جاء في صحيفة "السفير": في مطلع القرن الثامن عشر، شهد الجبل «مذبحة» بين القيسيين واليمنيين، انتهت إلى تهجير الفريق الثاني إلى جبل الدروز في سوريا، وخسارة أبناء الطائفة الكثير من امتيازاتهم ونفوذهم.
بالأمس، ذكّر رئيس «حزب التوحيد العربي» وئام وهاب، زعيم المختارة وليد جنبلاط بتلك الواقعة، ليس من باب تحذيره، كما يقول، وإنما خوفاً من أن يعيد التاريخ نفسه، ويدفع الموحّدون الدروز المزيد من الأثمان الباهظة.
باختصار، لا يريد وليد جنبلاط أن «يصلّي على النبي»، وفق أحد منتقديه في «البيت الدرزي». نأى بنفسه عن كلّ معارك الداخل اللبناني. أهمل الخصوم كما الحلفاء. لم يعد يؤرقه سلاح «حزب الله»، ولو مؤقتاً. تعالى فوق الانقسامات الحكومية وعقدها المستعصية. جمّد «القنص» على «خطوط التماس» مع شركائه «البرتقاليين»... وفرّغ أجندة اهتماماته للشأن السوري. قضيته المركزية في هذه الأيام الى الدرجة التي اعتقد فيها أنه بمقدوره أن يغير موقف دولة القياصرة، حيث لم ينجح الآخرون.. ولا هو طبعا.
«بلاغه الأسبوعي» عبر «الأنباء» صار مخصصاً للحراك الشاميّ. عينه على الدروز السوريين وموقعهم في الموزاييك السوري المستجد. تارة يحرّض الجنود على رفض الأوامر العسكرية. وطوراً يحضّهم على الوقوف على الحياد... وعملياً يريدهم جزءاً من نسيج «الثورة»، كما كان هو جزءاً من «ثورة الأرز» اللبنانية.
لم تعد المختارة مجرّد زعامة محلية لواحدة من مكونات لبنان الطائفية، بل يريد لها جنبلاط، أن تكون جزءاً من «حرب كونية» على رقعة الشطرنج السورية. بهذا المعنى، على الصوت الجنبلاطي أن «يودي»، فيُسمع في جبل الدروز، وفي ضاحيته الدمشقية.
ثمة من يفترض أن «البيك» لا يضع حساباً للرجعة. فقد وضع كل «بيضاته» في «سلّة» المعارضة السورية. الانتصار معها صار حتميّاً. أما الخسارة فغير واردة في الكتاب الجنبلاطيّ، بدليل الخطاب التصاعدي الذي يعتمده «سيد القصر» في مقاربته السورية، غير مكترث لتداعياته المحلية والإقليمية، أو حتى لأضراره على البيئة الدرزية... مثله مثل أمير قطر والملك عبد الله، فإذا خسر الكبار ومعهم ساركوزي وأردوغان وأوباما، فلن تكون خسارة جنبلاط نهاية العالم.
إذاً، «أبو تيمور» الذي كان يضع دوماً مصلحة الدروز ومقتصيات وحدتهم، فوق كل اعتبار، يريدهم اليوم في قلب العاصفة. يدفع بهم باتجاه الفرز بين المعسكرين المتناحرين: مع النظام السوري أو ضده، مع «الثورة السورية» أو ضدها.
بالأساس دروز جبل لبنان غير موحّدين. الزعامة الجنبلاطية الأقوى بين نظيراتها. الزعامة الارسلانية «المتواضعة». الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي يحافظ على حيثية متواضعة في هذه البقعة. وحالة وئام وهاب المتنامية بجرعات دعم سورية وايرانية فاضحة. يعني، أن الضرب الجنبلاطي على وتر الانقسام السياسي لن يكشف عورة مرئية من أصحابها، وإنما سيؤجّج حالة توتر مكتومة، وسيزيل الرماد من فوق جمر الخلافات الدرزية المضمرة.
لهذا لا يتوانى خصوم «البيك» عن «القول» صراحة إن خطاب الأخير تحريضيّ، وكأنه يدعو أبناء طائفته إلى حروب داخل بيوتهم. الكلام عن فرز سياسي ليس اكتشافاً «أينشتاينياً». هو قائم أصلا. فهل يقصد نقل الفزر من الورق إلى الأرض؟
بتقدير هؤلاء فإن زعيم المختارة «مصاب بالتوتر والإحباط في آن معا». يشيرون إلى أن جنبلاط سمع من الروس كلاماً واضحاً عن دعمهم لنظام بشار الأسد، قال له سيرغيه لافروف وزير خارجية روسيا «ما دام فلاديمير بوتين سيكون رئيس روسيا في آذار المقبل، فإن بشار الأسد سيكون رئيس سوريا حتى إشعار آخر».
لمس جنبلاط لمس اليد تراجع الأميركيين والأوروبيين في اندفاعتهم السورية، فيما هو قطع شوطاً بعيداً في «حربه» ضد النظام السوري. من الطبيعي إذاً بنظر هؤلاء أن «يعلو سقف المختارة إلى حدود التلويح بانشقاق داخل الصف الدرزي، وأن يمارس سيدها لعبة الهروب إلى الأمام، وكأنه يريد إلباس دروز سوريا «تهمة» لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
يعتبر هؤلاء أن جنبلاط «يعجز عن التطاول على حلفاء سوريا اللبنانيين، فيتوجه إلى «الحلقة الأضعف»، لا سيما أنه وجّه أكثر من نداء إلى دروز سوريا، ولكنهم لم يكترثوا لصراخه، فلجأ إلى خطاب التوتر علّه ينجح حيث فشل سابقاً».
وفي هذا السياق، يكشف الوزير السابق وئام وهاب لصحيفة "السفير" أن عدداً من فاعليات دروز سوريا أبلغه انزعاجه من أداء جنبلاط، لا سيما في ما يخص التهمة التي ألصقها بهؤلاء، مشيراً إلى أن كلامه هذا فتّح العيون على موقع الدروز في المعادلة السورية المستجدة ووضعهم في دائرة الشبهات بدل حمايتهم.