بيوت دعارة من نوعٍ آخر في لبنان
25 Sep 201406:16 AM
بيوت دعارة من نوعٍ آخر في لبنان

عندما يجري الكلام عن بنات الليل، يعتقد كثيرون أنّ المقصود الفتيات الروسيات أو الأوكرانيات، بعد أن ارتبط اسمهمن بهذه المهنة، وذاع صيتهن في المجتمع اللبناني خصوصاً لدى فئة الشباب. إلّا أنّ حركة النزوح الهمجيّة التي شهدها لبنان، والتي لا طاقة له على تحمّلها، غيّرت في المعادلة، وأضحى بعض "السوريات" ضحيّة متنفذين يتاجرون بهنّ حتى الاستعباد.


مَن يغوص في التفاصيل أكثر يجد أنّ نسبة عمل الفتيات السوريات في هذه المهنة إلى ازدياد لا بل إنّ الأعداد تتضاعف يوماً بعد يوم خصوصاً أنّ هناك إغراءات تشجع على القيام بهذه الأمور. صباح الطبولي فتاة في العشرينات من عمرها، من بلدة حلب السوريّة، جاءت وعائلتها هرباً من الحرب الدائرة هناك.

سكنت وعائلتها منطقة بدبا في الكورة وأضحت الشقة التي تسكنها "بيت دعارة" وعلى عينك يا تاجر، حيث تبيع صباح جسدها ومعها أخواتها ووالدتها البا وهي في الأربعينات من عمرها. غالبيّة الشبان في منطقة الكورة يقصدون الشقة فالأسعار مدروسة تبدأ من عشرين ألف ليرة وتزيد التسعيرة وفقاً للعروض التي تقدّمها الفتيات للرواد. أما تمضية نهار كامل خارج الشقة مع الزبون فلها تسعيرة خاصة رفضت صباح إعطاء معلومات عنها.


سوق الدعارة كما الأسواق كلّها في لبنان على تعدّدها مقسّمة ومجزّأة وفقاً لمحاصصات ومحسوبيّات محدّدة. وتتميّز الكورة بسوقها الكبير لأنّه يمتد من البترون مروراً بشكا وصولاً إلى المناطق الجبليّة وأولها بشري. وهذا السوق كان تحت أمرة رجل سوري ملقّب بـ"الشيخ صدام".


للأخير خبرة كبيرة في هذا المجال تزيد عن العشرين عاماً على ما تقول صباح، وهو مَن قضى أعواماً بالإتجار بالبنات وبيعهنّ في السوق السوداء وسوق الدعارة. كما أنّه بدأ يبني علاقات قويّة كي يحمي نفسه محلياً، ناهيك عن الحماية التي كان يتمتّع بها والنفوذ المعطى له من السوريّين ولا يزال الى يومنا هذا.


وكان ينشئ في كل بلدة تقريباً من منطقة الكورة بيت دعارة، وقد تختلف البيوت وفق كل بلدة. فظاهرياً قد يكون أحد مكاتب توظيف الفتيات في القلمون هو الواجهة، أما في الواقع فهو بيت دعارة.

ويضمّ المكتب لبنانيّات غالبيتهنّ من منطقة الضنّية وطرابلس إضافة إلى السوريات اللواتي لم تكنّ معروفات كما اليوم. والتسعيرة نفسها تسري على اللبنانيّات والسوريّات، وفي الساعة الواحدة مئة ألف ليرة لبنانيّة، حيث حصّة الفتاة من هذا المبلغ الربع فقط والباقي يُعطى للشيخ صدام.

كما أنه حفاظاً على سرّية عمله كان يرسل سائقين يرافقون الفتيات إلى حيث الزبون، كي لا تقوم البنات بأيّ عمل قد يخالف قانون الشيخ صدام. وكان ممنوعاً على الفتاة أن تكون على علاقة مباشرة مع الزبون لا بل الشيخ صدام كان الرقيب الدائم للبنات اللواتي كنّ يعشن حياة العبوديّة بكلّ ما للكلمة من معنى.


اليوم، ومع حركة النزوح الكبيرة أضحى الإتجار بالسوريات وإرغامهن على الدعارة أمراً اعتيادياً بالنسبة الى الكثيرين. فالفتاة السوريّة أضحت اليوم سلعة يتبادلها أصحاب المصالح لتأمين مكسب مادي معيّن. تقول إحداهنّ وتجهش بالبكاء.

هي ابنة التاسعة عشر من عمرها جاءت من بلدة ادلب السوريّة واليوم تعمل بائعة هوى وتتنقل في مناطق الشمال كافة وإذا كان السعر مغرياً توسّع نشاطها. تدعى أليسار وما كانت في الاساس تريد العمل لكنّ ظروفها المعيشيّة الصعبة، كما تقول، أجبرتها على بيع جسدها مقابل المال.


تعرّفت بواسطة إحدى صديقاتها على "المخ بدر السكسك"، وهو أحد زعماء عصابات تشغيل الفتيات السوريات. والمعضلة تكمن في أنّ العمل مع الحاج بدر يخضع لشروط جمّة أولها إعلان الولاء التام له والخضوع لأوامره وتلبية رغباته وطلباته مهما كانت.

الأمر الثاني أنّ جواز سفرها سُحب منها طيلة فترة إقامتها في لبنان وبهذا أضحت تشعر أنّها مقيّدة ومستعبَدة كلياً. وهي تقول إنّها تعيش حياة ذليلة، عليها أن ترضخ للزبون وتنفّذ أوامره حتى أنّها في الكثير من المرات تتعرّض للتعنيف الجسدي.


ومن بين أكثر المشكلات إلحاحاً، مسارعة بعض اللاجئين إلى تزويج بناتهن المراهقات من لبنانيين لحمايتهنّ من الظروف المعيشيّة السيّئة وضمان مستقبلهنّ. هذا في العلن، أو إذا أردنا القول إنّ الزواج هنا واجهة لا أكثر لتغطية الدعارة فتصبح في هذه الحال شرعيّة مئة بالمئة على ما تقول هويدا وهي سوريّة ابنة الخامسة والعشرين.

وهويدا تزوّجت من هارون (السيد) وهو من منطقة المنية على أساس أنها تريد السترة في كنف عائلة تحت سقف يحميها من العوامل التي يمكن أن تعود عليها بالضرر. ويوماً بعد يوم راح يتّضح لها أنّ زوجها غيّر معاملته لها بعد أن حقّق مبتغاه الجسدي منها، ليبدأ فرض العمل عليها في الدعارة فهي زوجته وعليها أن تنفّذ ومن ثمّ تعترض إذا كان هناك من اعتراض.