أسعد بشارة
الجمهورية
نجحت زيارة وليد جنبلاط للسعودية في قطع مسافة منتصف الطريق إلى معالجة آثار سقوط الحكومة الحريرية، وبات في وسعه أن يطمئِن إلى أنه لم يدفع أكلافاً باهظة ثمناً لعودة العلاقة إلى طبيعتها...وبالحد الأقصى، فإنّ جنبلاط لن يضطر مع السعودية إلى التعرض للخشونة التي عاملَهُ بها النظام السوري بعد مصالحة السابع من أيار، التي ارغم فيها على إحناء الرأس انتظاراً لتحديد موعد مع الرئيس السوري.
وإذا كانت مصالحة جنبلاط مع النظام السوري التي أنهَتها الثورة السورية في أسرع ممّا كان يتصوّر البعض، قد أخذت شَكل الحملة التأديبية، فإنّ نصف مصالحته مع السعودية لن تأتي إلّا على طريقة عودة الابن الضال، هذه العودة التي تبين أن الشروط التي وضعت لإتمامها كخارطة طريق، لم تصمد أمام الحاجة المتبادلة إلى طيّ صفحة اضطر فيها جنبلاط للهروب إلى الأمام.
بزيارة السعودية وضعت على الطاولة خارطة طريق مختلفة، مهّدت لها مواقف جنبلاط من الملف السوري المتطابقة مع الموقف السعودي. صحيح أنّ جنبلاط كان له لقاء علني مع وزير الخارجية سعود الفيصل، إلّا أنه سبق له أن التقاه قبل مدة في اسطنبول ولم يعلن عن ذلك، ما يعطي مؤشراً واضحاً على أن العلاقة كانت قد تقدمت بأشواط قبل الزيارة، وأنها أيضا تخطّت منطق الشروط المسبقة التي تجاوزها جنبلاط بمواقفه من الملف السوري، ما جعله يصبح في خانة عربية واحدة مع سياسة المملكة.
وإذا ما جاز تسجيل بعض الملاحظات على هذه الزيارة، فيمكن ملاحظة الآتي:
- تمّ تخطّي المطلب السعودي بأن يقوم جنبلاط بإسقاط الحكومة قبل حصولها، ولم تتردد السعودية باستقباله بعد ساعات على منحه الثقة لهذه الحكومة في مجلس النواب، وذلك لا يعني إلّا تفهماً لموقع جنبلاط وإعطائه مزيداً من الوقت، ربما في انتظار تبلور المشهد السوري.
- تمّ ترتيب الزيارة بالتزامن مع وصول الحريري إلى السعودية، ومن المعروف أنّ شرط إرضاء جنبلاط للحريري بعد إسقاط الحكومة السابقة، كان أحد بنود خارطة الطريق لعودة علاقته مع السعودية، حتى أن جنبلاط علّق في إحدى المرات على هذا الشرط مستسلماً: فلتبقَ العلاقة معهم عبر غازي العريضي الذي يزور السعودية دائماً ولا مشكلة في ذلك. هذا التزامن أعطى انطباعاً بأنّ اتصالاً او أكثر حصل بين الحريري وجنبلاط في الرياض، وبأنّ اتفاقاً على رؤية للمرحلة المقبلة بدأ يتبلور.
- تمّ ترتيب الزيارة وتحديد مواعيد اللقاء مع المسؤولين السعوديين مسبقاً، وخَلت هذه المواعيد من لقاء مع الملك عبدالله بن عبد العزيز. صحيح أنّ جنبلاط كان يتمنى لقاء الملك من دون أن يبادر إلى طلب موعد، لكنه لم يطلب ولم يتم تحديد الموعد. فلم يعتبر أن ما حصل أدّى إلى فشل الزيارة، بل اكتفى بالتعليق على عدم حصول اللقاء: الأجواء كانت إيجابية جداً، و"هَلّق مش مَطلوب اكتر مِن هيك".
من الواضح أن العبارة الأخيرة التي اختصر فيها جنبلاط زيارته للسعودية، تعكس رضاه عمّا أدت إليه، وهي تدلّ أيضاً على انه لا يريد أن تحرجه السعودية أو يحرجها هو بمطلب إسقاط الحكومة. ربما لأنه، وحتى الآن، ليس المطلوب "أكتَر مِن هيك"، وليس بالمُستطاع "أكتَر مِن هيك". وعلى أمل أن تتسارع التطورات في سوريا إلى درجة تعطي جنبلاط هامشاً جديداً لإكمال نصف الطريق الآخر إلى السعودية، فإنّ المملكة نفسها لا تبدو مستعجلة لفتح ورشة لبنانية في ظلّ انهماكها بالذي يجري في سوريا. وليس التباطؤ في نقل مقرّ سفارتها من الروشة إلى المبنى الذي تم تجديده في شارع "بلس"، سوى احد المؤشرات على بقاء الموقف السعودي من لبنان في حال انتظار لمسار التطورات في سوريا. هذه التطورات التي تُبقي جنبلاط حكومياً في مكانه، وإن لن يمنع ذلك من ترميم الجهوزية حالما تسنح الفرصة لتجاوز معادلة "هَلّق مش مَطلوب اكتَر مِن هَيك".