عبدالله زغيب
السفير
عندما قتلت الحرب الأهلية في اليمن الجنوبي العام 1986 قادة من الصف الأول في "الجبهة القومية"، ومن "الحزب الاشتراكي" بعدها، ومن ابرزهم الرئيس السابق عبد الفتاح إسماعيل وعلي عنتر وعلي شايع هادي، انطلقت في عدن سلسلة هزات ارتدادية ساهمت في رسم مستقبلها السياسي لنحو عقد كامل. هكذا، كان الدم دوماً أقصر الطرق إلى قراءة المقبل من احداث الساحة وطبيعة موازينها هناك. وبحساب الموت والهروب والبقاء، رسمت خريطة عدن السياسية. فعلي ناصر محمد غادر الى صنعاء، ونجا من الموت الثنائي علي سالم البيض وحيدر أبو بكر العطاس. وبحسب عبارة وقتها للمناضل اليمني الراحل سالم صالح محمد اليافعي، فإن "الشجرة اهتزّت". وفي حركة التشبث والسقوط ما بعد الاهتزاز، ظهرت مكامن الضعف وفتحت الابواب امام قنوات الانخراط القادم من الخارج، والمشروع "الوطني" هناك، بمعزل عن الموقف المستند الى المصلحة "القومية" منه، تحوّل الى بنيان سياسي ضعيف، ابتُلع فور انهيار الحليف السوفياتي القوي.
اليوم، وقبل الغوص في هوية صاحب الصرخة الاولى في لعبة عض الاصابع حتى العظم، التي استمرت في اليمن منذ سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء، ثم دخول السعودية في الصراع الداخلي، ربما كان يجب أن يُسلّط الضوء على الحدث صاحب الدلالة الأثقل الذي مهد الدم الطريق أمامه. فتعيين عيدروس الزبيدي محافظاً لعدن ليس أمراً عادياً، خاصة في الزمان والمكان والدلالة والتوقيت. فلم يكن عيدروس الزبيدي الشاب ليتصور العام 1994 انه سيكون عنواناً لمرحلة تتناقض كلياً مع ما بنى على أساسه سيرة ذاتية، قوامها القتال الدائم في سبيل "تحرير" المحافظات الجنوبية اليمنية وإعلانها دولة مستقلة مرة أخرى تحت مسمى "دولة الجنوب العربي". ولم يكن قادة "الحراك الجنوبي"، ربما، ليتصوروا ايضاً بأن زعيم "عسكرهم" بعدما تخلّوا عن سلميّتهم، قد يصبح جزءاً أساسياً من حركة اعادة "الشرعية" للسلطة في صنعاء، مروراً بعدن.
ببساطة وسلاسة، مرت قضية تعيين عيدروس الزبيدي محافظاً لعدن، وشلال شايع مديراً لأمنها أو لشرطتها. فكل شيء ممكن في اليمن وفي وقت قياسي. إذ أُضيف إلى التغيير هذا اعلان الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي طلب وقف إطلاق النار تزامناً مع انطلاق الحوار مطلع الاسبوع المقبل. وهذه قضية ثانية، لكنها شديدة الارتباط بدلالات الأولى. ففي نهاية المطاف، أصبح المعسكر الداخلي الناشط في مواجهة صنعاء، الأغزر انتاجاً للتناقضات اليمنية التي اعتادها الجميع، ربما باستثناء الاعتياد على صدمة اللحظة السابقة لإطلاق عجلات القراءة والتحليل، والخروج بصورة أكثر ارتباطاً بمنطق الواقع هناك أو ربما "واقع المنطق".
اغتيال محافظ عدن اللواء جعفر سعد في السادس من كانون الاول الجاري، شكل انطلاقة جديدة للحراك السياسي في قلب الحالة الجنوبية اليمنية. فالرجل المغدور هنا على يد تنظيم "الدولة الإسلامية" شكّل حالة فارقة وخارجة عن نسق التصدير السياسي الجنوبي طوال فترة ما قبل حرب "عاصفة الحزم". اللواء الراحل في نهاية المطاف كان من العسكر السابقين المقرّبين من "الحراك الجنوبي" وشكل بعد تعيينه شماعة لقادة "العاصفة" في سبيل إطلاق حملة استدراج عروض لاستقدام "الحراكيين" الى قلب المعسكر الراضي بشعار الشرعية، وما يحمله من انسلاخ عن عناوين سابقة وعلى رأسها "استقلال" الجنوب وعودته الى حدود ما قبل ارتباط العام 1990. وقبول عيدروس للمنصب الجديد لا يمكن أن ينفصل بأي حال من الأحوال عن هذه القضية.
الزبيدي وقبل شهور عدة، وبعد أيام من سقوط عدن بيد الجماعات المسلحة المناوئة للحوثيين والجيش اليمني، عرض على وكلاء المدينة الجدد، وبالتحديد قيادة القوات المسلحة الاماراتية، خطة أمنية وصفها بالمتكاملة للحفاظ على امن المدينة، على أن يتولاها عناصر "الحراك الجنوبي" المسلح، مهما تطلب الأمر من مواجهات محتملة خاصة مع "أنصار الشريعة" وعناصر متطرفة أخرى. وقد شكل الرفض الإماراتي وقتها انعكاساً مباشرة للرغبة السعودية في الإبقاء على مفهوم "الشرعية" عنواناً اساساً في القرارات الأمنية والسياسية المصاحبة للعمليات العسكرية. وكان الأمر جلياً في إصرار السعوديين على عدم دمج عشرات آلاف المقاتلين الجنوبيين ممن فصلهم عبدربه منصور هادي عن الجيش اليمني عندما اصبح نائبا للرئيس بعد هزيمة الزعيم الجنوبي علي سالم البيض في حربه مع صنعاء العام 1994، برغم الحاجة الشديدة لهؤلاء. لذلك بقيت العناصر الخليجية والمرتزقة، إضافة إلى القاعدة، الجسد البشري الاساسي في ما سُمّي "المقاومة الجنوبية"، برغم أن "الحراك"، على الاقل في منطقة الضالع، تولى بمعزل عن الجميع قتال الجيش اليمني، وحقق إنجازات "مرحلية"، عاد اليوم ليدافع عنها ضد الهجمات "الشمالية" المضادة.
انضمام عيدروس الزبيدي اليوم إلى جانب شلال شايع لتركيبة نظامية لها ارتباط بصنعاء بشكل من الأشكال، أو انها تتجه لإعادة الاندماج مجدداً مع صنعاء في أي تخريجة ممكنة، يعني خروج الاول والثاني ومعهم آخرون من "الحراك" على كل ما جرّوا في سبيله من شبان في يافع والضالع وأبين ومناطق الجنوب الأخرى. فاليوم نجحت السعودية بسلخ القاعدة عن رأس الهرم السياسي، من دون الحاجة لتطويع علي سالم البيض أو علي ناصر محمد في عملية سياسية مشتركة لتثقيل وزن عبدربه منصور هادي على كرسي التفاوض، وتحويل عملية إعادة هيكلة الحياة السياسية ما بعد العاصفة، ان انتهت قريباً، الى "عرس وطني" أو طائف يمني يشارك فيه الجميع، ويؤسس لمرحلة متناقضة أخرى، بمعزل عن الأثمان التي ستُدفع في سبيل إقامتها.
الحوار التالي لوقف إطلاق النار المفترض شكل إعلاناً نهائياً من خلال تسليم مفاتيحه لعبد ربه منصور هادي، عن توحيد للعسكر المنخرطين في قتال صنعاء وراء الرجل، أو بمعنى آخر من خلف رعاته الإقليميين. هكذا تتمكن الرياض من تطويع "اللجان الشعبية" التابعة لهادي، وتتمكن الإمارات من تطويع العناصر المسلحة التابعة لـ"الحراك الجنوبي"، وتتمكن قطر من تطويع "الإخوان" عبر فرعهم "الإصلاحي"، بما يعني انقلاباً حقيقياً على النخبة السياسية الجنوبية، النخبة التي غزت ساحات خور مكسر في قلب عدن طوال الحركة الاحتجاجية ما قبل أيلول من العام 2014. وهي النخبة التي "ناضلت" تحت عنوان ثقيل مطالب بالانفصال، وآخر مدجّن مطالب بالحكم الذاتي أو الفدرالي. وهكذا تنجح الرياض على الأقل نظرياً في اعادة البلاد، أو البدء بمحاولة إعادتها إلى مرحلة المبادرة الخليجية التي هندستها إلى جانب دول عربية أخرى وأقطاب محلية، في اعقاب "ثورة الشباب" وما رافقها من عنف كاد يودي بحياة الرئيس السابق علي عبدالله صالح في عملية مسجد النهدين الشهيرة، في الثالث من حزيران العام 2011.
اليوم، وقبل الغوص في هوية صاحب الصرخة الاولى في لعبة عض الاصابع حتى العظم، التي استمرت في اليمن منذ سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء، ثم دخول السعودية في الصراع الداخلي، ربما كان يجب أن يُسلّط الضوء على الحدث صاحب الدلالة الأثقل الذي مهد الدم الطريق أمامه. فتعيين عيدروس الزبيدي محافظاً لعدن ليس أمراً عادياً، خاصة في الزمان والمكان والدلالة والتوقيت. فلم يكن عيدروس الزبيدي الشاب ليتصور العام 1994 انه سيكون عنواناً لمرحلة تتناقض كلياً مع ما بنى على أساسه سيرة ذاتية، قوامها القتال الدائم في سبيل "تحرير" المحافظات الجنوبية اليمنية وإعلانها دولة مستقلة مرة أخرى تحت مسمى "دولة الجنوب العربي". ولم يكن قادة "الحراك الجنوبي"، ربما، ليتصوروا ايضاً بأن زعيم "عسكرهم" بعدما تخلّوا عن سلميّتهم، قد يصبح جزءاً أساسياً من حركة اعادة "الشرعية" للسلطة في صنعاء، مروراً بعدن.