المستقبل
صدر للكاتب السعودي المعروف الدكتور محمود سفر كتاب جديد عن "إشكالية الثقافة الغربية مع الاسلام". عمل المؤلف وزيراً للحج في المملكة العربية السعودية وقبل ذلك وكيلاً لوزارة التعليم العالي، كما شغل منصب الرئيس المؤسس لجامعة الخليج العربي في البحرين. وقد صدر له حتى الآن ثلاثة عشر مؤلفاً. وكان هذا الكتاب الجديد أحدث انتاجه.
تنطلق أهمية هذا الكتاب من مضمونه ومن توقيت صدوره. من حيث التوقيت، تنتشر ظاهرة الاسلاموفوبيا في الغرب على نطاق واسع، وتعاني علاقات الاسلام مع الغرب من جراء ذلك الكثير. كما ان الكتاب يتزامن مع الإعلان الرسمي عن تحويل مبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز للحوار بين الأديان والثقافات الى مؤسسة دولية مقرّها فينا. وذلك بالإشتراك مع النمسا واسبانيا والسعودية والفاتيكان.
أما من حيث المضمون، فيعرض الكتاب للسجل التاريخي للعلاقة بين الغرب والاسلام، ويستعرض آراء متعددة عن هذه العلاقة التأريخية، ويؤكد أهمية الحوار بين أتباع الديانات، ويحدد أسس الحوار المفترض لكي يصل من خلاله بالإنسانية الى مشارف الأمن والطمأنينة والسلام. وقد تبنّى الدكتور سفر في كتابه رأي هانس كونج - الفيلسوف اللاهوتي الألماني الكبير الذي أورده في كتابه "الإسلام رمز الأمل"، والذي يقول فيه: "إن حوار الحضارات والثقافات والأديان هو الطريق الأفضل، وإنه لن يكون هناك سلام بين الأمم بدون سلام بين الأديان، ولن يكون هناك سلام بين الأديان بدون حوار".
ورأى أن من أهم مرتكزات كتابه، المواقف غير الموضوعية وغير المنصفة لبعض الدوائر الثقافية الغربية من نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام التي ظهرت أخيراً من خلال رسوم كاريكاتورية وأفلام وغيرها من مؤلفات وتصرفات لا تليق وتستحق الاستهجان.
وقد اهتم المؤلف، كما ذكر في مقدمته للكتاب، بأن يفصل أمرين وجدهما مهمين هما:
الأمر الأول: القناعة التي تكونت لديه بأنه لا يمكن الغوص في التراث الثقافي الغربي بحثاً عن الصورة التي رسمها للنبي محمد عليه السلام بوضوح وموضوعية دون التعرض لموقف الغرب عموماً ومثقفيه ومفكريه خصوصاً من رسالة الاسلام، لأن الخطاب الثقافي الغربي في بعض أدبياته يسمي الإسلام والمسلمين "محمديين"، ولأن النبي عليه الصلاة والسلام كان تعبيراً للرسالة ومثالاً للدعوة في شخصيته وسيرته وخلقه.
ويرى الكاتب في ذلك "تأكيداً على الربط الموضوعي والارتباط العضوي بين نبي الاسلام عليه الصلاة والسلام والرسالة التي حملها والقرآن الذي أوحي به اليه، لأن الفصل بين الرسالة والرسول لا يكاد يبين في الهجوم الذي تعرض له سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام من بعض دوائر الثقافة والفكر في الغرب.
الأمر الثاني: مفهوم الثقافة الغربية ومعناها؛ فبعدما طرح الدكتور سفر معنى الثقافة كما يعرّفونها في الغرب بأنها تراث "الإنسانيات الإغريقية اللاتينية"، ناقش رأيين في الثقافة الغربية وموقفها من الاسلام ومن نبيه الكريم:
يرى الرأي الأول ان الثقافة الغربية هي ثقافة عقائدية مسيحية خضعت في الماضي وما زالت تخضع في الحاضر لتأثيرات يهودية عقائدية، كما أنها انصاعت في الماضي وما زالت تنصاع في الحاضر لابتزازات سياسية من اللوبي الصهيوني المسيحي. لذا يعتقد بأن استعداء الغرب للقرآن وعقيدة الإسلام ورسالته ونبيه، نابع من خلفية عقائدية متعصبة وحاقدة، وكراهية دينية كريهة ومخزية.
أما الرأي الثاني فانه على النقيض من الأول، يُعرّف الثقافة الغربية بأنها ثقافة لا دينية وتستند الى العلمانية التي لا تقر بأي دور للدين في شؤون الحياة في المجتمع، وبرغم أن الثقافة الغربية العلمانية استندت الى منطلقات فكرية وفلسفية في تعرضها للرسالة والرسول عليه السلام، فإن المؤلف بيّن أنها لا تقل حدة في العداء والشناءة عن ثقافة الحقد العقائدي المسيحي، وان الاختلاف بين الرأيين هو شكلي من حيث عدم تقدير الغرب للمعاني والقيم التي وردت في القرآن الكريم، والمبادئ والأسس التي بني عليها الإسلام وشخصية نبيه عليه السلام من خلال موقف الفكر الديني الغربي بخاصة والفكر الغربي العلماني بعامة من الإسلام ونبيه عليه السلام، وتقييمه غير المنصف للمقومات العقائدية التي استند اليها المجتمع المسلم من ناحية، وشعور الغرب عموماً تجاه المسلمين وفرض هيمنته وتعاليه وتسلطه على مقدراتهم وعدم احترامه لمقدساتهم، ونظرته تحديداً الى نبي الاسلام عليه السلام، سواء كانت النظرة عامة منبسطة ومبسطة، أو أكاديمية متخصصة من خلال الصورة النمطية السلبية والسيئة للعربي والمسلم التي رسختها أفلام السينما وباقي الفنون الغربية.
وبعد أن يستعرض نصوصاً متعددة ومختلفة، يصل الى محصلة مكونة من أمور ثلاثة:
أولها: هو انه وبغضّ النظر عن مفهوم الثقافة الغربية من حيث كونها مرتكزة على المسيحية كعقيدة دينية، أو بحسب أنها علمانية لا تعترف بدور للدين في الحياة، فقد نال الاسلام والنبي الكريم منها نصيباً وافياً من النقد السلبي، والتجريح الحاقد، وقليلاً جداً من الموضوعية والإنصاف.
ثانيها: هو أنه يخطئ من يظن أن الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول العظيم التي ظهرت في فترة سابقة في صحيفة دانماركية أو الفيلم الذي صدر مؤخراً عن حياته الخاصة، ومنع بناء المآذن في سويسرا هي أعمال مفاجئة وجديدة وغير مسبوقة في التاريخ الثقافي الغربي؛ فالسجل التاريخي الحافل بالتوتر الذي يسود العلاقة بين الغرب والإسلام يدل على أنه توتر قديم ومتجدد، طالما وجد من يستدعيه من أعماق التاريخ وينفخ في ناره ويحيي أوراها، وما الرسومات والفيلم ومنع رؤية المآذن تعلو المساجد سوى حلقة في سلسلة قائمة ومتصلة من سلاسل الشناءة والعداء الذي اتصف بعدم الموضوعية وبعدم الإنصاف وقلة الاحترام منذ بزوغ شمس الإسلام في القرن السابع الميلادي مروراً بالعصور الأوروبية الوسطى والحروب الصليبية وحتى العصر الحديث وما حفل به من أحداث متفجرة وحوادث متفرقة، وانتهاءً بتداعيات الهجومين الانتحاريين في نيويورك وواشنطن في سبتمبر 2001م. الذي لا يمكن لإنسان سويّ أو آدمي عاقل أن يبررهما ويقبل بقتل أبرياء لا ذنب لهم، وما تلى هذين الهجومين من ردود أفعال عنيفة وغير مبررة أيضاً تمثلت في احتلال أفغانستان والعراق ومحاصرة وتجويع الفلسطينيين وإذلالهم.
ثالثها: هو أن المرحلة التي يمر بها الاسلام اليوم في علاقته مع الغرب هي مرحلة حرجة وحساسة، حيث يعيش الاسلام مع أحداثها وبها ومن أجلها محناً وتحديات، ويتعرض فيها ومن خلالها لهجمات ضارية ومستفحلة بقيادة الصهيونية المسيحية شملت العقيدة والثقافة والقيم والمبادئ وشخصية المسلم المتمثلة في أعظم نموذج لها وهي شخصية النبي عليه الصلاة والسلام، والتي استشرت في عدائها للإسلام بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م.
لقد عمد الدكتور سفر عن سابق تصور وتصميم - الى انتقاء بعض الأقوال الإيجابية عن النبي الكريم عليه الصلاة والسلام لمفكرين وفلاسفة وأدباء من الغرب والشرق "لم تمتلئ قلوبهم بالحقد والشناءة والكراهية، ولم تطمس على أبصارهم الهجمات الشرسة ضد الإسلام ونبيه العظيم عبر التاريخ وحتى اليوم ". وذلك بهدف التأكيد "بأنه ما زال هناك مفكرون من الغرب ومن الشرق يمكن أن يوصفوا بالمحايدين أو في أحسن تقدير بالموضوعيين ؛ مما يحيي الآمال بإمكانية التعايش الحضاري بين الأمم بمختلف أديانها وفلسفاتها وبخاصة أمة الاسلام، بشرط أن يسود العدل والموضوعية والإنصاف واحترام المقدسات والأديان بين الجميع، وأن يرتكز الحوار بين الحضارات على أسس التعددية والاعتراف بالآخر". وهنا مرة جديدة يصبّ هذا الكتاب القيّم في مسيرة المبادرة البناءة والشجاعة لخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز.
لقد توصل الكاتب الدكتور محمود سفر الى قناعة بأنه لا يمكن الغوص في التراث الثقافي الغربي بحثاً عن الصورة التي رسمها للنبي محمد عليه السلام واضحاً ومجدياً وموضوعياً دون التعرض لموقف الغرب عموماً ومثقفيه ومفكريه خصوصاً من رسالة الاسلام، وهذا ما عمل على إبرازه في فصول الكتاب الثلاثة، وفي أكثر من مائتي صفحة، ليؤكد أخيراً على الأمل بأن يكون التعايش الحضاري واحترام الأديان والمقدسات أمراً ممكناً بشرط مواكبته للعدل واتسامه بالإنصاف وتعزيزه للموضوعية.