الراعي افتتح السنة القضائية الروحية
20 Dec 201712:26 PM
الراعي افتتح السنة القضائية الروحية
افتتح البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي السنة القضائية للمحاكم الروحية المارونية، خلال استقباله في الصرح البطريركي في بكركي القضاة والموظفين القضائيين، في حضور المشرف على المحكمة الابتدائية المارونية المطران حنا علوان.
بعد الصلاة المشتركة، كانت كلمة الخوراسقف وهيب الخواجة، قال فيها: "يسرني ان أتكلم باسم عائلة المحاكم الروحية التي، كعادتها في كل سنة، تتشرف بزيارة غبطتكم لتنتصح من ارشاداتكم الحكيمة وتلتمس بركتكم الأبوية، يقينا منها أن عينكم الساهرة عليها هي خير سند لها لتتم شهادتها الواجبة للحقيقة وللمحبة".
اضاف: "اسمحوا لي أن أشارككم بعض الأفكار التي أجمعها تحت عنوان: "المحبة الراعوية وخدمة العدالة". لا شك في أن العنوان عريض، غير أن معناه المباشر يشير إلى التلازم العضوي بين وظيفتنا القضائية ورسالتنا الراعوية. يقول القديس يوحنا بولس الثاني في إرشاده الرسولي "أعطيكم رعاة" ما يلي: "بفضل التكرس الكهنوتي، تصبح حياة الكاهن الروحية موسومة وممهورة بالأحوال والأفعال التي يتميز بها المسيح رأس الكنيسة وراعيها والتي تتلخص بالمحبة الراعوية التي تكتسب معنى جديدا وفريدا يتمثل بالخدمة التي تتجلى بالتجرد من الذات والتي يجب ان نؤديها لشعب الله بمعزل عن كل ادعاء وكل رغبة في التسلط... ولتكن الخدمة حرة شهمة وصادرة عن أريحية، في سبيل الله" (عدد 21) انتهى كلام قداسته الذي يبرز الأصول الروحية أساسا لكل خدمة راعوية، إدارية كانت أم رعوية أم قضائية".
وتابع: "كل شيء في رسالتنا يخرج من رحم حياتنا الروحية ويعود إليها بعد ان يأخذنا إلى اخواتنا واخوتنا في الإيمان، حيث نؤدي تجاههم خدمتنا القضائية. نحن، في الواقع، خدام لاثنين: العدالة والأزواج المتقاضون. والاثنان يستدعيان المعرفة والفضيلة. فإذا كانت خدمة العدالة تكتمل بتطبيق القوانين واحترام أصول المحاكمة والقدرة الذكية على تحليل حيثيات الدعوى، وبسرعة الدعاوى، فإن خدمة الأزواج المتقاضين تحتاج إلى توفير مناخ انساني وروحي أساسه الشركة الإيمانية والقيم الأخلاقية، وغايته خير الإنسان وخلاصه".
وقال: "من الحياة الروحية إذا يجب الانطلاق. إنها المكون الأساسي لعملنا، من حيث إنها تنمي فينا المحبة، التي يقول عنها البابا بندكتوس السادس عشر في رسالته العامة "المحبة في الحقيقة" أنها "القوة الخارقة التي تدفع الناس إلى الإلتزام بشجاعة وسخاء في ميدان العدالة والسلام" (عدد 1) تضعنا خدمتنا القضائية أولا في حوار مع ذواتنا. نسأل أنفسنا ونتساءل عن احوالنا الشخصية: عن معرفتنا للقوانين، وعن آليات عملنا، وعن وضعنا النفسي عندما نأتي إلى العمل، وبالأخص عن معرفتنا للإنسان وقلقه وحاجته إلى الرجاء والخلاص، وعما نستطيع ان نقدمه له. نتساءل وندرك في الوقت عينه أن الجواب الشافي عن كل ذلك موجود مسبقا لدينا، في ذواتنا، لأنه عطية إلهية. إنه شخص المسيح الذي به بررنا الله وأفاض في قلوبنا محبته بالروح القدس الذي وهبه لنا بحسب ما يقول بولس الرسول في رسالته الى أهل روما (5: 1-5)".
اضاف: "يكفي ان نستضيء بهذا الروح الإلهي، روح المسيح المنتصر على الضعف، لكي نصبح أكثر أهلية للعمل، ولكي تصبح محاكمنا أكثر إضاءة وأكثر إنسانية. من قلوبنا، حيث يتكون انساننا الباطني، تنبثق كرامتنا الشخصية التي كرمنا بها الله الآب، وعمقها المسيح الخادم، وعززها الروح القدس بالإيمان والمواهب، والتي كرستها الكنيسة عندما اولتنا خدمة الرعاية. كيف لا نشعر بهذه الكرامة السامية التي استحقت لنا، نحن الذين أنعم علينا أن نكون أهل الإيمان ووهبت لنا معرفة الله وبذل دم من أجلنا؟ لا يخفى علينا ما نزال فيه، شخصيا واجتماعيا، من ضيق وصراع وألم، غير أننا قادرون، بالعودة إلى الروح القدس، على إبقاء شعلة الكرامة هذه مضاءة لتكون دوما حصننا المنيع أمام الإغراءات والمداخلات فنقوى بها على الدفاع عن الحقيقة وعلى الشهادة للمحبة المتجردة".
وتابع: "تضعنا الخدمة القضائية ثانيا في علاقة مع الأزواج المتقاضين. علاقة خاصة دون شك تحددها القوانين، ونحن ملزمون بدرجة عالية من اليقظة باحترام طابعها القضائي، دون ان نهمل طابعها الراعوي. فالبحث عن الحقيقة في الدعاوى له أصوله. أما البحث عن الإنسان فله طابع شخصي لا بد وان نظهره في نوعية علاقتنا بالمتقاضين. وهنا أود أن أرجع إلى مقطع من رسالة قداسة البابا بندكتوس السادس عشر "خلصنا في الرجاء" حيث يقول: "نتألم مع الغير، نتألم لأجل الغير، نتألم حبا بالحقيقة والعدالة، نتألم بسبب الحب ولكي نصبح أناسا يحيون حقا. هذه عناصر أساسية للإنسانية، ان أهملناها فقد هدمنا الإنسان ذاته. انما ومن جديد يعود السؤال: هل هذا بمقدورنا؟ هل الآخر بهذه الأهمية بحيث أصبح له انسانا يتألم؟ هل الحقيقة بالنسبة إلي بهذه الأهمية لكي أدفع ثمنها ألما؟" (عدد 39)".
وقال: "أعتقد، كما أنتم تعتقدون، أننا، في خدمتنا القضائية، لا نتعرض لقدر كبير من الألم، غير أننا نشاهد في وجوه المتقاضين وأقوالهم ألما عميقا عجزوا عن مداواته. ألم ينادي محبتنا الراعوية ويدعونا إلى أن نتألم معهم ولأجلهم، لا أن نتجاهله أو، لا سمح الله، أن نضاعفه. انه لمن المفيد أن ندرك مسبقا أن القادمين إلى المحكمة أشخاص مقهورون، ومجروحون، وتائهون. أناس ما زالوا يتحملون مسؤولياتهم الوالدية، بالرغم من حالاتهم النفسية المضطربة. فلا عجب ان هم تكلموا بعصبية، أو علا صوتهم، أو سالت دموعهم. أليست هذه وجوه للإنسانية المتألمة؟ كيف لنا نحن الذين خلصنا بالآلام أن لا نتواضع امام آلامهم وجروحاتهم؟ إن التفهم واجب علينا لأجلهم. نشاركهم الألم ونوفر لهم مجال التعبير عما يخالج نفوسهم. فالاستماع الصبور إلى أقوالهم، والتوجه إليهم بكلام التشجيع والتعزية، والبحث الرصين والهادئ معهم عن الحقيقة، مواقف لا تتعارض مع عملنا القضائي، بل تمنحه لمسة انسانية وروحية تكشف عن تلازمه مع محبتنا الراعوية وخدمتنا الكنسية. وإنه لمن الضروري أن تعزز خدمتنا القضائية المساواة في الحقوق والواجبات بين الزوجين. صحيح أننا في مجتمع ما زال يخضع للذكورية في الكثير من ميادين العمل ونواحي الحياة. إلا أن القانون الكنسي الذي ينادي بهذه المساواة النابعة من الشركة الزوجية، يدعونا إلى ان نحول ذهنيتنا إليها ونسعى الى تحقيقها في أحكامنا، لاسيما ما يتعلق منها بمفاعيل الزواج المدنية".
وختم: "صاحب الغبطة والنيافة، يزرع الميلاد فينا فرحا وأملا بمستقبل أكثر اضاءة وانسانية، وبعدالة أكثر رسوخا وانصافا. إنه مناسبة روحية أرفع فيها إلى مقامكم الكريم، باسم أصحاب السيادة القيمين على المحاكم، وإخوتي القضاة، ومحامي الوثاق والعدل، والمسجلين، والموظفين في المحكمتين الاستئنافية والابتدائية، وباسمي، ألتهاني البنوية الخالصة مشفوعة بالدعاء لغبطتكم بدوام العافية والنشاط، لتبقوا بحكمتكم ومثابرتكم أبا محبا ورأسا مدبرا لكنيستنا المارونية الكريمة، وراعيا لعدالة محاكمنا. المجد لله دائما والسلام لكم".
ثم كانت كلمة البطريرك الراعي الذي قال: "يسعدني أن أرحب بكم، وأبادلكم أطيب التهاني القلبية والتمنيات بالميلاد المجيد والسنة الجديدة 2018، وقد عبرتم عنها بلسان الخوراسقف وهيب الخواجه".
اضاف: "إني، إذ أشكركم على خدمة القضاء باسم البطريركية ومطارنة الأبرشيات، أدرك معكم أن تكاثر عدد الدعاوى بات يشكل خطرا كبيرا على عائلاتنا المسيحية: في وحدتها وسعادة أفرادها؛ وفي سلامة الأولاد الروحية والنفسية وتربيتهم؛ وفي حسن نمو شبيبتها ضمن دفء الحب العائلي. فأود أن أكلمكم اليوم عن خدمتكم القضائية والكنسية، القانونية والروحية، انطلاقا من القاعدة الكنسية-القضائية: "خلاص النفوس الشريعة السميا" (ق1752 من مجلة الحق القانوني)".
وتابع: لا نستطيع، في زمن الميلاد، إلا أن نفكر أولا بالأزواج وأفراد العائلات الذين حرموا من بهجة العيد وسعادته الداخلية في نفوسهم وداخل بيوتهم، بسبب جراحات سببها كسر الرباط الزوجي، أو حالة الهجر، أو واقع النزاعات وانشطار الشركة وتباعد القلوب. هؤلاء جميعا هم في عهدة الكنيسة عبر خدمتها المزدوجة الراعوية والقضائية. ذلك أنهم حاضرون في قلب المسيح الفادي الذي، وهو ابن الله، تجسد في عائلة لكي يخلص كل عائلة بجميع أفرادها. لقد أخذ على عاتقه الإنسان لكي يحرره من خطيئته وضياعه وحزنه، ويعيد إلى قلبه السعادة الحقيقية. من هذا المنظار ننظر معكم إلى الخدمة القضائية التي تؤدونها باسم المسيح والكنيسة، كقضاة وموظفين قضائيين ومحامين ووكلاء".
وأعلن "ان سينودس الأساقفة الروماني، الذي دعا إليه قداسة البابا فرنسيس كان يهدف إلى تعزيز العائلة والزواج المسيحي والدفاع عنهما من أجل الخير الأكبر للزوجين الأمينين للعهد الذي قطعاه أمام المسيح. فلا يمكن فصل خدمة العدالة الكنسية عن وجهها الروحي. لذلك، أنتم مدعوون، أيها القضاة، بكلمات البابا فرنسيس، لتكونوا قريبين من آلام الأزواج والأولاد المجروحين، سواء في الرباط الزوجي أم في الشركة العائلية، بحيث تقدمون لهم المساعدة الفعلية بحكم صلاحياتكم، فيتمكنوا من العيش في سلام الضمير، ووفقا لإرادة الله. إنكم في آن تداوون الجراح، وتلتزمون بقدسية الرباط الزوجي".
وقال الراعي: "خلاص النفوس هو الشريعة السميا". هذه القاعدة الروحية-القانونية تحتوي على ثلاثة: العدالة والإنصاف، وخلاص النفوس. العدالة تقتضي إعطاء المتداعين ما هو واجب لهم بحكم القوانين القائمة. والإنصاف يقتضي إعطاءهم ما هو واجب لهم، انطلاقا من مشاعر الرحمة وواقع الأشخاص والظروف الراهنة، مع اعتبار ما يقتضيه الشرع بجملته، وهو الخير العام وخلاص النفوس. فالإنصاف يلطف حدة القانون، ويحرر من التقيد المفرط بالحرف. "فالحرف يقتل والروح يحيي" على ما يقول بولس الرسول (2كور3: 6)".
اضاف: "خلاص النفوس هو الغاية الأساسية من سن القوانين وتطبيق العدالة. المحكمة هي في خدمة القانون من أجل ممارسة العدالة. القانون وسيلة لا غاية. فالغاية الأولى هي خلاص النفوس، والخلاص هو الرجاء الذي يتحقق في الملكوت. إذا تحول القانون إلى غاية أطفأ روح الكنيسة الذي هو الروح القدس. إن المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني في تعليمه عن الكنيسة - الشركة (راجع نور الأمم، 4 و9 و13)، يكشف الأساس الروحي لقوانين كنسية، ويؤكد ترتيبها لخلاص الإنسان. فيصبح القانون قانون المحبة في هيكلية الشركة والنعمة، على ما يقول الطوباوي البابا بولس السادس. وهكذا لا فصل بين الإنجيل والمؤسسات الكنسية، وبينه وبين المحكمة".
وأكد ان "على هذه الثلاثة مجتمعة، العدالة والإنصاف وخلاص النفوس، تؤسسون أيها القضاة أحكامكم وقراراتكم. فالقاضي بحسب اللفظة اللاتينية والشرع الروماني Iudex (Ius-dex والفعل Ius-dicere؛ هو صاحب الصلاحية القضائية لينطق بالعدل، أي ليقول، في الحالة المطروحة أمامه، ما يرسمه القانون، وتقتضيه العدالة ويستوجبه الإنصاف، من أجل خير المتداعين الروحي والمعنوي والمادي. وتفعلون ذلك بعد أن يتكون لديكم اليقين الأدبي من خلال درس ملف الدعوى بكامله: الأعمال والبينات والقرائن والدلائل، تحليلا ونقدا لقيمتها الثبوتية. ومعلوم أن قول القاضي هذا يتخذ قوة القانون وطابعه الإلزامي بالنسبة إلى المتداعين. ولهذا السبب، بموجب القانون 1292 على قضاة المحكمة المجلسية حضور جلسة المذاكرة حيث يقدم كل قاض بمفرده إستنتاجاته حول الإرتيابات المطروحة، على أن يقدم معها البراهين في القانون والواقع. فمن الواجب التقيد بكل ما يرسمه هذا القانون، فيسهر على ذلك رئيس الهيئة أو المقرر تحت إشراف رئيس المحكمة والمطران المشرف في كل حال".
وقال: "إنطلاقا من كل هذه الإعتبارات، أجرى قداسة البابا فرنسيس، في إرادته الرسولية "يسوع العطوف الرحوم" (15 آب 2015) إصلاح أصول المحاكمات القانونية في دعاوى إعلان بطلان الزواج. فشدد على أن "المسيح راعي وقاضي نفوسنا أوكل إلى بطرس الرسول وخلفائه سلطان المفاتيح ليكملوا في الكنيسة خدمة الحقيقة والعدالة... في هذا الإطار تندرج خدمة الأسقف. فهو قاض وطبيب. ذلك أن الإنسان المجروح والساقط بسبب الخطيئة الأصلية وخطاياه الشخصية، أصبح مريضا، فيحصل من الله، بدواء التوبة، على الشفاء والمغفرة، ويتصالح مع الكنيسة. فالأسقف، المقام من الروح القدس صورة المسيح ومكانه، هو قبل أي شيء خادم الرحمة الإلهية. لذا، تشكل ممارسة السلطة القضائية المكان المميز حيث يحمل، من خلال تطبيق مبدأي "الإكونوميا" (التدبير) و"الأكريبيا" (الرحمة)، رحمة الرب الشافية إلى المؤمنين المحتاجين إليها" (راجع المقدمة)".
واوضح ان "الاسقف يقوم بخدمته هذه من خلال محكمته، حيث يعين فيها نائبه القضائي والقضاة ومحامي الوثاق والعدل، أو من خلال المحكمة الموحدة أو المشتركة (قانون 1067 و1068) حيث النائب القضائي فيها والقضاة ومحامو الوثاق والعدل يمثلون كل أسقف. لكنهم يمارسون صلاحياتهم القضائية باستقلالية مطلقة في الأحكام، انما وفقا لتوجيهات السلطة الكنسية، الإدارية والتنظيمية".
وقال: "أنشأ البابا فرنسيس، في إصلاحه، المحاكمة الزواجية الأقصر حيث الأسقف وحده هو القاضي الطبيعي، ويتعاون في إجراء التحقيق مع النائب القضائي وقاض محقق وآخر معاون. وبعد إجراء ما يوجبه القانون 1373 البند1 من الإرادة الرسولية يصدر هو شخصيا الحكم ببطلان الزواج ويوقعه - تحت طائلة بطلانه - إذا تكون لديه اليقين الأدبي حول بطلان الزواج. وإلا فعليه أن يحيل الدعوى إلى المحاكمة بالطريقة العادية. ومعلوم أن النظر في الدعاوى الزواجية بالطريقة الأقصر منوط بشرطين: الأول، توفر الحالات المنصوص عليها في الإرادة الرسولية، المادة 14 من القواعد العامة؛ الثاني، قبول الزوجين باعتماد الطريقة الأقصر".
وختم: "إننا، فيما نقدر تضحياتكم في خدمة الحقيقة والعدالة من أجل خلاص النفوس، نتمنى لكم، أيها الإخوة السادة المطارنة الأجلاء، والقضاة والموظفون القضائيون الأحباء، ميلادا مجيدا ينير حياتكم ورسالتكم وخدمتكم بنور شخص المسيح ونور إنجيله، وسنة جديدة 2018 غنية بالخير والنعم والسلام. مع دوام محبتي وصلاتي وبركتي الرسولية. ولد المسيح! هللويا!".