إفادات بروفيه وترمينال مزوّرة وكرامي تعاقب كاشفي الفساد!
04 Nov 202606:58 AM

إفادات بروفيه وترمينال مزوّرة وكرامي تعاقب كاشفي الفساد!

منذ عام، كشفت "نداء الوطن" فضيحة عدم طباعة سجلّات الامتحانات الرسميّة ورقيًّا لأربعة أعوام متتالية، بمقال بعنوان "ماضي أمل شعبان يطاردها في وزارة التربية"، ملمّحة إلى خطر حصول خطأ في البيانات الرقمية طيلة تلك الأعوام لأكثر من 400 ألف طالب. وما تمهّلنا بكشفه في حينه، هو أن الخطأ البشري حصل بالفعل، ولم يكن "خطأ" إنما تلاعبًا بالبيانات، لأكثر من 40 حالة لطلاب، تم تغيير بياناتهم بمعنى التزوير، ما نتج عنه إعطاء إفادات بروفيه وثانوية عامة في سنوات إعطاء الإفادات، لراسبين في الطلبات الحرة، لم يتم شملهم بالإفادات!

وكافأت وزيرة التربية ريما كرامي، الرئيسة السابقة لدائرة الامتحانات الرسمية، أمل شعبان، على ماضيها في وزارة التربية من فضيحة معادلات العراقيين إلى فضيحة سجلّ الامتحانات الرسمية، فجعلتها "أمينة سرّها"، وصولا إلى تعيينها رئيسة منطقة تربوية في عكار مؤخرًا، كتكريس لـ "دويلة" تيار المستقبل في وزارة التربية.

وبينما كانت كرامي تقول في إحدى مقابلاتها بأنّ "معظم الموظفين في وزارة التربية ولاؤهم للأحزاب"، كانت بدورها تعاقب موظفين ولاؤهم لدولة المؤسسات، وعلى رأسهم رئيس دائرة الامتحانات الرسمية، ربيع اللبان.

ونكشف في هذا التحقيق كيف حصل تزوير بيانات سجلّ الامتحانات الرسمية، وكيف "كافأت" ريما كرامي رئيس دائرة الامتحانات الرسمية ربيع اللبان، وعدّة موظفين في الإدارة على عدم سيرهم في حفلة التزوير، ورفضهم استمرار امتداد دويلة أمل شعبان في دائرة الامتحانات الرسمية، بإعفائهم من مهامهم ونقلهم!

"نداء الوطن" تكشف فضيحة سجلّ الامتحانات!

وكشفت "نداء الوطن"، العام الماضي، فضيحة عدم طباعة سجلّات الامتحانات الرسمية للأعوام 2020-2021-2022-2023. وحصلت في حينه على كتاب رفع فيه رئيس دائرة الامتحانات الرسمية في حينه، ربيع اللبان، المسؤولية "عن أي إجراء تمّ اتخاذه لتعديل أي معلومة في هذه السجلّات باستثناء الموافقات الصادرة عن وزير التربية".

بمعنى آخر، فإن داتا الامتحانات الرسمية لقرابة 400 ألف تلميذ لبناني، حُفِظت حتى العام 2025 فقط "إلكترونيًّا" لدى وحدة المعلوماتية في الوزارة، وكانت أي إضافة أو تحديث عليها تفتح الباب للتزوير ضمن شبكات سمسرة تشبه شبكة سمسرة معادلات الطلّاب العراقيين، وسط غياب فاضح لنسخ ورقية تكون مرجعًا للتوثيق.

هكذا حرصت أمل شعبان على عدم طباعة سجلّات امتحانات 4 أعوام متتالية، فيما سلك أرشيف امتحانات العامين 2024 و2025 مساره الطبيعي للطباعة عندما كان اللبان رئيسًا للدائرة دون أي عقبات.

تلاعب بالبيانات... فإصدار "إفادات رسمية"!

"نداء الوطن" في حينه تمهّلت بكشف المستور، ووضعت شبكات سمسرة الشهادات والإفادات والتزوير والخطأ البشري كـ "احتمالات"، فيما كان التفتيش التربوي يفتح تحقيقًا بعدّة حالات اكتُشفت بعد كفّ يد أمل شعبان عن دائرة الامتحانات الرسمية.

وفي هذا التحقيق، نكشف أنه بالفعل هناك أشخاص نالوا إفادات، بعدما وُضعت بيانات مزدوجة لهم في العام الواحد على سجلّ الشهادات الرسمية: شهادات غير مزوّرة ورقيًّا، بمعنى أنها صادرة فعلا عن وزارة التربية، لكنها ناتجة عن تلاعب في البيانات، يُسقط مشروعيتها!

إحدى البيانات المزدوجة هي للمرشح م. ظ: الإفادة الأولى تفيد بأنه ترشّح ولم يشترك في الامتحانات. الإفادة الثانية تفيد بأنه أنهى الصف الثانوي الثالث، واعتباره تلميذًا نظاميًّا معفى من الامتحانات الرسمية بسبب إلغائها، فحصل في دورة العام 2020 الخاصة على إفادة نجاح كطالب قدّم طلبه عبر المدرسة، لا عبر الطلب الحرّ وفق الإفادة الأولى! وهذه عيّنة واحدة، من أصل عدد كبير من العيّنات المشابهة!

40 حالة... على الأقل!

أثناء عمله في دائرة الامتحانات في المديرية العامة للتربية منذ العام 2024 ولغاية نهاية العام 2025، تبيّن لربيع اللبان عدم طباعة سجلّات نتائج الامتحانات الرسمية للشهادة المتوسطة وشهادة الثانوية العامة منذ العام 2020 ولغاية العام 2023 ضمنًا، وبدأ بطلبها عبر مراسلات لرفع مسؤوليته عن أي إضافة أو تعديل.

فعدم طباعتها يعني عدم توثيق النتائج والاكتفاء بوجودها لدى خوادم وحدة المعلوماتية، مع الإشارة إلى أن العاملين في وحدة المعلوماتية وحدهم من يمكنهم الوصول والتحكّم وإدارة وتعديل جميع البيانات الإلكترونية الخاصة بالوحدات الإدارية التابعة لوزارة التربية والتعليم العالي، ولا يوجد أي نظام إلكتروني يثبت أو يوثّق حصول أي تعديل أو إضافة على البيانات الإلكترونية، حيث يمكن للعاملين في الوحدات الإدارية الاطّلاع على هذه البيانات وإصدار الإفادات والوثائق دون اكتشاف أي تعديل أو إضافة!

بدأ عمل ربيع اللبان يزعج أمل شعبان، بعد اكتشافه والأستاذة كاتيا بلوط، التي كان من مهامها في الدائرة طباعة إفادات البدل عن ضائع للشهادة المتوسطة والثانوية العامة، وجود أكثر من 40 حالة، أُعطيت فيها الإفادات المستحقّة لتلامذة المدارس والثانويات الرسمية والخاصة عندما تمّ إلغاء كامل الامتحانات الرسمية للعام 2020 وامتحانات الشهادة المتوسطة للعام 2021، لمرشحين شاركوا خلال العامين 2020 و2021 في الدورات الخاصة للامتحانات الرسمية كمرشحين أحرار ولم يتمكّنوا من النجاح، وذلك بعد إدراج أسمائهم في لوائح التلامذة المسجّلين في المدارس والثانويات. (أي كحالة م. ظ المفصّلة أعلاه).

إذ بعد استلام سجلّات الامتحانات الرسمية لطباعتها، تمّت مقارنة أرقام الترشيح مع الأرقام الواردة في أحد الملفات الإلكترونية الموجودة في دائرة الامتحانات للعامين 2020 و2021، وتبيّن وجود حالات استبدال أرقام مرشحين وحذف أسماء، وانقطاع تسلسل، بالإضافة إلى وجود عدد كبير من المرشحين الذين تخطّوا السنّ القانونية للصفّ بعدد كبير من الأعوام.

خلال تدقيق الموظفة كاتيا بلوط بملفّ توزيع المرشحين، تبيّن وجود خلل جسيم في برنامج التوزيع يتيح إعطاء مقعد واحد لمرشحين، وإعطاء مقعدين لمرشح واحد، وعدم توزيع أحد المرشحين مع إصدار تقرير يفيد بتوزيع المرشحين كافّة.

وهذا غيض من فيض ما "اكتُشف" بعد إزاحة أمل شعبان عن دائرة الامتحانات الرسمية، فمثّل وجود موظفين انتماؤهم للنزاهة والكفاءة، خطرًا على ماضي أمل شعبان في دائرة الامتحانات الرسمية!

كشف الهدر بملايين الدولارات

"نداء الوطن"، في مقال سابق أيضًا، بعنوان "هل تُلغى الامتحانات الرسمية"؟، كانت قد كشفت بأنّ أحد أبرز أهداف الإصرار على إجراء الامتحانات، هو خشية عدم صرف المنح المالية التي تُخصّص لإجرائها. فتاريخيًّا، لطالما كانت هذه المنح مزراب هدر، فحسبة "التعويضات" التي تقدّمها الوزارة للجهات المانحة بلغت عام 2023، في مرحلة أولى، أكثر من مليون ونصف مليون دولار، ما استدعى العمل على تخفيض المبالغ حينها، لضمان موافقة اليونيسف على تأمين المبلغ كاملا وعدم رفض تغطيته.

في جديد المعلومات، أنه بعد مقارنة قيمة تعويضات الامتحانات الرسمية المحتسبة للعامين 2023 و2024، تبيّن أن مجموع التعويضات المدفوعة من موازنة الوزارة والمحتسبة لدفعها من الجهات المانحة في العام 2023، فاق تعويضات العام 2024 بحوالى 44 مليار ليرة لبنانية، رغم إجراء دورة خاصة للشهادة المتوسطة وزيادة عدد المواد وأيام المراقبة في العام 2024.

ويبدو أن عدم هدر رئيس دائرة الامتحانات المكلّف بعد أمل شعبان، جاء ليخدم الترشيد المالي في الدولة، لا "دويلة" الهدر لصالح دويلات الفساد، ما أزعج أيضًا أمل شعبان، فاتّبعت استراتيجية محاولة السيطرة على دائرة الامتحانات الرسمية، حتى دون تكليفها قانونًا!

أمل شعبان: محاولة السيطرة على الدائرة!

منذ تكليف أمل شعبان بمهام متابعة شؤون تربوية لصالح مكتب الوزيرة ريما كرامي، بالتنسيق مع المستشار فهمي كرامي، تمّ الطلب من ربيع اللبان الموافقة على تكليف شعبان وفريق عملها السابق للمشاركة في الأعمال الإدارية والتحضيرية للامتحانات الرسمية للعام 2025، أي أن شعبان رفضت الخروج من دائرة الامتحانات الرسمية، وقرّرت العودة "من الشباك"، بعد خروجها من الباب!

وإليكم نماذج عن فريق عملها، الذي أرادت تكليفه: أحدهم مقرّر مادة الكيمياء لامتحانات عام 2024، أو بطل فضيحة المماطلة والتأخّر بتسليم مسابقة اليوم الأول من الامتحانات، والذي كاد أن يتسبّب بإلغائها لولا قيام الدائرة بتدارك الأمر.

شخص آخر في الفريق الذي رفضه اللبان، هو أحد المتعاقدين الذي سبق له وعبث بتحضير ما يُسمّى بـ"الأرقام الوهمية للمسابقات" في العام 2024 وأوقفه الوزير عباس الحلبي عن العمل.

أما الشخص الثالث الذي "انتقته" شعبان "عالطبلية" فهو متعاقد، قام بتطويف دائرة الامتحانات بالمياه وكاد أن يتسبّب بتعطيل آلات السحب والإضرار بشبكة الكهرباء، وتمّ نقله من الدائرة لهذا السبب.

وعندما رفض اللبان اقتراحهم للمشاركة لعدم قناعته بذلك، وطلبه من المدير العام للتربية تكليفهم دون اقتراحه في حال كان مصرًّا على ذلك، بدأت عملية تحريض عدد من موظفي دائرة الامتحانات الرسمية السابقين والحاليين للتقدّم بشكاوى كيدية إلى كلّ من التفتيش ومكتب الوزيرة والمدير العام للتربية بحقّ اللبان وبلوط، وبعد تحقيق موسّع قامت به المفتشية الإدارية، خلصت إلى تقرير يفيد بأن عددًا من موظفي الدائرة يستجيبون لتدخّلات من خارج دائرة الامتحانات الرسمية بهدف تعكير أجواء العمل فيها.

هذا وتمّ التحقيق مع اللبان بشكاوى كانت تقدّمت إلى مكتب الوزيرة أو التفتيش بمواضيع عدّة، وثبت أنها مجرّد افتراءات وادّعاءات لا أساس لها.

كما تمّ تحريض عدد من الموظفين للدخول إلى الدائرة ومحاولة إثارة المشاكل، ومضايقة أي موظف يعمل بمهنية ولم يتجاوب مع التحريض الذي تمّت ممارسته على الموظفين.

ريما كرامي تحاسب الكفاءة...

وبعدما تبيّن وجود إفادة ثانوية عامة غير مطابقة للقيود، تمّ الاستناد إليها لمصادقة ومعادلة شهادات جامعية لصاحبة العلاقة، وتناول الفضيحة عبر برنامج "باسم الشعب" على قناة MTV، تمّ فتح تحقيق مع ربيع اللبان بعد إحالته هذه الحالة عند اكتشافها بحجّة تسريب الخبر، ولم تتمّ محاسبة أيّ من الذين صادقوا وعادلوا الشهادات الجامعية، لتُختتم مجموعة الإجراءات الكيدية بإعفائه من مهامه ونقله والأستاذة كاتيا بلوط، بالإضافة إلى كلّ من تعاون معهما لإنجاز الامتحانات الرسمية كالأستاذ محمد مطر، دارس منطقتي بيروت والشوف في مديرية التعليم الثانوي، الذي تمّ نقله من المديرية إلى ثانوية رسمية. علمًا أن كرامي نفسها في مقابلة تلفزيونية، لم تجد أي مبرّر لنقل اللبان وبلوط ومطر!

هل ينصف الرئيس سلام "الكفاءة البيروتية"؟

في وقت "صرع" بعض النواب في بيروت رأس أهلها بأهمية التعيينات للبيارتة، لم يجد ربيع اللبان، المعفى من منصبه كرئيس لدائرة الامتحانات الرسمية، نائبًا يدافع عن كفاءته لا كبيروتي ولا كموظف لا حزب له، ذنبه أن انتماءه كان للإدارة اللبنانية، لا دويلة أمل شعبان. شأنه شأن محمد مطر، دارس منطقة بيروت، الذي اتُّخذ قرار نقله، دون معرفة رئيسه خالد فايد، وكلّ ذنبه أنه ناصر الحقّ ورفض المظلومية، وكذلك لم تجد كاتيا بلوط أحدًا يدافع عنها، لأن ذنبها أنها قامت بواجبها تجاه الدولة والمواطنين على أكمل وجه!

ومثّل كلّ من ربيع اللبان وكاتيا بلوط ومحمد مطر، نموذج الكفاءة التي لا تُباع في مؤسسات الدولة، فكان ولاؤهم لدولة المؤسسات والشعب اللبناني، فدفعوا الثمن غاليًا.

فهل من ينصف الكفاءة في الدولة؟ علمًا بأننا نضع هذا الملفّ بعهدة الرئيس نواف سلام، الذي يبدو أن أحدًا من الدوائر القريبة منه، الناطقين باسم "حقوق البيارتة"، لم يخبروه عن أن بيروتيًّا كفوءًا تمّت إقالته من دائرة الامتحانات الرسمية، لأن انتماءه للدولة اللبنانية، وليس لدويلة تيار المستقبل الممثّلة في وزارة التربية بأمل شعبان!