البناء
لم يكن مستغرباً أن يستضيف دير مار الياس في الكنيْسة في قضاء بعبدا خلوة تكتل التغيير والاصلاح، التي عقدت خدمة للمواطن وللاصلاح الاجتماعي والاقتصادي، بعكس ما حدث مع لقاء سيدة الجبل الذي دعا إليه فريق 14 آذار، حيث اعتذرت رئيسة راهبات عبرين عن استقبال اللقاء في الدير، إذ ابدت خشيتها من أن يتخذ اللقاء منحى سياسياً في ظل ما يحصل في المنطقة، وأن يكون موجهاً ضد البطريرك بشارة الراعي.
ولما كان "النجاح على جبهة السياسة والمقاومة مرتبطاً بشكل وثيق بالتقدم الملموس في مجالي الاقتصاد والإصلاحات"، فإن العماد ميشال عون أكد قبيل الخلوة التشريعية والتنظيمية التي نظمها "التكتل" في حضور نوابه ووزرائه ومستشارين وخبراء، أن المعطيات تدل على أن المسار المالي والاقتصادي هو مسار انحداري، معتبرا "أن الاقتصاد اللبناني هو ريعي وقد حوّل لبنان الى سوق استهلاكية".
ولفت الى "أن ميزانية هذا العام لم تتقيد اطلاقاً بالتوجيهات التي أُعطيت السنة الماضية لضبط الموازنة، مشددا على ضرورة عدم الاستمرار بالخطأ."
وقال: "نحن مجبرون اليوم على أن نعتمد الحلول الأفضل، ومن هنا يجب أن يفهم كل واحد لماذا سيقول نعم لحل معين أو لماذا سيقول كلا. نحن لم نأت إلى هنا كي نضيع الوقت، لذلك نتمنى على الجميع الإصغاء الكامل، حتى إذا أردنا أن ندافع عن موضوع ما، نعرف لماذا ندافع عنه، وإذا رفضناه نعرف لماذا نرفضه. وأعتقد أن أفضل أسلوب كي نصل إلى نتيجة هو أن نستعمل الأرقام. في لبنان هناك ثقافتان لا تستعملان كثيرا وهما ثقافة المكتوب وثقافة الأرقام التي تعطينا المؤشرات السليمة لخياراتنا وخصوصا تلك التي تتعلق بإدارة المال والحسابات، والمكتوب هو لتدوين كل ما قمنا به كي يكون لدينا المرجع الصالح وكي نعود إليه في الوقت المناسب ونقدر أن نناقشه".
ويؤكد جنرال الرابية من الكنيْسة "أن لا مقاومة من دون اصلاح ولا إصلاح من دون مقاومة، لأنهما يتكاملان. وإذا اعتقد أحدهم أنهما لا يتكاملان، فهو مخطئ. لأنه إن كان هناك مجتمع فاسد وحكم فاسد، فلا يمكن أن تستمر مقاومة. وإذا غابت المقاومة وحل محلها الاستسلام، فعندها يمكن لأي كان أن يحكم ويتحكم بالبلد. وحتى لا نعيش في هذا الخلاف الدائم، يجب أن نعلنه لنتمكن من الخروج منه. لا يمكننا فقط اعتماد موقف سياسي مؤات حتى نقول إن البلد "ماشي". كلا، البلد "يمشي" من خلال عمل وزارات المال والصحة والطاقة وكل الوزارات. إذن، لا للمزاجية ولا للمصالح الفردية. نحن كلنا نعرف المصلحة العامة، وإذا لم نتعامل معها بتجرد لا يمكن أن نتقدم".
وشدد العماد على "أن الحكومة ليست من لون واحد"، مشيرا الى "أنها تضم مجموعات عدة وكل مجموعة تختلف اولوياتها عن الأخرى".
محاوِر الخلوة
وتركزت الخلوة على عرض مشروع الموازنة بالشكل والمضمون. وتلته مناقشة عامة، ثم عرضت السياسة الاقتصادية والاجتماعية وانعكاسها على سياسة الاجور، ولا سيما شرح لمشروع الوزير شربل نحاس والاستفادة من إمكانية تطبيقه. وجرت مناقشة عامة شارك فيها خبراء وممثلون عن اصحاب العمل والعمال اضافة الى وزراء التكتل. كما تضمنت عرضاً للوسائل الآيلة الى تطوير عمل التكتل برلمانيا وحكوميا، وواقع الملفات والقضايا الانمائية، واقتراحات القوانين.
وعليه لا يستغرب أحد أن يناقش تكتل التغيير والاصلاح الموازنة، ولا سيما أن الموازنة التي قدمها وزير المال في الحكومة الميقاتية محمد الصفدي تعبر عن النظرية الاقتصادية للسياسة الحريرية منذ العام 1992 والتي سببت ما سببته من كوارث مالية على الدولة اللبنانة والمجتمع اللبناني .
وانطلاقاً من أن الموازنة الصفدية، وكما تسرب من بعض بنودها، أتت متطابقة مع موازنات وزراء المال منذ 1993 فؤاد السنيورة، جهاد أزعور، محمد شطح و ريا الحسن، وإذا استثنينا تجربتي الوزيرين الياس سابا ودميانوس قطار اللذين لم يتسن لهما الوقت لكي يباشرا أي خطوات اصلاحية، على اعتبار أن كليهما لم يستمر في منصبه أكثر من أربعة أشهر، فإن الوزير جورج قرم باشر في العام 1998 تنفيذ المشروع الاصلاحي الذي انطلق مع وصول العماد اميل لحود الى رئاسة الجمهورية وتشكيل الحكومة الأولى في عهده برئاسة الرئيس سليم الحص.
لكن الماكينة الإعلامية والسياسية المدعومة بالمال السياسي وضعت العراقيل والعقبات في طريق هذا المشروع، ولم تتورع عن إثارة النعرات الطائفية والمذهبية التي خدمت معارضي المشروع الإصلاحي وأوصلتهم الى ربح الانتخابات النيابية في العام 2000، وفق القانون المركب والمعد خصيصاً لهذا الغرض، الأمر الذي أعاد السنيورة الى وزارة المال ليستأنف سياسته التي أوصلت لبنان اليوم الى القعر الاقتصادي كما أوصلت أرقام الدين العام الى الفلك.
وعليه، فإن موازنة الصفدي جاءت لتؤكد عدم الإنماء المتوازن، والنظام الضريبي غير العادل الذي يثقل كاهل الفقير ويريح الغني، ونظرية الدين الاستهلاكي من دون مشاريع انتاجية، فضلا عن أنها لم تلق نظرة على تعزيز القطاع العام.
ولما كانت شؤون المواطن المعيشية من العامل والأجير الى الأستاذ محور اهتمام هذا الفريق البرتقالي، فإن الخلوة ضمت الى مقاعدها في دير مار الياس رئيس جمعية الصناعيين اللبنانيين نعمة افرام ورئيس رابطة التعليم الثانوي الرسمي حنا غريب والخبيرين جواد عدرا وتميم موسى، ورئيس الاتحاد العمالي العام غسان غصن الذي أكد رفضه بشكل كامل كل ما تقوله الهيئات الاقتصادية، مضيفاً: "نحن مع الحكومة في طروحاتها ونشدد على عدد من المطالب الأخرى، وليس هناك من تقارب بيننا وبين الهيئات الاقتصادية. عليهم ان يدفعوا الأجور ويلتزموا بقرارات الحكومة، واذا لم تكن هناك استجابة للمطالب فسنكرر الإضراب".
وكان برنامج الخلوة قد بدأ التاسعة صباحا بصلاة، وبكلمة ترحيبية للقَيِّمِ العام للرهبنة الأنطونية الأب إيلي نجار ممثل الأب العام الأباتي داوود رعيدي شدد فيها على "عمق العلاقة التي تربط بين عون والرهبنة الأنطونية المارونية"، مشيرا إلى أنها "تعود الى أكثر من خمسة وثلاثين عاما"، مشددا على "المحبة الكبيرة التي يكنها رهبان دير مار الياس للعماد ميشال عون خصوصا ولتكتل التغيير والإصلاح عموما".
وتابع متوجها إلى عون: "إن شاء الله بشفاعة مار الياس، شفيع هذا الدير ومار مخايل ملاكك الحارس ستبقى مجدا للوطن الذي تحمي مصالحه ومصالح شعبه وكلنا ثقة بعطائك وتضحياتك التي تبذلها كل يوم في سبيلنا".
العهد الثابت
والتقى المجتمعون الى مائدة الغداء مع رهبان الدير، حيث تحدث النائب العام للرهبنة الأنطونية الأب أنطوان راجح، مؤكدا أن "وجود العماد عون في دير للرهبنة الأنطونية ليس بحدث جديد، فهناك عهد مع العماد عون منذ زمن، وهذا العهد ثابت"، وقدم للعماد عون أيقونة بيزنطية لمار ميخائيل رئيس الملائكة وهي من عمل المعهد الفني الأنطوني، وقد صنعت خصيصا له".
ورد العماد عون بكلمة أكد فيها على العهد بينه وبين الرهبنة الانطونية "الذي يعود الى السنوات الصعبة"، مشددا على "أهمية الرجاء والإيمان في تخطي المصاعب ومقاربة المستحيل". وقال: الدير بالنسبة إلي يمثل الصفاء والهدوء. رهباننا كانوا يختارون دائما المواقع الجميلة والأرض الخصبة الخضراء أو التي خصبوها بأنفسهم ليبنوا عليها الأديرة وتجعلهم أقرب الى الله".
وتابع: "نحن اليوم، وإذا استذكرنا ما نعيشه في حياتنا العامة، نجد أنه لولا فضيلة الرجاء التي منحنا اياها الله لكنا أول اليائسين نظرا الى الحالة التي نعيشها. فكلما غرقنا أكثر في الحياة العامة كلما اكتشفنا حالة الاهتراء في هذا البلد، وحالة انعدام الوعي للمسؤولية العامة والمحافظة على المعايير التي يمكنها بناء المجتمع".
واردف: "عشنا اياما صعبة واجتزنا مراحل اعتبرها البعض مستحيلة، لكن، خط المستحيل لا نعرفه؛ فالمسيحية هي ديانة الاستحالة، واذا اراد المرء ان يكون مسيحيا حقيقيا فعليه ان يخرق خط الاستحالة، وهذا امر تقليدي في قلب كل مؤمن، ونحن مؤمنون وايماننا يدفعنا ويعطينا قوة مضاعفة، الايمان يضخم القوة فلا يعود المرء يحسب قيمة لا للعدد ولا للحجم، لا يحسب قيمة الا لحقه ووجوده وكرامته".
واكد "نحن في هذا التكتل اجتمعنا حول هذه القيم وحول محبة الوطن ولدينا نذرنا، قد لا يكون لدينا ما نورثه لأولادنا، لكننا نعد أولادنا وأحفادنا بأن نعمل في الفترة المتبقية من عمرنا لنسلمهم وطنا وان شاء الله نتمكن من ذلك".".
التوصيات
وفي ختام الخلوة، أذاع أمين سر التكتل النائب إبراهم كنعان التوصيات فأشار إلى "أن المجتمعين شددوا على الدور الفاعل للبرلمان وضرورة اضطلاع النواب بهذا الدور عبر المشاركة في اللجان النيابية والهيئة العامة للمجلس".
وأضاف كنعان: "كما شددت الخلوة على أهمية العمل الحكومي حيث أن التكتل شريك باقتراح المشاريع. وقرر المجتمعون العمل على تفعيل دور وزراء التكتل في الحكومة وفي الوزارات، ودعوا إلى إعطاء مشاريع القوانين أهمية قصوى ولا سيما في موضوع وضع قانون برنامج للطاقة والمياه".
وتابع كنعان: "اطّلع المجتمعون على مشروع موازنة 2012 فاستغربوا كيفية استمرار النهج السابق بالموازنات، حيث لم تشمل الموازنة القروض والهبات، كما أن الهيئات والصناديق لا تزال خارج الموازنة، وكذلك مسألة تفويض الحكومة بثلاثة أنواع من الاقتراضات دون التقيد بسقوف، وعدم وضع خطة عامة لوضع سياسة انمائية شاملة، واستمرار فرض الضرائب غير المباشرة مثل زيادة الـ tva، وعدم فرض أي رسم على الاملاك البحرية، وكذلك لحظ اعتمادات هزيلة لتسليح الجيش اللبناني بالرغم من المطالبة من اعضاء لجنة المال بوضع قانون برنامج لتسليح الجيش، (رغم أن وزير الدفاع الوطني فايز غصن الذي شارك في الخلوة أكد للمجتمعين أن قيادة الجيش أنجزت هذا القانون ـ البرنامج)، وعدم الأخذ بتوصيات لجنة المال والموازنة النيابية ولا سيما بما يتعلق بالصناديق الضامنة، كما أن الموازنة أوردت مسألة التعاقد خلافاً للقانون مع شركة خاصة للتدقيق في حسابات الدولة، وتخفيض الاعتماد المخصص لمعالجة ملف المهجرين، ولم تلحظ اعتماد مبالغ للاستملاك".
ولفت كنعان الى أنه "بعد المناقشة أوصى المجتمعون بتصويب الأمور هذه في مجلسي الوزراء والنواب، والعمل على تصحيح الموازنة ولا سيما ضرورة اقرار قانون برنامج لتسليح الجيش. وشددوا على ضرورة العمل لوضع قرارات لجنة المال والموازنة موضع التنفيذ. كما ناقشوا موضوع زيادة الأجور وغلاء المعيشة، وذكّروا بالقانون الذي يجيز للحكومة تحديد الحد الادنى كل سنتين، ثم اطّلعوا على سلسلة تشريعات مقترحة من "التكتل" التي لا يزال قسم منها عالقاً لأنها اقتراحات اصلاحية بامتياز من ضمان الشيخوخة الى فصل النيابة عن الوزارة.
كما ناقش المجتمعون موضوع القضاء، ولا سيما بعد ان أُقرت سلسلة رتب ورواتب جديدة للقضاة قادرة على استقطاب كفاءات عالية الى القضاء، والابقاء على القضاة الحاليين، وأوصوا بضرورة تحقيق استقلالية القضاء وإجراء التعديلات المناسبة على القضاءين العدلي والعسكري وتفعيل أجهزة المراقبة والمحاسبة داخل القضاء، وإنشاء الهيئة الوطنية للمفقودين.
كما ناقش المجتمعون موضوع تطوير وتفعيل السياحة في لبنان وما يتطلبه هذا الأمر من وسائل وإجراءات لمعالجة المعوقات التي تعترضه. وأوصوا بضرورة إيلاء المرافق والمعالم السياحية الاهتمام البالغ وتنشيط السياحة الدينية، وإعادة النظر بالنصوص النافذة التي ترعى السياحة وإحداث نصوص جديدة حيث تدعو الحاجة، وإطلاق المشاريع التي لا تتطلب تمويلا من المالية العامة.
واطلع المشاركون على الآليات والوسائل التي تؤدي الى تطوير عمل التكتل برلمانيا وحكوميا وشعبيا وقرروا اعتماد هذه الوسائل واتباع الآليات المذكورة، وتأليف لجان للدرس والتحضير ولجان للمتابعة والإعلام عن الانجازات تعمل تحت إشراف أمانة سر التكتل.
خلوة "التغيير والإصلاح" تأخذ على عاتقها تصحيح أخطاء الموازنة
البناء
لم يكن مستغرباً أن يستضيف دير مار الياس في الكنيْسة في قضاء بعبدا خلوة تكتل التغيير والاصلاح، التي عقدت خدمة للمواطن وللاصلاح الاجتماعي والاقتصادي، بعكس ما حدث مع لقاء سيدة الجبل الذي دعا إليه فريق 14 آذار، حيث اعتذرت رئيسة راهبات عبرين عن استقبال اللقاء في الدير، إذ ابدت خشيتها من أن يتخذ اللقاء منحى سياسياً في ظل ما يحصل في المنطقة، وأن يكون موجهاً ضد البطريرك بشارة الراعي.
ولما كان "النجاح على جبهة السياسة والمقاومة مرتبطاً بشكل وثيق بالتقدم الملموس في مجالي الاقتصاد والإصلاحات"، فإن العماد ميشال عون أكد قبيل الخلوة التشريعية والتنظيمية التي نظمها "التكتل" في حضور نوابه ووزرائه ومستشارين وخبراء، أن المعطيات تدل على أن المسار المالي والاقتصادي هو مسار انحداري، معتبرا "أن الاقتصاد اللبناني هو ريعي وقد حوّل لبنان الى سوق استهلاكية".
ولفت الى "أن ميزانية هذا العام لم تتقيد اطلاقاً بالتوجيهات التي أُعطيت السنة الماضية لضبط الموازنة، مشددا على ضرورة عدم الاستمرار بالخطأ."
وقال: "نحن مجبرون اليوم على أن نعتمد الحلول الأفضل، ومن هنا يجب أن يفهم كل واحد لماذا سيقول نعم لحل معين أو لماذا سيقول كلا. نحن لم نأت إلى هنا كي نضيع الوقت، لذلك نتمنى على الجميع الإصغاء الكامل، حتى إذا أردنا أن ندافع عن موضوع ما، نعرف لماذا ندافع عنه، وإذا رفضناه نعرف لماذا نرفضه. وأعتقد أن أفضل أسلوب كي نصل إلى نتيجة هو أن نستعمل الأرقام. في لبنان هناك ثقافتان لا تستعملان كثيرا وهما ثقافة المكتوب وثقافة الأرقام التي تعطينا المؤشرات السليمة لخياراتنا وخصوصا تلك التي تتعلق بإدارة المال والحسابات، والمكتوب هو لتدوين كل ما قمنا به كي يكون لدينا المرجع الصالح وكي نعود إليه في الوقت المناسب ونقدر أن نناقشه".
ويؤكد جنرال الرابية من الكنيْسة "أن لا مقاومة من دون اصلاح ولا إصلاح من دون مقاومة، لأنهما يتكاملان. وإذا اعتقد أحدهم أنهما لا يتكاملان، فهو مخطئ. لأنه إن كان هناك مجتمع فاسد وحكم فاسد، فلا يمكن أن تستمر مقاومة. وإذا غابت المقاومة وحل محلها الاستسلام، فعندها يمكن لأي كان أن يحكم ويتحكم بالبلد. وحتى لا نعيش في هذا الخلاف الدائم، يجب أن نعلنه لنتمكن من الخروج منه. لا يمكننا فقط اعتماد موقف سياسي مؤات حتى نقول إن البلد "ماشي". كلا، البلد "يمشي" من خلال عمل وزارات المال والصحة والطاقة وكل الوزارات. إذن، لا للمزاجية ولا للمصالح الفردية. نحن كلنا نعرف المصلحة العامة، وإذا لم نتعامل معها بتجرد لا يمكن أن نتقدم".
وشدد العماد على "أن الحكومة ليست من لون واحد"، مشيرا الى "أنها تضم مجموعات عدة وكل مجموعة تختلف اولوياتها عن الأخرى".
محاوِر الخلوة
وتركزت الخلوة على عرض مشروع الموازنة بالشكل والمضمون. وتلته مناقشة عامة، ثم عرضت السياسة الاقتصادية والاجتماعية وانعكاسها على سياسة الاجور، ولا سيما شرح لمشروع الوزير شربل نحاس والاستفادة من إمكانية تطبيقه. وجرت مناقشة عامة شارك فيها خبراء وممثلون عن اصحاب العمل والعمال اضافة الى وزراء التكتل. كما تضمنت عرضاً للوسائل الآيلة الى تطوير عمل التكتل برلمانيا وحكوميا، وواقع الملفات والقضايا الانمائية، واقتراحات القوانين.
وعليه لا يستغرب أحد أن يناقش تكتل التغيير والاصلاح الموازنة، ولا سيما أن الموازنة التي قدمها وزير المال في الحكومة الميقاتية محمد الصفدي تعبر عن النظرية الاقتصادية للسياسة الحريرية منذ العام 1992 والتي سببت ما سببته من كوارث مالية على الدولة اللبنانة والمجتمع اللبناني .
وانطلاقاً من أن الموازنة الصفدية، وكما تسرب من بعض بنودها، أتت متطابقة مع موازنات وزراء المال منذ 1993 فؤاد السنيورة، جهاد أزعور، محمد شطح و ريا الحسن، وإذا استثنينا تجربتي الوزيرين الياس سابا ودميانوس قطار اللذين لم يتسن لهما الوقت لكي يباشرا أي خطوات اصلاحية، على اعتبار أن كليهما لم يستمر في منصبه أكثر من أربعة أشهر، فإن الوزير جورج قرم باشر في العام 1998 تنفيذ المشروع الاصلاحي الذي انطلق مع وصول العماد اميل لحود الى رئاسة الجمهورية وتشكيل الحكومة الأولى في عهده برئاسة الرئيس سليم الحص.
لكن الماكينة الإعلامية والسياسية المدعومة بالمال السياسي وضعت العراقيل والعقبات في طريق هذا المشروع، ولم تتورع عن إثارة النعرات الطائفية والمذهبية التي خدمت معارضي المشروع الإصلاحي وأوصلتهم الى ربح الانتخابات النيابية في العام 2000، وفق القانون المركب والمعد خصيصاً لهذا الغرض، الأمر الذي أعاد السنيورة الى وزارة المال ليستأنف سياسته التي أوصلت لبنان اليوم الى القعر الاقتصادي كما أوصلت أرقام الدين العام الى الفلك.
وعليه، فإن موازنة الصفدي جاءت لتؤكد عدم الإنماء المتوازن، والنظام الضريبي غير العادل الذي يثقل كاهل الفقير ويريح الغني، ونظرية الدين الاستهلاكي من دون مشاريع انتاجية، فضلا عن أنها لم تلق نظرة على تعزيز القطاع العام.
ولما كانت شؤون المواطن المعيشية من العامل والأجير الى الأستاذ محور اهتمام هذا الفريق البرتقالي، فإن الخلوة ضمت الى مقاعدها في دير مار الياس رئيس جمعية الصناعيين اللبنانيين نعمة افرام ورئيس رابطة التعليم الثانوي الرسمي حنا غريب والخبيرين جواد عدرا وتميم موسى، ورئيس الاتحاد العمالي العام غسان غصن الذي أكد رفضه بشكل كامل كل ما تقوله الهيئات الاقتصادية، مضيفاً: "نحن مع الحكومة في طروحاتها ونشدد على عدد من المطالب الأخرى، وليس هناك من تقارب بيننا وبين الهيئات الاقتصادية. عليهم ان يدفعوا الأجور ويلتزموا بقرارات الحكومة، واذا لم تكن هناك استجابة للمطالب فسنكرر الإضراب".
وكان برنامج الخلوة قد بدأ التاسعة صباحا بصلاة، وبكلمة ترحيبية للقَيِّمِ العام للرهبنة الأنطونية الأب إيلي نجار ممثل الأب العام الأباتي داوود رعيدي شدد فيها على "عمق العلاقة التي تربط بين عون والرهبنة الأنطونية المارونية"، مشيرا إلى أنها "تعود الى أكثر من خمسة وثلاثين عاما"، مشددا على "المحبة الكبيرة التي يكنها رهبان دير مار الياس للعماد ميشال عون خصوصا ولتكتل التغيير والإصلاح عموما".
وتابع متوجها إلى عون: "إن شاء الله بشفاعة مار الياس، شفيع هذا الدير ومار مخايل ملاكك الحارس ستبقى مجدا للوطن الذي تحمي مصالحه ومصالح شعبه وكلنا ثقة بعطائك وتضحياتك التي تبذلها كل يوم في سبيلنا".
العهد الثابت
والتقى المجتمعون الى مائدة الغداء مع رهبان الدير، حيث تحدث النائب العام للرهبنة الأنطونية الأب أنطوان راجح، مؤكدا أن "وجود العماد عون في دير للرهبنة الأنطونية ليس بحدث جديد، فهناك عهد مع العماد عون منذ زمن، وهذا العهد ثابت"، وقدم للعماد عون أيقونة بيزنطية لمار ميخائيل رئيس الملائكة وهي من عمل المعهد الفني الأنطوني، وقد صنعت خصيصا له".
ورد العماد عون بكلمة أكد فيها على العهد بينه وبين الرهبنة الانطونية "الذي يعود الى السنوات الصعبة"، مشددا على "أهمية الرجاء والإيمان في تخطي المصاعب ومقاربة المستحيل". وقال: الدير بالنسبة إلي يمثل الصفاء والهدوء. رهباننا كانوا يختارون دائما المواقع الجميلة والأرض الخصبة الخضراء أو التي خصبوها بأنفسهم ليبنوا عليها الأديرة وتجعلهم أقرب الى الله".
وتابع: "نحن اليوم، وإذا استذكرنا ما نعيشه في حياتنا العامة، نجد أنه لولا فضيلة الرجاء التي منحنا اياها الله لكنا أول اليائسين نظرا الى الحالة التي نعيشها. فكلما غرقنا أكثر في الحياة العامة كلما اكتشفنا حالة الاهتراء في هذا البلد، وحالة انعدام الوعي للمسؤولية العامة والمحافظة على المعايير التي يمكنها بناء المجتمع".
واردف: "عشنا اياما صعبة واجتزنا مراحل اعتبرها البعض مستحيلة، لكن، خط المستحيل لا نعرفه؛ فالمسيحية هي ديانة الاستحالة، واذا اراد المرء ان يكون مسيحيا حقيقيا فعليه ان يخرق خط الاستحالة، وهذا امر تقليدي في قلب كل مؤمن، ونحن مؤمنون وايماننا يدفعنا ويعطينا قوة مضاعفة، الايمان يضخم القوة فلا يعود المرء يحسب قيمة لا للعدد ولا للحجم، لا يحسب قيمة الا لحقه ووجوده وكرامته".
واكد "نحن في هذا التكتل اجتمعنا حول هذه القيم وحول محبة الوطن ولدينا نذرنا، قد لا يكون لدينا ما نورثه لأولادنا، لكننا نعد أولادنا وأحفادنا بأن نعمل في الفترة المتبقية من عمرنا لنسلمهم وطنا وان شاء الله نتمكن من ذلك".".
التوصيات
وفي ختام الخلوة، أذاع أمين سر التكتل النائب إبراهم كنعان التوصيات فأشار إلى "أن المجتمعين شددوا على الدور الفاعل للبرلمان وضرورة اضطلاع النواب بهذا الدور عبر المشاركة في اللجان النيابية والهيئة العامة للمجلس".
وأضاف كنعان: "كما شددت الخلوة على أهمية العمل الحكومي حيث أن التكتل شريك باقتراح المشاريع. وقرر المجتمعون العمل على تفعيل دور وزراء التكتل في الحكومة وفي الوزارات، ودعوا إلى إعطاء مشاريع القوانين أهمية قصوى ولا سيما في موضوع وضع قانون برنامج للطاقة والمياه".
وتابع كنعان: "اطّلع المجتمعون على مشروع موازنة 2012 فاستغربوا كيفية استمرار النهج السابق بالموازنات، حيث لم تشمل الموازنة القروض والهبات، كما أن الهيئات والصناديق لا تزال خارج الموازنة، وكذلك مسألة تفويض الحكومة بثلاثة أنواع من الاقتراضات دون التقيد بسقوف، وعدم وضع خطة عامة لوضع سياسة انمائية شاملة، واستمرار فرض الضرائب غير المباشرة مثل زيادة الـ tva، وعدم فرض أي رسم على الاملاك البحرية، وكذلك لحظ اعتمادات هزيلة لتسليح الجيش اللبناني بالرغم من المطالبة من اعضاء لجنة المال بوضع قانون برنامج لتسليح الجيش، (رغم أن وزير الدفاع الوطني فايز غصن الذي شارك في الخلوة أكد للمجتمعين أن قيادة الجيش أنجزت هذا القانون ـ البرنامج)، وعدم الأخذ بتوصيات لجنة المال والموازنة النيابية ولا سيما بما يتعلق بالصناديق الضامنة، كما أن الموازنة أوردت مسألة التعاقد خلافاً للقانون مع شركة خاصة للتدقيق في حسابات الدولة، وتخفيض الاعتماد المخصص لمعالجة ملف المهجرين، ولم تلحظ اعتماد مبالغ للاستملاك".
ولفت كنعان الى أنه "بعد المناقشة أوصى المجتمعون بتصويب الأمور هذه في مجلسي الوزراء والنواب، والعمل على تصحيح الموازنة ولا سيما ضرورة اقرار قانون برنامج لتسليح الجيش. وشددوا على ضرورة العمل لوضع قرارات لجنة المال والموازنة موضع التنفيذ. كما ناقشوا موضوع زيادة الأجور وغلاء المعيشة، وذكّروا بالقانون الذي يجيز للحكومة تحديد الحد الادنى كل سنتين، ثم اطّلعوا على سلسلة تشريعات مقترحة من "التكتل" التي لا يزال قسم منها عالقاً لأنها اقتراحات اصلاحية بامتياز من ضمان الشيخوخة الى فصل النيابة عن الوزارة.
كما ناقش المجتمعون موضوع القضاء، ولا سيما بعد ان أُقرت سلسلة رتب ورواتب جديدة للقضاة قادرة على استقطاب كفاءات عالية الى القضاء، والابقاء على القضاة الحاليين، وأوصوا بضرورة تحقيق استقلالية القضاء وإجراء التعديلات المناسبة على القضاءين العدلي والعسكري وتفعيل أجهزة المراقبة والمحاسبة داخل القضاء، وإنشاء الهيئة الوطنية للمفقودين.
كما ناقش المجتمعون موضوع تطوير وتفعيل السياحة في لبنان وما يتطلبه هذا الأمر من وسائل وإجراءات لمعالجة المعوقات التي تعترضه. وأوصوا بضرورة إيلاء المرافق والمعالم السياحية الاهتمام البالغ وتنشيط السياحة الدينية، وإعادة النظر بالنصوص النافذة التي ترعى السياحة وإحداث نصوص جديدة حيث تدعو الحاجة، وإطلاق المشاريع التي لا تتطلب تمويلا من المالية العامة.
واطلع المشاركون على الآليات والوسائل التي تؤدي الى تطوير عمل التكتل برلمانيا وحكوميا وشعبيا وقرروا اعتماد هذه الوسائل واتباع الآليات المذكورة، وتأليف لجان للدرس والتحضير ولجان للمتابعة والإعلام عن الانجازات تعمل تحت إشراف أمانة سر التكتل.