الاتفاق على أي نظام يلائم لبنان يمهّد لقيام دولة مدنيّة يحكمها الأكفاء

اميل خوري

النهار

ترى أوساط سياسية أن اللبنانيين سيظلون مختلفين على كل موضوع أساسي ما لم يتفقوا على أي نظام يريدون لوطنهم. وهذا الخلاف ليس بين المسيحيين والمسلمين فحسب، بل داخل كل طائفة لان لكل فئة فيها نظرة مختلفة الى هذا النظام. وعندما يتم التوصل الى اتفاق على اي لبنان نريد وعلى اي نظام، لا يعود عندئذ خلاف على قانون الانتخابات النيابية ولمصلحة من يكون، ولا على فوز مرشحين مسيحيين بأصوات مسلمين، وفوز مرشحين مسلمين بأصوات مسيحيين لأن لبنان الذي يريدون لا يعود خلاف عليه، بل يصير في الإمكان إلغاء الطائفية السياسية في كل الوظائف والمناصب لتصبح الكفاية والأهلية والنظافة معيار التعيين فيها وليست حصص المذاهب.
عند نيل لبنان الاستقلال عام 1943 كان المسيحيون يحرصون على التمسك بالمناصب العليا في الدولة لأنهم كانوا يخافون إذا تسلّمها المسلمون أن يحققوا الوحدة مع سوريا نظراً الى ضعف إيمانهم يومذاك بكيان لبنان. وعندما أصبح الايمان بهذا الكيان راسخاً وقوياً عند المسيحيين والمسلمين اتفقوا على توزيع هذه المناصب في ما بينهم، وعندما يتفقون على أي لبنان يريدون وعلى أي نظام، فلا تعود المناصفة مشكلة ولا قانون الانتخابات النيابية وتقسيم الدوائر ولا اعتماد النظام الاكثري او النظام النسبي. ولكن عندما يستمر الخلاف على هذا اللبنان بحيث تنحاز فئة الى هذا المحور او ذاك، فمن الطبيعي ان يصير التزاحم على المناصب وعلى عدد المقاعد الوزارية والنيابية.
الواقع أن ما يطمئن المسيحيين بجعلهم لا يشعرون بالخوف أو بالغبن هو إقامة الدولة والكيان والمحافظة عليه وتثبيت نهائيته وتأكيد حضورهم فيه، ورفض مقولة الحماية لأي فئة لأن الدولة القوية القادرة والعادلة هي التي تحمي الجميع وليس ان تقيم كل طائفة وطناً لها ودولة، ولا أن تتفرّد جماعة بحمل السلاح والاستقواء بالخارج فلا يعود القرار للدولة. وعندما لا يكون هذا اللبنان وهذه الدولة، فلا احد يكون مطمئنا في وطنه لا المسيحي ولا المسلم.
إن دخول اللبنانيين في صراع المحاور هو الذي يفرّقهم ويجعلهم أتباعاً لهذا المحور أو ذاك، كما هي حالهم اليوم، ويصير من مصلحة اللبنانيين المنحازين الى اي من المحورين العمل بشتى الوسائل لكسب الاكثرية التي تؤيد موقف فئة منهم ضد فئة اخرى، وهذا ينعكس على المواقف السياسية الداخلية وعلى قانون الانتخابات ولمصلحة من يكون، فمناصرو اي محور يهمهم ان يفوزوا بأكثرية نيابية تؤيد ما يؤيدون، وهو ما حصل في انتخابات 2005 و2009 عندما اعتبرت قوى 14 آذار ان فوزها بالاكثرية في كلا الدورتين هو فوز لخطها السياسي المناهض للمحور السوري - الإيراني الذي تسير فيه قوى 8 آذار، وما لم يتفق اللبنانيون مسيحيين ومسلمين على الخروج من صراع المحاور التي يتألف منها مجلس النواب لأنها اكثرية تكون مع هذا المحور أو ذاك.
لقد سبق للبطريرك الراعي عندما كان مطرانا ان تحدث الى قناة "الجزيرة" فقال: "إن المسيحيين في لبنان، موالين ومعارضين، باتوا أتباعاً في قوى 8 أو 14 آذار وكأن دور المسيحيين كقادة قد سقط، وهم مختلفون مع بعضهم على حساب غيرهم وينقسمون بين هذه القوى، تيار منهم مع محور وتيار مع محور آخر "فتفرفط" المسيحيون وضاعوا، حتى ان المسيحيين في هذا المحور بات يكره اخاه في المحور الآخر". وتابع: "لقد وقع التشرذم المسيحي واضاع المسيحيون كلمتهم فلم يعد لهم الرأي الوزان، وبدل ان يكونوا "متبوعين" صاروا تابعين في حين عليهم ان يلعبوا دور الرابط بين الشيعة والسنّة وان يكونوا اصدقاء الجميع".
لذلك ترى الاوساط نفسها ان المسيحيين كانوا اقوياء وسبّاقين عندما قادوا معركة الثقافة العربية في مواجهة التتريك وعندما شكّلوا جسر تواصل بين الشرق والغرب من خلال مدارسهم وجامعاتهم ودور نشرهم ومستشفياتهم وعقولهم النيرة في مختلف الحقول، وعندما اسسوا دولة الاستقلال مع شركائهم المسلمين وأكدوا هوية لبنان العربية رافضين فكرتين: إبقاء الانتداب الفرنسي والوحدة مع سوريا، وعندما تعاطفوا مع قضية فلسطين واحتضنوا إخوانهم الفلسطينيين في ربوع لبنان، وعندما دعموا المقاومة ضد الاحتلال الاسرائيلي لجنوب لبنان حتى عام 2000 وتحوّلوا رأس حربة ضد الوجود السوري حتى عام 2005، وعندما قادوا مع اخوانهم المسلمين اكبر انتفاضة سلمية في تاريخ المنطقة العربية في 14 آذار 2005.
الى ذلك، فكما توصل المسيحيون مع اخوانهم المسلمين الى انشاء لبنان الكبير بعيدا من الهواجس الديموغرافية وتوصلوا الى نيل الاستقلال عام 1943 بإنهاء الانتداب الفرنسي، ثم عام 2005 الى استعادة الاستقلال والسيادة بانهاء الوصاية السورية عليه، فإن عليهم الاتفاق على نظام للبنان تقوم فيه دولة قادرة على حماية الاستقلال والكيان والمحافظة عليهما بعيدا من الانحياز لـ"شرق او غرب" ومن صراع المحاور وذلك دفاعاً عن العيش المشترك وتحصينا للوحدة الداخلية ورفضاً لفكرة الأقليات الباحثة عن حمايات.