أنطوان الحايك
موقع النشرة
لم تحل عطلة عيد الفطر في العالمين العربي والاسلامي دون استمرار المشهد الدموي، ولا دون تطورات ميدانية وسياسية متسارعة، لاسيما على الساحتين الليبية والسورية. فليبيا تعيش حالة من الفوضى العارمة بعد أن تمكن الثوار من فرض سيطرتهم الكاملة على العاصمة مع ما يعني ذلك من سيطرة على القرار السياسي والاقتصادي والمعنوي، فضلا عن زحفهم باتجاه آخر معاقل الرئيس معمر القذافي وتوجيهم انذارا اخيرا للموالين للقذافي للاستسلام تحت طائلة الحسم العسكري المدعوم من قوى التحالف.
في هذا الوقت، بدأ اللاعبون الكبار بالحديث عن مرحلة ما بعد القذافي، وعن كيفية ادارة شؤون البلاد في المرحلة المقبلة، لاسيما ان البدائل السياسية والادارية ما زالت غير متوفرة بحسب ما يؤكد كبار المعارضين والمفكرين الليبيين، فالغرب الذي أدار المعارك الميدانية في ليبيا لا يفهم التركيبة القبلية ولا الاجتماعية للشعب، كما أنّ الثورة انطلقت من الاساس في ظروف سياسية صعبة في ظل حكم ديكتاتوري غير مهيأ لثقافة الديمقراطية، وبالتالي فان الخشية تكمن في مرحلة ما بعد انجلاء غبار المعارك، وذلك في ظل واقع لا يمكن نكرانه وهو أنّ النظام الليبي سقط بفعل انقلاب عسكري مدعوم من دول اجنبية لا يهمها سوى الحفاظ على مصالحها النفطية، ومداراة سياساتها الخارجية التي تعتمد على استغلال ثروات المنطقة وكل ما يمت اليها، بحيث يعرب هؤلاء عن اعتقادهم بان ليبيا ستنضم الى العراق لجهة الفوضى الامنية والسياسية.
المشهد السوري بدا بدوره شديد الوطأة في عطلة الفطر، اذ تحدثت معلومات صحافية عن عدد كبير من التظاهرات ادت الى عدد مماثل من القتلى والجرحى، فضلا عن اعتقالات بالجملة نفذتها القوى الامنية السورية التي تتقدم بصورة واضحة على خط الحسم العسكري، خصوصا بعد جرعة الدعم التي تلقاها الرئيس بشار الاسد من روسيا، والتي حملت في طياتها اكثر من رسالة موجهة الى المجتمع الدولي كما الى المعارضة السورية التي ما زالت تعيش حالة من الانقسام والفوضى وعدم التنظيم والقدرة على ايجاد نقطة انطلاق محددة تسمح لها بمكاسب واضحة.
على هذا الخط، ينقل قادمون من العاصمة السورية ممن شاركوا في تقديم التهاني بالعيد عن مراكز القرار اجواءً لا تخلو من الايجابية على الرغم من الضغط الشديد، خصوصا بعد ان اقتنع الغرب باستحالة اسقاط النظام تحت وطأة الامن والسلاح، وهو بالتالي بات يبحث عن تسوية تحفظ ماء الوجه للمعنيين كافة. فتركيا التي طالما شكلت رأس حربة الولايات المتحدة في حربها على النظام السوري، اعربت عن انزعاجها من تحريك ملف الاكراد في اشارة الى دور سوري او ايراني في هذا المجال، وهي بالتالي باتت عالقة بين فكي كماشة الامن التركي والحراك السوري.
كما يشير هؤلاء الى ان النظام بات في موقع شبه مريح بعد ان تمكن من القضاء بصورة شبه كاملة على مكامن الحراك المسلح، وهو بالتالي اي النظام يميز بين المطالب الشعبية المحقة التي بدأت تسلك طريقها الصحيح الى التنفيذ ومحاولات استخدام السلاح لاهداف بعيدة عن الاصلاح، انما بهدف تنفيذ مطالب خارجية لا تمت الى المصالح السورية العليا باي صلة. yle='fb sz�/V~Vfont-family:"Times New Roman","serif"'>.
كل هذا سببه انتقال دولة قطر من موقع الحليف للنظام في سورية، الى موقع الخصومة مع هذا النظام، وتولي قناة الجزيرة تغطية وقائع الانتفاضة هناك على نحو لا يروق للنظام.
لكن متأمل اضطراب مشهد الممانعة بفعل الانتفاضة السورية، لن تصدمه الوقائع هذه (قلب اللافتة وانتقال الصحافة الى الشتم بعد سنوات من التمجيد) بل السهولة التي جرى فيها "الانقضاض على قطر". فقد حصل ذلك على نحو أوتوماتيكي، تماماً بنفس المستوى والسرعة التي انفكت فيها قطر عن سورية. فقد توجه وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني الى دمشق وعقد اجتماعاً مع الرئيس بشار الأسد واختلف الرجلان، فعاد الأول الى بلده وأنزلت لافتات "شكراً قطر" من جنوب لبنان، وفي صباح اليوم الثاني صدرت صحف الممانعة مفاجئة قراءها محبي قطر وأهل قطر بطلب مراجعة مشاعرهم حيال تلك الدولة. هكذا ومن دون أي تدرج في المواقف يُراعي ذكاء مستقبلي الخطاب وهاضميه!
والغريب ان "مجتمع المقاومة" تورط بمواقف عاطفية حادة حيال الدوحة وحيال محطتها التلفزيونية وحكومتها، وفي انتقاله اليوم الى موقع مختلف تعثرٌ أين منه تعثر الحبيب بابتعاد محبوبته عنه. وإذا كان في الغرام ما يتيح التعثر، فان السياسة لا تهضمه، لا سيما إذا كانت الأخيرة من ضروب العقل والمنطق. ولهذا يبدو هجاء قطر اليوم أقرب الى هلوسة في حلقة زار منه الى السياسة بصفتها تعبيراً عن مصالح الجماعة.
لكن لا بأس في ذلك إذا تذكرنا أن السهولة التي صُعِدت فيها قطر الى مقام الدولة الواحة، ثم عادت وأُنزلت فيها أيضاً الى "جهنم البترودولار" هي جزء من السهولة التي تغشى مختلف جوانب خطاب الممانعة. ونحن هنا لا نفعل شئياً سوى أننا نعرض لمشهد لطالما تكرر، ولطالما سيتكرر.