول، ولمن نقول.
والمسيحي الحقيقي لا يجعل الغضب سيدًا على قلبه، بل يتعلّم أن يكون طويل الأناة، متشبّهًا بأبيه السماوي، لأن «غَضَبَ الإِنْسَانِ لاَ يَصْنَعُ بِرَّ اللهِ».
أما الغضب الذي ينبغي أن نحمله، فهو غضبنا على خطايانا نحن؛ غضبٌ يقود إلى التوبة، لا إلى إدانة الآخرين. أن نحزن على ما يبعدنا عن الله، وأن نثور على ضعفنا، وأن نقف أمام الرب قائلين: «يا رب، أصلح ما فسد فيَّ، ونقِّ قلبي، واحفظ لساني».
فالكلمة قد تكون صلاة، وقد تكون بلسمًا، وقد تكون بابًا إلى السماء... لكنها قد تكون أيضًا سهمًا يجرح قلبًا، أو حجر عثرة يسقط به أخٌ أو أخت.
فلنطلب إذًا من الرب نعمة أن يكون لساننا أداة محبة، لا أداة خصام؛ أداة تعزية، لا أداة تجريح؛ أداة تسبيح، لا أداة إدانة.
ولنتذكر دائمًا أوراق الغار التي نثرتها الريح: ما يخرج من الفم لا يمكن جمعه كما كان.
لذلك، قبل أن تتكلم، توقّف لحظة واسأل نفسك:
هل ما سأقوله حق؟ هل هو ضروري؟ هل يبني؟ هل يعطي نعمة للسامع؟
فإن كان كذلك، فقلْه بمحبة. وإن لم يكن، فليكن الصمت صلاتك.
«اجعل يا رب حارسًا لفمي، وبابًا حصينًا على شفتيَّ» (مزمور 141: 3).
والسبح لله دائمًا، آمين.