فانس "حبيبي"
05 Nov 202611:35 AM

فانس "حبيبي"

الديمقراطيون لم يفوزوا لأنهم اجتهدوا واستحقوا، ولا لأن برنامجهم أبهر الأميركيين أو جاء بحلول لمشكلاتهم. فازوا في هذا التسونامي لأن الجمهوريين فشلوا، ولأن الإدارة فشلت.

في ليلة الانتخابات، وقف عبد السيّد، أول مسلم ينتخب لمجلس الشيوخ في تاريخ أميركا عن ولاية ميشيغن وهو ابن مهاجرين مصريين، وقال في خطاب فوزه: "جاي دي، حبيبي، هناك مفارقة لذيذة في أنك ملزم دستورياً بأن تؤدي لي اليمين في يناير". وأضاف: "الليلة يمكن أن يتحول إن شاء الله إلى الحمد لله".

مشهد صغير، لكنه عيّنة من وجوه تدخل مجلس الشيوخ للمرة الأولى، ومعها وجوه أخرى لا تخفي أنها لا تتبنى الثقافة الأميركية، بل تريد أن تنقل إليها شيئاً من الأماكن التي جاءت منها أو هربت منها. لكن هذا خيار الناخبين، وهذه لعبة الديمقراطية، وعلى الجميع أن يقبلها وأن يتعامل معها.

من فاز إذاً؟ الديمقراطيون سيطروا على مجلسي الشيوخ والنواب. قلبوا كانساس، الولاية التي لم تنتخب سيناتوراً ديمقراطياً منذ ثلاثينيات القرن الماضي، فهزم آدم هاميلتون روجر مارشال. وفي تكساس، المعقل الجمهوري التاريخي، هزم جيمس تاليريكو كين باكستون. وسقطت معاقل في أيوا وماين وأوهايو ونورث كارولاينا. وفي وصف السيناتور الجمهوري تيد كروز، لم يكن ما جرى موجة زرقاء فحسب، بل "تسونامي"، ورفضاً بحجم "ووترغيت".

والسبب أن الأميركيين صوّتوا من الغضب. لا من الانجذاب لحزب ولا من القناعة ببرنامج. وكلفة المعيشة هي أصل هذا الغضب. البنزين تجاوز أربعة دولارات للغالون، أي ارتفع نحو ثلث ما كان عليه قبل عام. والديزل قارب ستة دولارات وثلثاً. والتضخم 3.7%، والطاقة وحدها ارتفعت أكثر من 20%. والرسوم الجمركية رفعت الأسعار، وحرب إيران طالت وزادت الفاتورة.

وفي كانساس، أظهر استطلاع لدى الخروج من مراكز الاقتراع، أن كلفة المعيشة والطاقة والبقالة كانت القضية الأولى لنحو 30% من الناخبين، ثم الفساد بنحو 18%، ثم كلفة حرب إيران بنحو 10%. ويذهب كروز إلى أن الأرقام الكبرى، من الأسهم القياسية إلى الدخل، لا تقول القصة كلها: فنحو 29% من الأميركيين لجأوا هذا العام إلى "اشترِ الآن وادفع لاحقاً" لشراء البقالة، وهي نسبة تضاعفت في عامين، وأكثر من 75 مليون عملية تبرع بالبلازما مدفوعة الأجر في 2026 رقماً قياسياً، وارتفعت فاتورة الكهرباء نحو 30% في خمس سنوات. اقتصاد يزداد في ظله الأغنياء غنى، ويزيد فقر الفقير فقراً.

الحقيقة ان الجمهوريين فقدوا فئات كانت قاعدتهم: العمال، والإنجيليين، والمزارعين وأصحاب المزارع، والشباب، واللاتينيين. أي أن الفشل لم يكن عند الخصم، بل في البيت. ففي تكساس، لم يكن للولاية حاكم ديمقراطي منذ 1994 ولا سيناتور ديمقراطي منذ 1993، وها هي تتلون بالازرق. وحتى إنجازات الجمهوريين التشريعية، من "حسابات ترامب" للأطفال إلى الائتمان الضريبي لحرية اختيار المدرسة، لم يعرف بها الناخبون، فلم تنفعهم.

ولا يعني ذلك أن الديمقراطيين على طريق من حرير. من ينتصر بغضب الناس لا بمشروع، يخسر بالغضب نفسه.

الانتخابات الاميركية مسألة داخلية تعني الناخب الاميركي لكن أميركا قائدة العالم، وتداعيات ما يقرره الناخب في ميشيغن وكانساس وتكساس تؤثر على الجميع، أينما كانوا، من أسعار الطاقة إلى الحروب والعقوبات والتحالفات. والله يستر.

وهنا يبقى الجواب لعبد السيّد: لا، يا حبيبي. نعم، انتُخبت سيناتوراً، لكن ليس بفضل سحرك. انتُخبت لأنك محظوظ بما يكفي: لأن الجمهوريين وترامب خذلوا قاعدتهم.

ويبقى الأمل أن تتعافى أميركا قبل انتخابات 2028، وأن تدرك أن فتح الباب أمام اليسار الراديكالي والليبرالية مت دون حدود والإسلاميين سيغيّر وجهها إلى الأبد كما تغيّر وجه أوروبا قبلها. والثقة قائمة بأنها ستستفيق.