اللواء
كتبت صحيفة "اللواء": هل علقت الحكومة في حقل ألغام بفعل القرار المتسرع في ما خص زيادة الحد الأدنى ورفع شطور رواتب دون أخرى، أم أن ما زال هناك متسعاً من الوقت للعودة عن قرارها أو تعديله بما يساوي بين مختلف طبقات العمال والموظفين الذين كانوا ينتظرون بفارغ الصبر أن تقدّم الحكومة على خطوات تنشلهم من المأزق المعيشي الذي يشد على عناق أوسع شريحة من الشعب اللبناني؟.
حتى الساعة لا يلوح في الأفق ما يوحي بأن الحكومة ستقدم على تعديل قرارها بحجة أن هكذا خطوة تشكل سابقة ربما تستخدم في وجهها عند اتخاذها قرارات أخرى ربما لا تعجب البعض، مع أن بعض الوزراء في الحكومة لا يرون أن هناك ما يحول دون الإمساك مجدداً بهذا الملف واتخاذ القرار المدروس الذي يوفق بين الخزينة والوضع المعيشي للناس، من دون الالتفات إلى اي تمويل أو تهديد من أية جهة كانت.
ووفق مصادر في الأكثرية انه كان من واجب الحكومة عدم ترك مقاربة هذا الملف إلى الأسبوع الأخير الذي سبق الموعد المحدد من قبل الاتحاد العمالي العام لتنفيذ الاضراب المعلن منذ اكثر من شهرين، وكان عليها تأليف لجنة لدرس هذا الموضوع من جوانبه كافة لتجنب أي دعسة ناقصة تحول قراراتها إلى نقمة ولا تُلبّي طموحات لا العمال ولا أصحاب العمل وتواجه باعتراض من داخلها.
ولفتت المصادر الى أن الرئيس نبيه برّي واكب الحراك النقابي وعندما استشعر أن الوقت أصبح مداهماً فلا الحكومة وضعت خطة للمعالجة ولا لجنة المؤشر استطاعت الوصول إلى صيغة حل مع وزير العمل شربل نحاس الذي قدم مقترحات لو أخذ بها لكانت الحكومة تجنبت هذا الالتباس الذي اوقعت نفسها فيه، قرّر الدخول على خط المعالجة وهو وضع الرئيس نجيب ميقاتي في أجواء ما ينوي القيام به، وبالفعل طلب اللقاء بقيادة الاتحاد العمالي العام وبأصحاب العمل، وخاض معهما كل على حدة مفاوضات قاسية بالنظر إلى المسافة البعيدة التي تفصل بين الفريقين في النظر إلى رفع الرواتب ومقاربة الوضع المعيشي بكل مندرجاته، وفي هذا الوقت كانت معلومات تأتي بالتواتر إلى عين التينة مفادها ان هناك من يعد العدة للدخول على خط الاضراب من أجل تشويه صورة الحكومة والقيام بأعمال تخريبية في طليعتها احراق اطارات السيارات أمام المؤسسات، ولا سيما أمام منزل الرئيس ميقاتي في طرابلس، وقد وضع رئيس المجلس رئيس الحكومة بأجواء هذه المعلومات، وقرر التقدم بمبادرة لقيت تجاوباً من الفريقين المعنيين، غير انه فوجئ عندما جاءه من يبلغه ليلاً بأن ما اتفق عليه في عين التينة ثم آلتبرؤ منه في السراي الكبير، عندها فتحت الخطوط بين المقرين الى ان تم التوافق على الصيغة التي اعلنت بعد انفضاض جلسة مجلس الوزراء.
وتؤكد هذه المصادر أن ضيق الوقت ربما يكون السبب في استعجال اتخاذ هكذا خطوة، ولو أن الحكومة أعطت الاهتمام الكافي لمطالب العمال لكان جاء الحل مرضياً لكل الأطراف أو على الأقل لكانت الحكومة قدمت ما لديها وحملت الفريق المعترض مسؤولية ما ستؤول إليه الأوضاع خصوصاً وأن هناك الكثيرين ممن ينتظرون مثل هذه المحطات لتوجيه السهام على الحكومة التي تخوض معها معركة حدودها القصوى العمل على اسقاط الحكومة بأي طريقة.
وتلفت النظر إلى انه لا بدّ من ابتداع حل جديد وعدم ترك الأمور على هذا النحو خصوصاً وأن الهيئات الاقتصادية أبلغت من يعنيهم الأمر بأنها في غير الوارد الالتزام بما قررته الحكومة، وبذلك فان الموظف أو العامل سيدفع الثمن مرتين: الأولى بارتفاع أسعار السلع والثانية بعدم زيادة راتبه وبذلك يكون قرار الحكومة قد زاد الطين بلة بالنسبة لأكبر شريحة من المجتمع اللبناني الذي بات يئن تحت وطأة الضغط المعيشي والاقتصادي.
وأفادت المصادر أن وزير العمل الذي ابدى اعتراضاً داخل مجلس الوزراء على القرار من دون الأخذ بالمقترحات التي كان تقدّم بها على طاولة اجتماعات لجنة المؤشر لا بدّ وانه سيعد المرسوم ويرفعه إلى مجلس الوزراء في أقرب وقت، غير أن ذلك لا يعني ان المشكلة قد انتهت، وأن استمرار هذا الوضع على حاله سيؤدي إلى احداث شرخ داخل مجلس الوزراء إلى جانب اتساع الشرخ النقابي الموجود حيث ان هناك جهات نقابية لا تزال تعترض على صيغة الحل وهي على موعد مع الاضراب يوم الأربعاء المقبل الذي ربما تتخلله مسيرة باتجاه السراي الحكومي.
وترى المصادر أن أي قرار ما لم يترافق مع رزمة إجراءات على شاكلة تلك التي ابداها وزير العمل، فانه من العبث معالجة الوضع المعيشي ولو رفع الحد الأدنى إلى حدود المليونين، لأن أي زيادة في الأجور تتآكل قبل اقرارها من خلال رفع أسعار السلع اليومية للمواطنين، هذا إلى جانب ان أكثرية أصحاب العمل ليست في وارد زيادة الأجور لموظفيها وعمالها، وأن الكثيرين من هؤلاء خيروا عمالهم بين المطالبة بزيادة الراتب وبين الصرف، وان غالبية العمال حكماً لن يثيروا هذا الموضوع خوفاً من أن يدفعوا ثمن ذلك خسارتهم لوظيفتهم في وقت هم أحوج ما يكونوا فيه إلى هذا العمل في ظل البطالة التي تضرب لبنان طولاً وعرضاً.