مارون أو القديس مارون أو مار مارون كما هو شائع, هو ناسك وراهب وكاهن عاش في شمال سوريا خلال القرن الرابع، يعتبر واحدًا من أشهر الشخصيات السوريّة السريانية الكنسية، لكونه يرتبط مع الكنيسة السريانية الأنطاكية المارونية التي تعتبره مؤسسًا وشفيعًا وأبًا.
كلمة مارون في اللغة السريانية تصغير للفظة "مار" والتي تعني السيّد، والتي بدورها تصغير عن لفظة "موران" والتي تعني "سيد السادة أو السيد الأكبر" وتستخدم في اللغة السريانية كإحدى ألقاب الله.
وتعتبر شهادة أسقف المنطقة التي تنسك بها مار مارون ثيودوريطس المرجع الأساسي الوحيد عنه؛ أغلب الباحثين الموارنة والغير الموارنة يجعلون مارون رئيسًا للرهبان والنساك في منطقة سوريا الشمالية، وذلك استنادًا إلى ثيودوريطس ذاته حين يقول: إن أكثر النساك في منطقة قورش ساروا على طريق مارون الناسك ملتزمين به. هناك أيضًا من يشير إلى أن مار مارون كان المسؤول الأول عن نشر المسيحية في شمال سوريا، فمن المعروف أن الوثنية كانت قوية الجذور تلك النواحي بداية القرن الخامس في حين أن ثيودوريطس نفسه يذكر في رسالة بعث بها إلى البابا ليون الكبير (440 -461) أنه يتولى شؤون ثمانمائة كنيسة، أي أن أغلب سكان المنطقة قد اعتنقوا المسيحية.
تعددت الأماكن المقترحة لتنسك مار مارون وتوسعت رقعتها الجغرافية، فهي تبدأ من منطقة الهرمل في شمالي لبنان، وتتجه شمالاً نحو أفاميا ثم جبل سمعان جنوبي غربي حلب، أو كما عبّر البطريرك الدويهي "في القورشيّة" دون أن يحدد مكانًا خاصًا لها. وقد ساهم في تعقيد الموضوع الخلط الذي حدث لدى البعض المؤرخين في الشأن الماروني بين ضريح القديس مارون الذي تحوّل إلى مزار ومركز حج في المنطقة، ودير القديس مارون. فمثلاً، يعتقد المطران الدبس أن الضريح قد تحوّل إلى دير. حسم الجدل مؤخرًا بعد جهود وزارة السياحة السوريّة، وبالتعاون مع أبرشية حلب المارونيّة، إضافة إلى بعثتي تنقيب من الولايات المتحدة الإمريكية منذ 1999، بشأن مكان التنسك ومكان الضريح، بتحديد مكان التنسك في كالوتا والضريح في براد، وهو ما قامت البطريركية المارونية بتثبيته رسميًا عام 2010.
كان الأب بطرس ضو هو أول من أشار إلى براد عام 1970، إلا أن تعذر المواصلات وصعوبة الطريق في تلك المنطقة حال دون بدء التنقيب مباشرة، تجددت الدعوات خلال عام 1990 ثم أخذت تلقى تجاوبًا بمنحى إطرادي، حتى تم افتتاح الطريق السريع للمواصلات بين حلب وبراد عام2003 بناءً على طلب أبرشية حلب المارونية.
وقد ذكر ثيودوريطس إنّه "بعد وفاة مار مارون قامت معركة عنيفة بين السكّان المجاورين للاستيلاء على جثمانه، وكانت الغلبة لبلدة متاخمة مكتظّة بالسكّان." وهو ما ينطبق فعليًا على براد التي كانت مركزًا إداريًا في سوريا الشماليّة، ويقع على بعد 3 كم جنوبها مرتفع جبلي عرف باسم "قلعة كالوتا"، يحوي آثارًا مسيحية ووثنية عديدة. فضلاً عن ذلك، فإن الآثار المكتشفة في براد تتفق مع الطرق التي كان المسيحيون في سوريا الشماليّة يكرمون بها قديسيهم، وسوى ذلك أيضًا فإن كنيسة براد، وهي ثاني أكبر كنيسة في الشمال السوري برمته بعد كنيسة القديس سمعان العمودي في حلب وقد بنيت حوالي عام 402، وألحق بها مدفن خاص وكنيسة صغيرة للمدفن بني حوالي عام410، وهو العام الذي توفي به مار مارون. وما يزيد الأمر حسمًا أن مار مارون هو القديس الوحيد الذي توفي في القورشيّة خلال تلك الفترة، ولقد بنيت بجانب الكنيسة، كنيسة ثالثة أصغر حجمًا عام 561، وهو ما يدل على استمرار النشاط في المنطقة، إلا أنه ورغم هذه الأدلة لم يجد المنقبون بعد كتابة أو نقش واضح يشير إلى هوية الكنيسة أو هوية الضريح المقام، فتتصف الأدلة المقدمة بكونها أدلة توافقية وليست قطعية، ما حدا بالبعض إلى انتقاد المشروع. بيد أن عمليات التنقيب لم تتوقف ولا تزال مستمرة حتى اليوم، ما يعطي الأمل بمزيد من المكتشفات في المستقبل.
ذخائر مار مارون
ينقل التقليد الماروني دون الاستناد إلى مرجع أو وثيقة، أن ذخائر مار مارون قد تم نقلها من براد إلى دير مار مارون المشيّد في أفاميا، ويذكر البطريرك الدويهي استنادًا إلى وثائق ومخطوطات مكتبة الصرح البطريركي الماروني في بكركي، وأن مار يوحنا مارون لدى انتقاله إلى لبنان، أخذ هامة القديس مارون معه وشيّد لها هناك ديرًا وكنيسة، أسماهما ريش موارن أي رأس مارون بسبب وضع هامته هناك، وينعت الدويهي الهامة بأنها "مانحة للشفاء".
خلال الحقبة الصليبية نقل أحد الرهبان البندكتيين هامة القديس من البترون إلى إيطاليا عام 1130، فأودعت في مدينة فولينيو الإيطاليّة، حيث بنيت على اسم القديس مارون هناك كنيسة، ثم أعيد نقل الهامة من الكنيسة إلى مركز أسقفية المدينة عام 1194، وقام المسؤولون هناك بإيداعها تمثالاً صغيرًا من الفضة يمثل صورة وجه القديس، ويقول المطران يوسف الدبس، أنه خلال مروره بالمدينة عام 1887، قدّم له أسقفها ذخيرة من الهامة.
بناءً على طلب من البطريركيّة المارونيّة، أعيد نقل الهامة من إيطاليا إلى لبنان عام 1999، حيث أودعت في دير ريش موارن، من جديد.
بشكل عام، اعتادت الكنيسة أن تقيم تذكار قديسيها يوم وفاتهم، أو وفق المعنى الكنسي، يوم ولادتهم في السماء، إلا إذا تضاربت ذكرى وفاة هؤلاء مع أعياد كنسيّة هامة، فتقيم ذكراهم في يوم تلقيهم رسامتهم الكهنوتيّة أو الرهبانية، لذلك فإن العيد الأول للقديس مارون، وهو في 14 شباط، والذي لا يزال معتمدًا حتى اليوم في الكنيسة الرومانية الكاثوليكية وسائر الكنائس التي تبجله، قد يكون يوم وفاته أو يوم رسامته الكهنوتيّة، ومن المحتمل أن يكون الموارنة حتى القرن السابع قد اتخذوا من 14 شباط عيدً وذكرى للقديس مارون.
يذكر المطران يوسف الدبس، أن مار يوحنا مارون، عندما انتقل إلى لبنان في الهزيع الأخير للقرن السابع، نقل معه هامة القديس مارون، ووصل إلى البترون في 5 كانون الثاني فشرع الموارنة بالاحتفال بعيد القديس مارون في ذلك اليوم. حسب التقليد الماروني أيضًا، فإنه عند وفاة مار يوحنا مارون شرع الموارنة بالاحتفال بذكراه في 9 شباط، وهو تاريخ تدشين الكنيسة والدير الذي شيده في كفرحي لدى وصوله إليها، ومن ثم دمجت الكنيسة بين عيدي القديسين في يوم واحد هو 9 شباط، كما يظهر في الكتب الليتورجية المارونية. لاحقًا في القرن الثامن عشر نقلت البطريركية المارونية عيد مار يوحنا مارون إلى 2 آذار، وهو ما اعتبر بحسب التقليد الماروني تاريخ وفاته، وإبقاء تاريخ 9 شباط لتذكار مار مارون وحده، وهو ما لا يزال متبعًا حتى اليوم.