05 May 201415:42 PM
"جانان" للقداسة... فأيّ "جان" للرئاسة؟
داني حداد

داني حداد

Lebanon Files

هي سنة الـ "جان"، بابويّاً على الأقل. بلغ بابوان راحلان يحملان الاسم مرتبة القداسة. ربما يجد البعض في ذلك إشارة "ربّانيّة" الى أنّ الأمر قد ينسحب على الاستحقاق الرئاسي في لبنان، فيُنتخب حامل للاسم أيضاً، ما دام انتخاب رئيس للجمهوريّة اللبنانيّة يكاد يبلغ مستوى الأعجوبة...

تحمل اسم "جان" شخصيّتان يتمّ التداول بهما في إطار الاستحقاق الرئاسي اللبناني "الذي دخل في شهره"، بتعبير الانجاب النسائي: قائد الجيش العماد جان قهوجي والوزير السابق جان عبيد.
لم يلمّح العماد قهوجي يوماً الى أنّه يطمح ليكون الرئيس الثالث على التوالي الآتي من قيادة المؤسّسة العسكريّة الى رئاسة الجمهوريّة. بات القرب الجغرافي بين بعبدا واليرزة يَختصر، كما يبدو، المسافات السياسيّة ما يجعل كلّ قائد جيش، حكماً، واحداً من المرشحين "الطبيعيّين" الى رئاسة الجمهوريّة. أصبح النصّ الدستوري هنا مجرّد تفصيل. إن تمّت التسوية يصبح تعديل الدستور، على أهميّته، إجراءً عاديّاً، وربما يتمّ الأمر من دون تعديل كما حصل مع انتخاب الرئيس ميشال سليمان.
ليس تعديل الدستور إذاً ما يمكن أن يعيق وصول العماد قهوجي الى بعبدا. لعلّ علاقة الرجل "المضطربة" بالعماد ميشال عون، الذي كان على رأس لائحة داعمي تعيينه قائداً للجيش، تشكّل العقبة الأولى، خصوصاً إذا افترضت التسوية موافقة عون الذي سيتحوّل، في حال طال الفراغ وانتفت حظوظ انتخابه رئيساً، من مرشح أول الى الرئاسة الى ناخبٍ أول يملك حقّ "الفيتو"، وإن لم يمتلك القدرة على تسمية الرئيس.
إلا أنّ التجارب السياسيّة اللبنانيّة، وخصوصاً ما يرتبط منها بالاستحقاق الرئاسي، أثبتت أنّ المستحيلات لا تدخل في القاموس اللبناني ومن هم على خلافٍ اليوم قد يتحوّلون، بسحر مصلحة، الى حلفاء. والأمثلة أكثر من أن تحصى في سطور. وإذا كان الموقع والرتبة العسكريّة يحتّمان على قائد الجيش الصمت حيال مسألة الترشيح والانتخابات الرئاسيّة فإنّ ذلك لا ينفي أنّ ثمّة "ماكينة" تعمل، بتصميمٍ ورويّة هما سمتا العمل المخابراتي، سعياً الى تأمين انتقالٍ آمن للعماد قهوجي من اليرزة الى بعبدا.
أما بالنسبة الى الـ "جان" الثاني، فإنّ البيان الذي أصدره الوزير السابق جان عبيد وينفي فيه أنّه مرشّح الى الرئاسة لا يحرم صاحبه من حظوظ الوصول الى بعبدا، ولا يبعده خطّاً الى الوراء في السباق إليها. لعلّه يعفيه فقط من بعض الأقلام التي رغبت، لغايةٍ في نفس يعقوبٍ ما، أن تتعرّض للرجل.
يتعامل عبيد مع الاستحقاق الرئاسي على طريقة "صديقه" الشاعر أبو الطيّب المتنبي: أنام ملء جفوني عن شواردها ويسهر الخلق جرّاها ويختصم. هو يريد الرئاسة ولكنّه يدرك بأنّها إن لم تأتِ إليه فعبثاً يسعى إليها. ثمّة قدريّة واضحة في هذا المجال. إلا أنّ دعوة عبيد لزيارة المملكة العربيّة السعوديّة، والتي تلت مباشرةً بيان انسحابه الشكلي من "المعركة" الرئاسيّة، ثمّ اللقاء الذي جمعه مع الرئيس سعد الحريري في جدّة، والذي سبقه لقاء جمعه بالعماد ميشال عون في لبنان، يؤكدون على أنّ حظوظ الرجل موجودة بقوّة، وهو من مرشحين قلّة يمكن أن تتوفّر فيهم صفة الرئيس الوفاقي والتوافقي.
لا يصل جان عبيد الى بعبدا إلا على أساس تسوية. يمكن أن يشكّل نقطة التقاء إقليميّة، نظراً الى تاريخه وشخصيّته الحافظَين للتوازنات الداخليّة والخارجيّة. إلا أنّه، في الوقت عينه، يملك من الصلابة والإرادة ما يجعله رئيساً حاكماً، لا حكماً فقط يصفّر ولا يملك القدرة على إصدار البطاقات الصفراء والحمراء حين يجب، وإن كان يفتقد الى صفة "الرئيس القوي" التي أضيفت أخيراً على Menu الصفات الرئاسيّة، على قاعدة التمثيل الشعبي.
ربما يجدر بحاملَي الاسم، عدا عن "الفرض" الرئاسي الذي يقومان به، أن يصلّيا الى القدّيسين الجديدين، علّ قصر بعبدا يصبح، بشفاعتيهما، في متناول إقامة أحد الـ "جانَين"...