وجهتا نظر حول عودة الحريري الى لبنان
الديار

قرر الرئيس سعد الحريري البقاء خارج لبنان حتى اشعارآخر.
في البداية جاء قرار الابتعاد منسجما مع تطور الاحداث في سوريا، واثر خروجه من رئاسة الحكومة، اضافة الى واقع مالي دقيق كانت تمر به شركاته يومها، كانت الاجواء التي وضع بها الرئيس الحريري من قبل العواصم الغربية ان الوقت لن يطول قبل ان يشهد النظام السوري نهايته، وجرى وضع روزنامة لموعد هذا السقوط تراوح ما بين ثلاثة الى ستة اشهر، يوم راجت في الحلقة الضيقة تقول: «في لهيب آب، بتكون الطبخة استوت».
لكن آب مرّ ومعه شهر رمضان، وجاءت النتائج مختلفة مع اعتماد النظام في سوريا اسلوب الحسم العسكري لا سيما في المناطق التي تشكل خطورة مسلحة وقابلة لان تكون في مرحلة ما جزر امنية مستقلة قابلة لاستيعاب الفارين من الجيش، وهي النقطة المركزية في مشروع اعداء النظام.
المهم ان الرئيس الحريري كان قد اعلن قبل بدء شهر رمضان استعداده للعودة الى لبنان، ربما وفق حسابات انهيار النظام في فترة صيام رمضان الحساسة، عاد وعدل عن فكرته مع ذهاب الاوضاع الميدانية السورية في اتجاه معاكس لكن هذه الفترة حملت له اخبارا سارة في مجالات اخرى.
فالازمة المالية الخانقة التي كانت تمر بها شركاته العاملة في الخليج، وجدت لها حلولا خلال تنفيذ اتفاق عام، وصحيح انه لم تبدأ بعد عملية ضخ السيولة الا ان هذا الموعد اصبح قريبا جداً، لا سيما بعد انجاز التفاهمات على مستوى العناوين والتفاصيل والتي هي بمجملها تدخل في الاطار التنظيمي والتجاري البحت.
وفي موازاة ذلك برزت وجهتا نظر حول مسألة عودة الحريري الى لبنان: الاولى تشدد على تحقيق هذه العودة فورا، كون الغياب المستمر يعرّض قاعدة الحريري الشعبية للتآكل، لا سيما في ظل وجود طامح لامتلاك قاعدة شعبية سنية واسعة هو الرئيس نجيب ميقاتي، والذي يمتلك المؤهلات المالية الضخمة التي تخوله اختراق الشارع السني. اضف الى ذلك انه يحظى بدعم غربي قادر على منحه نقاطا سياسية تمكنه من استثمارها شعبيا، وبالتالي اقتطاع مساحة له على حساب «تيار المستقبل» اضافة الى ان هذا الفراغ سيكون قاتلاً، وحيث ان الطبيعة تأبى الفراغ، ما سيفتح الباب تلقائيا لزعامة ميقاتي، الذي نجح في استمالة مفتي الجمهورية. وابرز المتحمسين لهذا الخيار هو الرئيس فؤاد السنيورة.
اما وجهة النظر الثانية فتعتبرانه من الافضل بقاء الرئيس الحريري خارج لبنان في هذه الفترة ففي حال عودته فان صدأ السياسة اللبنانية سيأكل من رصيده، وهو ما حصل فعلاً في آخر ايام رئاسته للحكومة، حيث دعا انصاره للنزول الى الشارع احتجاجا على وصول نجيب ميقاتي الى رئاسة الحكومة، وجاءت ردة الفعل ضعيفة. وكما ان العواصم الغربية تبدو وكأنها تراهن على الرئيس ميقاتي في موقعه الجديد، كي يحقق لها ما فشل الحريري في تحقيقه.
وقد سرت شائعات لدى فريق الاكثرية ان نادر الحريري زار نيويورك بعيدا عن الاضواء، قبيل وصول ميقاتي، والتقى مساعد وزيرة الخارجية الاميركية السفير جيفري فيلتمان لحوالي الثلاث ساعات حيث الح عليه بوجوب عدم لقاء ميقاتي من قبل اي مسؤول اميركي. الا ان نادر الحريري فشل في مهمته بعدما سمع كلاما اميركيا بضرورة رعاية رئيس الحكومة في هذه الفترة، وتقديم الدعم له، لما فيه مصلحة اميركية اساسية، لكن هذه الاشاعة لم تتأكد، عندها فهم الرئيس سعد الحريري ان هامش معارضته للرئيس ميقاتي سيكون ضيقا، ما يعني انه من الافضل عدم الدخول في مواجهة واسعة معه، وهذا يعني ان حدود دوره في حال عودته الى بيروت سيكون باهتاً ما سيرتد سلباً على قاعدته الشعبية. اضف الى ذلك، ان هذا الحضور المباشر سيفتح ابواب التمويل في لبنان، حيث باتت هذه المسألة من اساسيات العمل السياسي الواسع، وفي ظل ضائقة اقتصادية. اضف الى ذلك ان هذا «النزف» اليومي لن يكون له تأثير خلال المعركة النيابية المقبلة، التي تفترض ان يكون لها دفتر حسابات خاصا بها لذلك فانه من الافضل «تجميع»الحسابات ليوم المعركة الانتخابية.
انما النقطة الاهم لانصار هذا الخيار، هي ان بقاء الحريري خارج لبنان على اساس انه مهدد امنيا، سيكسبه المزيد من العطف الشعبي، كون ذلك سيعطيه صورة تشبه صورة الزعيم السياسي المنفي. وان هذا سيعطي عودة الحريري يوم يحين الوقت قبيل الانتخابات النيابية، زخما شعبيا قويا، تماما كما حصل مع العماد ميشال عون. وهذا ما سيمكنه من تحقيق «تسونامي» شعبي بأقل كلفة ممكنة، خلال الانتخابات النيابية المقبلة، ما سيجعله يدشن مرحلة جديدة، تشكل قاعدة قوية لانطلاقته من جديد رئيساً قوياً للحكومة في العام 2013 وقادراً على التأثير في صورة الرئيس المقبل للجمهورية اللبنانية.
ويبدو الرئيس سعد الحريري ميالا الى وجهة النظر الثانية، ما سيعني ان عودته لن تكون قريبة، ولا بأس ان تزامنت مع تطورات سورية دراماتيكية، تقول العواصم الغربية انها ستحصل خلال سنة من الآن.