شربل رحمة
مررت اليوم قرب الثانوية القديمة، وما أن لَمَسَت يداي اللتان عشقتا مقاعدها المتواضعة بابها الأسود الكبير، حتّى سمعت من داخله من يناديني لأقترب. وبخطواتِ ذاك المراهق الذي كان يلهف منذ عشر سنوات للقاء أصدقاء "العمر الحلو" تحت أرزَتَي ملعبها، دخلت متأثّراً بعاطفية الذكريات التي كانت تخرج من عتبات صفوفها.
وما أن وقفت وسط ملعبها الصغير، حتّى أدركت أن جرسها الذي كنت أعشق وأنتظر، هو من يناديني بصوت "مخنوق" ومشتاق... ففي ثانويتي القديمة، صوت فيروز كان جرس الصباح، وجرس انتهاء الحصص، جرس الإستراحة، وجرس المغادرة. هذا الجرس الذي لم يكن لصوته وقعٌ قاسٍ كوقع أجراس المدارس الأخرى، كان لسنواتي فيها معلّمُ في فنّ الرحابنة وإبداع فيروز.
ثلاث سنوات في الثانوية الرسمية في بشرّي، ونظرتي لبلدتي وواديها وجبالها وللعالم بأسره كانت تتغيّر وتتميّز تباعاً مع صوت فيروز. ما كنت أنتظر نهاية الحصص لأذهب الى منزلي، بل كنت أترقّبها متسائلاً ما علّها تكون أغنية فيروز المقبلة، وكم ستكون مدّتها، دقيقة، إثنتين أو أكثر. وفي عمر كنّا فيه نفضّل أغنيات الراب والهيب هوب، كان "جرس فيروز" الوحيد الذي يعلّقنا بأرضنا وسَمَائها، بأرزها وجبالها، بذلك العنفوان والغرام لحبّة تراب منه.
أعادتني زيارتي الى الثانوية التي تركها التلاميذ الى مبناها الجديد، الى أستاذ الأدب العربي أنطوان الخوري طوق وصاحب فكرة "جرس فيروز"، والذي كان يصرّ علينا أن نستمع الى فيروز حتّى في "الفرصة"، فكان يرفع صوت المذياع لـ "نترفّع" عن الإلتهاء بملابس هذه الفتاة، وكلام هذا الشاب، وآفة "القيل والقال" التي كانت في طرقاتها الأولى الى "تخريب" قلوبنا اليافعة.
سألته في يوم ربيعي، حين وصل "الكاسيت" الى أغنية "طريق النحل" عن سبب اختيار استبدال صوت الجرس المزعج بصوت فيروز، فقال: "بركي بتصيروا تحبّوا المدرسة متل ما فيروز خلّتنا نحبّ هالوطن ونترك الدني كرمالو". صمت قليلاً، ثمّ تابع: "فيروز والأخوان الرحباني هما سفننا الى الثقافة والتحضّر والتميّز، وليس الخطابات السياسية التي تأكل عقولكم وتحدّ من أفكاركم وتسيّج إبداعاتكم".
اشتقت لمدرستي، لجرسها، لصوت فيروز في ملعبها والذي لا يزال مختبئاً خلف جدرانها وفي زواياها حيث كنّا نتكاتف ونرقص سوياً على أغنية "يا أنا يا أنا ويّاك"، ونغنّي هاتفين "آخر إيّام الصيفية" و"أعطني الناي وغنّي"، ونشدّ اليد باليد لنرقص الدبكة هاتفين "بيّي راح مع العسكر"...
انتهت أيّام دراستي الثانوية، والجامعية، وها أنا اليوم على أبواب الثلاثين أقف أمام أبواب مدرستي مشتاقاً الى تلك الايّام الفيروزيّة...
ما عاد شيءٌ كما كان. أُقفلت أبواب الثانوية القديمة. أصبح الملعب فارغاً. تَخَرسنت أصوات التلاميذ، وصمت "جرس فيروز"... ما عاد شيءٌ كما كان، إلّا صوت فيروز... هذا الصوت الذي أدين له بالكثير...مررت اليوم قرب الثانوية القديمة، وما أن لَمَسَت يداي اللتان عشقتا مقاعدها المتواضعة بابها الأسود الكبير، حتّى سمعت من داخله من يناديني لأقترب. وبخطواتِ ذاك المراهق الذي كان يلهف منذ عشر سنوات للقاء أصدقاء "العمر الحلو" تحت أرزَتَي ملعبها، دخلت متأثّراً بعاطفية الذكريات التي كانت تخرج من عتبات صفوفها.
وما أن وقفت وسط ملعبها الصغير، حتّى أدركت أن جرسها الذي كنت أعشق وأنتظر، هو من يناديني بصوت "مخنوق" ومشتاق... ففي ثانويتي القديمة، صوت فيروز كان جرس الصباح، وجرس انتهاء الحصص، جرس الإستراحة، وجرس المغادرة. هذا الجرس الذي لم يكن لصوته وقعٌ قاسٍ كوقع أجراس المدارس الأخرى، كان لسنواتي فيها معلّمُ في فنّ الرحابنة وإبداع فيروز.
ثلاث سنوات في الثانوية الرسمية في بشرّي، ونظرتي لبلدتي وواديها وجبالها وللعالم بأسره كانت تتغيّر وتتميّز تباعاً مع صوت فيروز. ما كنت أنتظر نهاية الحصص لأذهب الى منزلي، بل كنت أترقّبها متسائلاً ما علّها تكون أغنية فيروز المقبلة، وكم ستكون مدّتها، دقيقة، إثنتين أو أكثر. وفي عمر كنّا فيه نفضّل أغنيات الراب والهيب هوب، كان "جرس فيروز" الوحيد الذي يعلّقنا بأرضنا وسَمَائها، بأرزها وجبالها، بذلك العنفوان والغرام لحبّة تراب منه.
أعادتني زيارتي الى الثانوية التي تركها التلاميذ الى مبناها الجديد، الى أستاذ الأدب العربي أنطوان الخوري طوق وصاحب فكرة "جرس فيروز"، والذي كان يصرّ علينا أن نستمع الى فيروز حتّى في "الفرصة"، فكان يرفع صوت المذياع لـ "نترفّع" عن الإلتهاء بملابس هذه الفتاة، وكلام هذا الشاب، وآفة "القيل والقال" التي كانت في طرقاتها الأولى الى "تخريب" قلوبنا اليافعة.
سألته في يوم ربيعي، حين وصل "الكاسيت" الى أغنية "طريق النحل" عن سبب اختيار استبدال صوت الجرس المزعج بصوت فيروز، فقال: "بركي بتصيروا تحبّوا المدرسة متل ما فيروز خلّتنا نحبّ هالوطن ونترك الدني كرمالو". صمت قليلاً، ثمّ تابع: "فيروز والأخوان الرحباني هما سفننا الى الثقافة والتحضّر والتميّز، وليس الخطابات السياسية التي تأكل عقولكم وتحدّ من أفكاركم وتسيّج إبداعاتكم".
اشتقت لمدرستي، لجرسها، لصوت فيروز في ملعبها والذي لا يزال مختبئاً خلف جدرانها وفي زواياها حيث كنّا نتكاتف ونرقص سوياً على أغنية "يا أنا يا أنا ويّاك"، ونغنّي هاتفين "آخر إيّام الصيفية" و"أعطني الناي وغنّي"، ونشدّ اليد باليد لنرقص الدبكة هاتفين "بيّي راح مع العسكر"...
انتهت أيّام دراستي الثانوية، والجامعية، وها أنا اليوم على أبواب الثلاثين أقف أمام أبواب مدرستي مشتاقاً الى تلك الايّام الفيروزيّة...
ما عاد شيءٌ كما كان. أُقفلت أبواب الثانوية القديمة. أصبح الملعب فارغاً. تَخَرسنت أصوات التلاميذ، وصمت "جرس فيروز"... ما عاد شيءٌ كما كان، إلّا صوت فيروز... هذا الصوت الذي أدين له بالكثير...