24 May 201309:11 AM
عملية جراحية ناجحة داخل "14 آذار"

اسعد بشارة

الجمهورية

يُخطئ من يعتقد أنّ جذور القانون الأرثوذكسي تعود للعام 2011. ربما يمكن التحدث عن العام 1992 تاريخ إجراء الانتخابات الأكثر تزويراً منذ العام 1948، حيث سها عن بال الميثاقيّين الجدد أنّ تلك الانتخابات، أخرجت المكوّن المسيحي وجزءاً كبيراً من المكوّن السنّي من المعادلة، ليعود المكوّن الثاني ويدخل المعادلة من بوابة الرئيس رفيق الحريري، الذي حاول منذ العام 1990 تصحيح ما يمكن تصحيحه تحت سقف الوصاية وفشل، وكانت النتيجة اغتياله في العام 2005.

  

إستعاد المسيحيّون بقدرة قرنة شهوان حضورهم الوطني، وعادوا مع العائدين في العام 2005، وخرجوا من السجن، لكنّ سجنهم الكبير الذي طال أكثر من 15 عاماً، حجَب عنهم كل ما حقّقوه من نتائج مذهلة بزوال الوصاية.

 

بعد الاحتشاد المليوني في "14 آذار"، وُلد التحالف الرباعي من رحم الأمر الواقع. سار الجميع في معادلة الانتخابات الآن بالتوافق مع "حزب الله"، وباستبعاد مقنّع للنظام السوري المنسحب من لبنان، وجعلوا من هذه المعادلة أولوية لا خيار آخر فيها، تجنّباً للفراغ والتعطيل.

 

فماذا كانت ردة فعل المسيحيين؟

 

بالمقارنة بين سلّة غنية من المكاسب حصلوا عليها لا تبدأ بانسحاب جيش النظام ولا تنتهي بالالتقاء مع المسلمين في عامية تأسيسية تاريخية للبنانهم الموعود، وتمرّ بعودة المنفيّين وإطلاق السجناء، والمشاركة الفاعلة في صنع القرار، فضّل المسيحيون تلبية نداء العماد ميشال عون الى شعار التمثيل النصفي، وعلى رغم أحقية هذا المطلب بالمبدأ، واستحالة تلبيته فوراً، أي بعد أسابيع من الانسحاب السوري، لقيت نظرية الحقوق المسيحية تجاوباً من 70 في المئة من الناخبين، فكوفئ العماد عون الآتي الى بيروت باتفاق مع النظام السوري، وأسقطت كل الشخصيات المسيحية بتهمة خيانة التمثيل المسيحي، ومن هؤلاء رموز قرنة شهوان الذين عبّدوا الطريق أمام الاستقلال الثاني، بين بكركي والمختارة ويسوع الملك وقريطم.

 

ومن المفارقات التي لا يعترف بها معظم هؤلاء أنّ من أسقطهم في الصناديق كانت هي الأصوات نفسها التي صدحت في ساحة الشهداء يوم "14 آذار".

 

العنوان البراق

 

ما أشبه ما كان سيحصل اليوم بالأمس غير القريب. إقترب قانون الانتخاب من قوى "14 آذار" وهي تغطي رأسها في رمال التمثيل المسيحي. العنوان البراق الذي يختزل كل نضال المسيحيين وطموحهم بوطن الشراكة والنموذج والرسالة، أصبح حقيقة سياسية، لا تنفع مداواتها بالمسكنات، ولا بالهروب من تكرار مأساة الصناديق سنة 2013، التي كان يفترض أن تعطي مسيحيّي "14 آذار" انتصاراً واضحاً.

 

فإذا بهذه الحقيقة السياسية تطل برأسها مجدداً، وتطرح تحدياً من نوع آخر: المسكنات لم تعد صالحة للعلاج، والحل يكمن في إجراء عملية جراحية داخل "14 آذار"، ولو رتّب ذلك مخاطر على صحة المريض قد تصل الى الوفاة، ولكن في حال النجاح سينتج عن ذلك دفن يافطة الابتزاز بتحسين التمثيل المسيحي للأبد ولمرة أخيرة.

 

بدأت العملية الجراحية بأول اشتباك بين "القوات اللبنانية" وتيار "المستقبل" بعد تبنّي القانون "الأرثوذكسي". بدا أنّ هذا القانون هو المبضع، وتعاقبت الأوجاع، فالمريض لم يخضع مسبقاً لأي عملية جراحية من هذا النوع، جلّ ما حصل في العام 2009 مشاحنات صامتة حيال توزيع المقاعد النيابية أفضت الى اتفاق على زغل كرمى لعيون ثورة الأرز.

 

أمّا بالأمس فقد أدى فتح هذا الجرح الى صراخ كثير استتبعته حملات التخوين المتبادلة. وفيما كان البعض يعرف في العمق أهداف طرح "الأرثوذكسي"، كان البعض الآخر يصرخ ويجزم في الغرف المغلقة بأنّ من مشوا بهذا القانون يترجمون تحوّلاً استراتيجياً كامناً في أعماقهم، سيؤدي الى زوال ثورة الأرز وانتصار "حزب الله". من هؤلاء كفارس سعيد من حزن واكتفى بالتحذير والتأكيد أنّ طارحي "الأرثوذكسي" ذاهبون الى النهاية، وأنّ هذا القانون سيقرّ في مجلس النواب.

 

والبعض القليل (المسيحيّون منهم) لعب دوراً سلبياً بين "المستقبل" و"القوات" في أصعب لحظات التفاوض، فتمنى على الرئيس سعد الحريري أن لا يوافق على المختلط بالصيغة التي تطرحها "القوات". لكن في المقابل وللمفارقة، وجُد في تيار "المستقبل" من دعم الوصول الى اتفاق، أبرز هؤلاء الرئيس فؤاد السنيورة والنائب أحمد فتفت وكثيرون، وعبَّر هؤلاء عن فهم لعمق المشكلة، وعن تجرد أكبر بكثير مما عبّر عنه بعض مسيحيّي "14 آذار".

 

كادت العملية الجراحية عند السابعة من مساء الثلثاء الماضي (قبل يوم واحد من الجلسة النيابية) أن تؤدي الى الوفاة، إذ أبلغ الحريري إلى "القوات" أنه غير موافق على ما تطلبه من تعديلات للقانون المختلط، لكن عاد ووافق في صباح اليوم الثاني، وولد الاتفاق على مشروع القانون المختلط مكرّساً الولادة السياسية الثانية للحريري، بعد ولادته الأولى في لحظة انطلاق ثورة الأرز.

 

كان "سعيد" حينها في الأمانة العامة، عندما هاتفه أحدهم من السعودية مبشراً، فتحوّل حزنه إلى فرح طفولي، ونصح بإعطاء جعجع كل ما يريد "لنخلص من هالقصة". وبدأ يعدّ للحظة انتصارية، فقد تجاوزت "14 آذار" العملية الصعبة، والمطلوب الآن وبسرعة إخراجها من غرفة العمليات، مع المعرفة المسبقة بأن استعادة العافية يفترض أن تبدأ بجردة حساب، لغربلة كل المماحكات والغبار الكثيف والاتهامات التي زعزعت الثقة.

 

في جردة الحساب هذه، بعض أسئلة يطرحها "القواتيون": هل كانت حملة تخوين طارحي "الأرثوذكسي" في مكانها، وهل تأكد من قاموا بها الآن أن الهدف من تبنّيه كان فقط نسف قانون الستين؟ هل كان القانون المختلط بالوصول العسير اليه إنجازاً لقوى "14 آذار" مجتمعة، حيث فجّرت لغم التمثيل المسيحي قبل أن ينفجر فيها، أم أن هذه القوى المسيحية كان يفترض أن تتمسك بالستين، لتهدي العماد عون والمحور الذي ينتمي اليه انتصاراً مجانياً ؟

 

أسئلة لن يملك الكثيرون داخل "14 آذار" جرأة الإجابة عنها الآن. ربما يكون الجواب بهذا الاتفاق، الذي إن طبّق قد يؤسّس لمرحلة جديدة يصبح بعدها الابتزاز الذي يمارسه مسيحيّو تحالف الأقليات باسم التمثيل المسيحي، شيئاً من الماضي.