د. بولا أبي حنا
نداء الوطن
ليس أصعب على دولة من أن تطالب مواطنيها باحترام القانون وتسديد مستحقاتهم، فيما تعجز مؤسساتها نفسها عن الالتزام بأبسط واجباتها المالية. وهذه المفارقة تحديدًا تعيد إلى الواجهة أزمة الكهرباء في لبنان، بعد قرار مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان، في 23 تشرين الأول، قطع التغذية عن الإدارات والمؤسسات العامة والمصالح المستقلة، بما فيها مصالح المياه، التي تخلّفت عن تسديد مستحقاتها رغم الإنذارات المتكررة، اعتبارًا من صباح أمس، مع استثناء المستشفيات الحكومية.
يبدو القرار، للوهلة الأولى، إجراءً إداريًا لتحصيل أموال مستحقة، لكنه يتجاوز ذلك إلى اختبار أعمق لجدية الدولة في إدارة مرافقها العامة، وفرض قواعد المحاسبة داخل مؤسساتها. فمؤسسة كهرباء لبنان لا تستطيع الاستمرار في تأمين الحد الأدنى من التغذية، ولا تمويل شراء الوقود والصيانة والتشغيل، إذا كانت الجهات التي تستهلك الكهرباء لا تسدد ثمنها. ولا يمكن مطالبة المؤسسة بتحقيق التوازن المالي والاستمرار في تقديم الخدمة، فيما تُترك مستحقاتها لدى مؤسسات الدولة من دون تسوية أو تحصيل.
المسألة، إذًا، ليست مجرد فواتير متأخرة، بل خلل متراكم في مفهوم الإدارة العامة، وفي العلاقة بين المؤسسات التي يفترض أن تعمل ضمن منظومة واحدة. فكيف تراكمت هذه المستحقات إلى هذا الحد؟ ولماذا لم تُعالج في مواعيدها؟ هل يعود الأمر إلى غياب الاعتمادات، أم إلى تأخر الفوترة والتسويات، أم إلى ضعف الرقابة والمحاسبة، أم إلى ثقافة إدارية اعتادت التعامل مع الالتزامات المالية باعتبارها قابلة للتأجيل؟ والأهم: من يتحمل مسؤولية هذا التراكم، ومن سمح باستمراره؟
هنا تحضر المقولة: "دود الخلّ منه وفيه". فالأزمة لا تأتي هذه المرة من خارج القطاع، ولا يمكن ردّها حصرًا إلى الاعتداءات أو الهدر أو الصعوبات المالية التي يعانيها مرفق الكهرباء. جزء أساسي من المشكلة يكمن داخل الدولة نفسها، في مؤسسات تستهلك الخدمة ولا تسدد مقابلها، وفي إدارات لا تتعامل مع الالتزامات المالية بالجدية المطلوبة.
ولنقلب الأدوار قليلا: هل تقبل أي وزارة أن تتجاهل مؤسسة تابعة لها قراراتها وتوجيهاتها، ولا سيما إذا كان هذا الامتناع يؤدي إلى تعطيل مرفق عام والإضرار بمصالح المواطنين؟ فلماذا يُفترض أن يكون الأمر مختلفًا عندما يتعلق الأمر بالتزامات المؤسسات العامة تجاه مؤسسة كهرباء لبنان؟ إن منطق الدولة لا يقوم على تفاوت الالتزامات بين مؤسساتها، ولا على انتقاء القرارات التي ينبغي تنفيذها وتلك التي يمكن تأجيلها. فالقرار الإداري ليس توصية اختيارية، والالتزام المالي ليس مسألة خاضعة للمزاج أو التقدير السياسي، بل إن احترام القرارات وتنفيذ الالتزامات هو ما يجعل المؤسسات تعمل ضمن منظومة واحدة، لا كجزر منفصلة تتبادل المسؤوليات فيما بينها.
من هنا، لا بد من التمييز بين الاعتراض على قطع الكهرباء عن مرفق عام، وبين رفض مبدأ المحاسبة. فالتداعيات المحتملة على مصالح المواطنين، ولا سيما في المرافق الحيوية ومصالح المياه، تستدعي معالجة مسؤولة تضمن عدم تحميل الناس ثمن تقاعس الإدارات. لكن حماية المصلحة العامة لا تعني إعفاء المؤسسات المتخلّفة من واجباتها، بل تفرض وضع آلية واضحة للسداد، وجدولة المستحقات عند الضرورة، وتأمين الاعتمادات اللازمة، مع تحديد المسؤوليات ومواعيد التنفيذ. أما الاستثناءات، فينبغي أن تستند إلى اعتبارات موضوعية تتصل باستمرارية الخدمات الأساسية، لا إلى اعتبارات النفوذ أو التسويات السياسية.
إن استدامة قطاع الكهرباء لا تتحقق بقرار تحصيل عابر، ولا بمجرد إعلان أرقام الديون، بل ببناء نظام مالي وإداري يضمن أن تدفع كل جهة ما يترتب عليها، وأن تُحصّل الإيرادات بانتظام، وأن تُنفق وفق أولويات واضحة وخاضعة للرقابة. فالمؤسسة التي لا تستوفي فواتيرها لا تستطيع التخطيط، والدولة التي لا تضبط التزامات إداراتها لا تستطيع إصلاح قطاعها.
وفي هذا السياق، يُحسب لوزير الطاقة جو صدي أنه يدفع باتجاه إخضاع المؤسسات العامة لقواعد السداد والمحاسبة، وأن يتعامل مع إيرادات المؤسسة باعتبارها شرطًا لاستمرارها، لا موردًا يمكن التغاضي عن تحصيله. غير أن قيمة هذا التوجه لن تُقاس بالمواقف والتصريحات وحدها، بل بقدرته على إحداث تغيير فعلي في آلية التعامل مع مستحقات المؤسسة، وبمدى استمرار تطبيق القرار بعيداً عن الضغوط والاستثناءات.
ويبقى السؤال الأهم: هل يُنفّذ قرار القطع، أم يتكرر ما شهدناه سابقًا من إنذارات ومهل إضافية وتراجعات؟ فأشارت تقارير إلى أن المؤسسة سبق أن لوّحت بإجراءات مماثلة قبل أن تلين موقفها. لذلك، فإن الاختبار الحقيقي لا يكمن في صدور القرار، بل في احترامه وتنفيذه، وفي قدرة الدولة على تحويله إلى قاعدة إدارية ثابتة لا إلى تهديد مؤقت ينتهي بتسوية جديدة.
ليس المطلوب التصفيق لوزير أو تسجيل نقطة سياسية لمصلحة جهة على حساب أخرى. المطلوب أن تصبح المحاسبة قاعدة تحكم عمل الدولة، وأن تتوقف المؤسسات عن التعامل مع المال العام والالتزامات المالية وكأنها شأن ثانوي. فلا يمكن للدولة أن تكون صارمة في مطالبة المواطن بتسديد فاتورته، ومتساهلة مع مؤسساتها حين تمتنع عن الدفع. ولا يمكن بناء قطاع كهرباء قابل للاستمرار فيما الدولة نفسها لا تحترم قواعده.
فالدولة التي لا تُلزم مؤسساتها بتسديد فواتيرها، كيف تقنع مواطنيها بأن القانون يُطبّق على الجميع؟
يبدو القرار، للوهلة الأولى، إجراءً إداريًا لتحصيل أموال مستحقة، لكنه يتجاوز ذلك إلى اختبار أعمق لجدية الدولة في إدارة مرافقها العامة، وفرض قواعد المحاسبة داخل مؤسساتها. فمؤسسة كهرباء لبنان لا تستطيع الاستمرار في تأمين الحد الأدنى من التغذية، ولا تمويل شراء الوقود والصيانة والتشغيل، إذا كانت الجهات التي تستهلك الكهرباء لا تسدد ثمنها. ولا يمكن مطالبة المؤسسة بتحقيق التوازن المالي والاستمرار في تقديم الخدمة، فيما تُترك مستحقاتها لدى مؤسسات الدولة من دون تسوية أو تحصيل.
المسألة، إذًا، ليست مجرد فواتير متأخرة، بل خلل متراكم في مفهوم الإدارة العامة، وفي العلاقة بين المؤسسات التي يفترض أن تعمل ضمن منظومة واحدة. فكيف تراكمت هذه المستحقات إلى هذا الحد؟ ولماذا لم تُعالج في مواعيدها؟ هل يعود الأمر إلى غياب الاعتمادات، أم إلى تأخر الفوترة والتسويات، أم إلى ضعف الرقابة والمحاسبة، أم إلى ثقافة إدارية اعتادت التعامل مع الالتزامات المالية باعتبارها قابلة للتأجيل؟ والأهم: من يتحمل مسؤولية هذا التراكم، ومن سمح باستمراره؟
هنا تحضر المقولة: "دود الخلّ منه وفيه". فالأزمة لا تأتي هذه المرة من خارج القطاع، ولا يمكن ردّها حصرًا إلى الاعتداءات أو الهدر أو الصعوبات المالية التي يعانيها مرفق الكهرباء. جزء أساسي من المشكلة يكمن داخل الدولة نفسها، في مؤسسات تستهلك الخدمة ولا تسدد مقابلها، وفي إدارات لا تتعامل مع الالتزامات المالية بالجدية المطلوبة.
ولنقلب الأدوار قليلا: هل تقبل أي وزارة أن تتجاهل مؤسسة تابعة لها قراراتها وتوجيهاتها، ولا سيما إذا كان هذا الامتناع يؤدي إلى تعطيل مرفق عام والإضرار بمصالح المواطنين؟ فلماذا يُفترض أن يكون الأمر مختلفًا عندما يتعلق الأمر بالتزامات المؤسسات العامة تجاه مؤسسة كهرباء لبنان؟ إن منطق الدولة لا يقوم على تفاوت الالتزامات بين مؤسساتها، ولا على انتقاء القرارات التي ينبغي تنفيذها وتلك التي يمكن تأجيلها. فالقرار الإداري ليس توصية اختيارية، والالتزام المالي ليس مسألة خاضعة للمزاج أو التقدير السياسي، بل إن احترام القرارات وتنفيذ الالتزامات هو ما يجعل المؤسسات تعمل ضمن منظومة واحدة، لا كجزر منفصلة تتبادل المسؤوليات فيما بينها.
من هنا، لا بد من التمييز بين الاعتراض على قطع الكهرباء عن مرفق عام، وبين رفض مبدأ المحاسبة. فالتداعيات المحتملة على مصالح المواطنين، ولا سيما في المرافق الحيوية ومصالح المياه، تستدعي معالجة مسؤولة تضمن عدم تحميل الناس ثمن تقاعس الإدارات. لكن حماية المصلحة العامة لا تعني إعفاء المؤسسات المتخلّفة من واجباتها، بل تفرض وضع آلية واضحة للسداد، وجدولة المستحقات عند الضرورة، وتأمين الاعتمادات اللازمة، مع تحديد المسؤوليات ومواعيد التنفيذ. أما الاستثناءات، فينبغي أن تستند إلى اعتبارات موضوعية تتصل باستمرارية الخدمات الأساسية، لا إلى اعتبارات النفوذ أو التسويات السياسية.
إن استدامة قطاع الكهرباء لا تتحقق بقرار تحصيل عابر، ولا بمجرد إعلان أرقام الديون، بل ببناء نظام مالي وإداري يضمن أن تدفع كل جهة ما يترتب عليها، وأن تُحصّل الإيرادات بانتظام، وأن تُنفق وفق أولويات واضحة وخاضعة للرقابة. فالمؤسسة التي لا تستوفي فواتيرها لا تستطيع التخطيط، والدولة التي لا تضبط التزامات إداراتها لا تستطيع إصلاح قطاعها.
وفي هذا السياق، يُحسب لوزير الطاقة جو صدي أنه يدفع باتجاه إخضاع المؤسسات العامة لقواعد السداد والمحاسبة، وأن يتعامل مع إيرادات المؤسسة باعتبارها شرطًا لاستمرارها، لا موردًا يمكن التغاضي عن تحصيله. غير أن قيمة هذا التوجه لن تُقاس بالمواقف والتصريحات وحدها، بل بقدرته على إحداث تغيير فعلي في آلية التعامل مع مستحقات المؤسسة، وبمدى استمرار تطبيق القرار بعيداً عن الضغوط والاستثناءات.
ويبقى السؤال الأهم: هل يُنفّذ قرار القطع، أم يتكرر ما شهدناه سابقًا من إنذارات ومهل إضافية وتراجعات؟ فأشارت تقارير إلى أن المؤسسة سبق أن لوّحت بإجراءات مماثلة قبل أن تلين موقفها. لذلك، فإن الاختبار الحقيقي لا يكمن في صدور القرار، بل في احترامه وتنفيذه، وفي قدرة الدولة على تحويله إلى قاعدة إدارية ثابتة لا إلى تهديد مؤقت ينتهي بتسوية جديدة.
ليس المطلوب التصفيق لوزير أو تسجيل نقطة سياسية لمصلحة جهة على حساب أخرى. المطلوب أن تصبح المحاسبة قاعدة تحكم عمل الدولة، وأن تتوقف المؤسسات عن التعامل مع المال العام والالتزامات المالية وكأنها شأن ثانوي. فلا يمكن للدولة أن تكون صارمة في مطالبة المواطن بتسديد فاتورته، ومتساهلة مع مؤسساتها حين تمتنع عن الدفع. ولا يمكن بناء قطاع كهرباء قابل للاستمرار فيما الدولة نفسها لا تحترم قواعده.
فالدولة التي لا تُلزم مؤسساتها بتسديد فواتيرها، كيف تقنع مواطنيها بأن القانون يُطبّق على الجميع؟