المصارف أمام ساعة الحقيقة

بعد نحو سبع سنوات على انفجار الأزمة المالية والمصرفية في خريف 2019، يدخل لبنان مرحلة مفصلية في محاولة إعادة بناء قطاع مصرفي فقد جزءًا كبيرًا من وظيفته التقليدية، فيما بقيت ودائع اللبنانيين معلّقة، والائتمان محدودًا، والثقة بين المصرف والمودع والدولة في أدنى مستوياتها. وفي قلب هذه المرحلة يقف قانون إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها، بما يمثله من محاولة لوضع قواعد قانونية للتعامل مع المصارف المتعثرة وتحديد أي منها قادر على الاستمرار، وأي منها يحتاج إلى إعادة رسملة أو دمج أو معالجة تصل إلى التصفية.لكن الحديث عن القانون بعد سبع سنوات من الانتظار يحتاج إلى دقة. فالقانون رقم 23 صدر في 14 آب 2025، قبل أن يخضع للطعن أمام المجلس الدستوري، ثم يعود ملفه إلى المسار التشريعي عبر مشروع لتعديل عدد من مواده. وخلال تموز 2026، واصلت لجنة المال والموازنة درس هذه التعديلات بالتوازي مع مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع. وهنا تحديدًا تكمن الصورة الكاملة: لبنان لا يحتاج إلى قانون واحد، بل إلى منظومة إصلاح مترابطة تحدد مصير المصارف، وكيفية معالجة الفجوة المالية، وتوزيع الخسائر، والمسار الواقعي لاسترداد الودائع.إعادة هيكلة المصارف ليست عملية لإنقاذ المصارف كما كانت، ولا وصفة تلقائية لإعادة أموال المودعين. وظيفتها الأساسية هي فرز المؤسسات القابلة للاستمرار عن غير القابلة للحياة، وتحديد حاجاتها الرأسمالية، وإعادة بناء قطاع يستطيع مستقبلا ممارسة دوره الطبيعي في حفظ المدخرات وتمويل الأفراد والمؤسسات والاستثمار.أما العقدة الأكثر حساسية فتبقى في توزيع خسائر الانهيار. فمنذ 2019، تداخلت مسؤوليات الدولة ومصرف لبنان والمصارف ضمن نموذج مالي راكم اختلالات ضخمة، ولذلك لا يمكن بناء حل مستدام إذا اقتصر على نقل الخسائر من ميزانية إلى أخرى أو تحميلها لطرف واحد. المطلوب تحديد الخسائر بشفافية، وترتيب المسؤوليات وفق القانون، واحترام تراتبية الحقوق، وحماية المودعين قدر الإمكان، بالتوازي مع الحفاظ على قابلية الدولة والقطاع المالي للاستمرار.ومن هنا تأتي ضرورة الفصل بين إعادة هيكلة المصارف وقانون الانتظام المالي واسترداد الودائع. الأول يعالج أوضاع المؤسسات المصرفية، فيما يفترض بالثاني أن يساهم في معالجة الفجوة المالية وتحديد كيفية التعامل مع حقوق المودعين. وأي إصلاح لأحدهما بمعزل عن الآخر سيبقى ناقصًا.التحدي أيضًا ليس تشريعيًا فقط. فنجاح أي قانون يتوقف على استقلال الجهات التي ستطبقه، وشفافية تقييم موجودات المصارف، ومنع تضارب المصالح، ومحاسبة المخالفات حيث تثبت، وتجنّب استخدام المال العام بصورة غير مدروسة لإنقاذ مساهمين أو إدارات من نتائج قراراتهم. وفي المقابل، لا يمكن بناء قطاع جديد عبر قرارات تؤدي إلى القضاء على ما تبقى من قدرة مصرفية قابلة للاستمرار. المطلوب توازن صعب بين العدالة المالية والاستقرار الاقتصادي.بعد سبع سنوات، أصبح ثمن التأخير نفسه جزءًا من الأزمة. فكل سنة من دون حل أضعفت الثقة وأخّرت عودة الائتمان والاستثمار والنمو. لذلك فإن أهمية إعادة الهيكلة لا تكمن في كونها انتصارًا للحكومة أو للمصارف أو للمودعين، بل في قدرتها على تأسيس قواعد واضحة يعرف بموجبها كل طرف حقوقه ومسؤولياته.لبنان لا يحتاج إلى إعادة إنتاج النظام المصرفي الذي سبق 2019، بل إلى قطاع جديد: أصغر وأكثر رسملة وشفافية ورقابة، قادر على تمويل الاقتصاد الحقيقي واستعادة ثقة اللبنانيين تدريجيًا.بعد سبع سنوات من إدارة الأزمة، ساعة الحقيقة ليست في إقرار القانون وحده، بل في الإجابة عن السؤال الأصعب: هل يستطيع لبنان توزيع الخسائر بعدالة، وحماية الحقوق، ومحاسبة المسؤوليات، ثم تحويل الانهيار إلى بداية إصلاح حقيقي؟

15-08-2026 07:10

المصارف أمام ساعة الحقيقة

بعد نحو سبع سنوات على انفجار الأزمة المالية والمصرفية في خريف 2019، يدخل لبنان مرحلة مفصلية في محاولة إعادة بناء قطاع مصرفي فقد جزءًا كبيرًا من وظيفته التقليدية، فيما بقيت ودائع اللبنانيين معلّقة، والائتمان محدودًا، والثقة بين المصرف والمودع والدولة في أدنى مستوياتها. وفي قلب هذه المرحلة يقف قانون إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها، بما يمثله من محاولة لوضع قواعد قانونية للتعامل مع المصارف المتعثرة وتحديد أي منها قادر على الاستمرار، وأي منها يحتاج إلى إعادة رسملة أو دمج أو معالجة تصل إلى التصفية.لكن الحديث عن القانون بعد سبع سنوات من الانتظار يحتاج إلى دقة. فالقانون رقم 23 صدر في 14 آب 2025، قبل أن يخضع للطعن أمام المجلس الدستوري، ثم يعود ملفه إلى المسار التشريعي عبر مشروع لتعديل عدد من مواده. وخلال تموز 2026، واصلت لجنة المال والموازنة درس هذه التعديلات بالتوازي مع مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع. وهنا تحديدًا تكمن الصورة الكاملة: لبنان لا يحتاج إلى قانون واحد، بل إلى منظومة إصلاح مترابطة تحدد مصير المصارف، وكيفية معالجة الفجوة المالية، وتوزيع الخسائر، والمسار الواقعي لاسترداد الودائع.إعادة هيكلة المصارف ليست عملية لإنقاذ المصارف كما كانت، ولا وصفة تلقائية لإعادة أموال المودعين. وظيفتها الأساسية هي فرز المؤسسات القابلة للاستمرار عن غير القابلة للحياة، وتحديد حاجاتها الرأسمالية، وإعادة بناء قطاع يستطيع مستقبلا ممارسة دوره الطبيعي في حفظ المدخرات وتمويل الأفراد والمؤسسات والاستثمار.أما العقدة الأكثر حساسية فتبقى في توزيع خسائر الانهيار. فمنذ 2019، تداخلت مسؤوليات الدولة ومصرف لبنان والمصارف ضمن نموذج مالي راكم اختلالات ضخمة، ولذلك لا يمكن بناء حل مستدام إذا اقتصر على نقل الخسائر من ميزانية إلى أخرى أو تحميلها لطرف واحد. المطلوب تحديد الخسائر بشفافية، وترتيب المسؤوليات وفق القانون، واحترام تراتبية الحقوق، وحماية المودعين قدر الإمكان، بالتوازي مع الحفاظ على قابلية الدولة والقطاع المالي للاستمرار.ومن هنا تأتي ضرورة الفصل بين إعادة هيكلة المصارف وقانون الانتظام المالي واسترداد الودائع. الأول يعالج أوضاع المؤسسات المصرفية، فيما يفترض بالثاني أن يساهم في معالجة الفجوة المالية وتحديد كيفية التعامل مع حقوق المودعين. وأي إصلاح لأحدهما بمعزل عن الآخر سيبقى ناقصًا.التحدي أيضًا ليس تشريعيًا فقط. فنجاح أي قانون يتوقف على استقلال الجهات التي ستطبقه، وشفافية تقييم موجودات المصارف، ومنع تضارب المصالح، ومحاسبة المخالفات حيث تثبت، وتجنّب استخدام المال العام بصورة غير مدروسة لإنقاذ مساهمين أو إدارات من نتائج قراراتهم. وفي المقابل، لا يمكن بناء قطاع جديد عبر قرارات تؤدي إلى القضاء على ما تبقى من قدرة مصرفية قابلة للاستمرار. المطلوب توازن صعب بين العدالة المالية والاستقرار الاقتصادي.بعد سبع سنوات، أصبح ثمن التأخير نفسه جزءًا من الأزمة. فكل سنة من دون حل أضعفت الثقة وأخّرت عودة الائتمان والاستثمار والنمو. لذلك فإن أهمية إعادة الهيكلة لا تكمن في كونها انتصارًا للحكومة أو للمصارف أو للمودعين، بل في قدرتها على تأسيس قواعد واضحة يعرف بموجبها كل طرف حقوقه ومسؤولياته.لبنان لا يحتاج إلى إعادة إنتاج النظام المصرفي الذي سبق 2019، بل إلى قطاع جديد: أصغر وأكثر رسملة وشفافية ورقابة، قادر على تمويل الاقتصاد الحقيقي واستعادة ثقة اللبنانيين تدريجيًا.بعد سبع سنوات من إدارة الأزمة، ساعة الحقيقة ليست في إقرار القانون وحده، بل في الإجابة عن السؤال الأصعب: هل يستطيع لبنان توزيع الخسائر بعدالة، وحماية الحقوق، ومحاسبة المسؤوليات، ثم تحويل الانهيار إلى بداية إصلاح حقيقي؟

15-08-2026 07:10

يحورون ويدورون... وفي النهاية سيعودون إلى "إعلان بعبدا"

كل الطرق التي يسلكها لبنان اليوم بحثًا عن مخرج من مأزق السلاح وقرار السلم والحرب تقود، وإن بعد التفاف طويل، إلى النقطة نفسها، وهي "إعلان بعبدا" الصادر في 11 حزيران عام 2012. قد تتبدل المصطلحات، وتتغير المعادلات، وتتعدد المبادرات والوساطات، وقد يحاول الداخل والخارج إعادة صياغة المشكلة بما يتناسب مع موازين القوى الجديدة، لكن الحقيقة التي يصعب القفز فوقها هي أن لبنان لن يجد استقرارًا مستدامًا ما لم يحسم مسألة واحدة جوهرية، وهي أن تكون الدولة وحدها صاحبة القرار في الحرب والسلم، وأن يبقى لبنان خارج محاور المنطقة وصراعاتها.يحورون ويمورون ويدورون لأن الاعتراف بهذه الحقيقة ليس سهلا. فكل طرف يحاول أن يجد الصيغة التي تحفظ ماء الوجه، وكل وسيط يبحث عن تسوية لا تبدو انتصارًا لفريق على آخر، وكل قوة خارجية تحاول ترتيب مصالحها ونفوذها. لكن تحت كل هذه الحركة السياسية والدبلوماسية يبقى السؤال نفسه: ماذا نفعل بالسلاح خارج سلطة الدولة؟ ومن يقرر متى يدخل لبنان حربًا ومتى يخرج منها؟ وكيف يمكن تحييد البلاد عن صراعات إقليمية لا يملك اللبنانيون قرارها ولا القدرة على تحمّل نتائجها؟المفارقة أن الإجابة كانت موجودة منذ عام 2012. فـ"إعلان بعبدا" وضع خارطة الطريق العملانية لبناء منظومة متكاملة لحماية لبنان: تهدئة سياسية وأمنية، تعزيز مؤسسات الدولة، دعم الجيش والقوى الشرعية، الاحتكام إلى القانون، تثبيت السلم الأهلي، والابتعاد عن سياسة المحاور والصراعات الإقليمية والدولية. وكان جوهره الفعلي أن لبنان لا يستطيع أن يكون دولة مستقرة إذا كان قرار الحرب والسلم موزعًا بين الدولة وقوة مسلحة تملك مشروعًا وارتباطات تتجاوز الحدود.لكن "حزب الله" رفض عمليًا الالتزام بهذا المسار، إذ لم تمضِ أيام على موافقة "الحزب" على الإعلان عبر ممثله في الحوار النائب محمد رعد، حتى خرج رعد نفسه ليتنصل من الموافقة بقوله: "بلّوه وشربوا ميتو"، ولم يتعامل مع تحييد لبنان باعتباره خيارًا وطنيًا ملزمًا. ومع انخراطه في الحرب السورية، ثم في شبكة الصراعات الإقليمية، اتسعت الفجوة بين لبنان الدولة ولبنان الساحة. وبذلك، لم يكن رفض "إعلان بعبدا" خلافًا سياسيًا حول بند من بنوده، بل كان اختيارًا لمسار مختلف ترك لبنان تدريجيًا أمام استحقاقات أكبر من قدرته على الاحتمال.واليوم، يدفع الجميع ثمن ذلك المسار، وإن بدرجات مختلفة. فالسلاح الذي قيل إنه عنصر قوة في مواجهة الأخطار تحول إلى عنوان دائم لأزمة السيادة، والانخراط في صراعات المنطقة جعل لبنان عرضة لتداعيات لا يقررها وحده، فيما أدى تعدد مراكز القرار إلى إضعاف الدولة وإبقاء أبواب الأزمات مفتوحة.ومع ذلك، لا يزال البعض يتعامل مع المسألة وكأن المطلوب اختراع معادلة جديدة. يجري البحث في الضمانات، والجداول الزمنية، والمراحل، والوساطات، وآليات التسليم والتنسيق، فيما يتجنب الجميع أحيانًا الاقتراب من أصل المشكلة. لكن كل هذه التفاصيل، على أهميتها، لن تكون كافية إذا لم تُحسم القاعدة الأساسية: لا دولة مستقرة مع قرارين للحرب والسلم، ولا تحييد حقيقيًا للبنان مع استمرار ارتباطه بمحاور الصراع.لذلك، فإن كل هذا الدوران لن يغيّر النتيجة. قد يطول الطريق، وقد تتعقد المفاوضات، وقد تتبدل أسماء المبادرات والوسطاء، لكن النهاية المنطقية لأي تسوية جدية ستحتاج إلى إعادة تثبيت المبدأ الذي تجاهله لبنان طويلا، أي الدولة أولا، وقرار الحرب والسلم في مؤسساتها، ولبنان خارج صراعات المحاور.والمفارقة الكبرى أن العودة إلى "إعلان بعبدا" لن تكون عودة إلى الماضي، بل محاولة لإنقاذ المستقبل. فالإعلان الذي رُفض عندما كان بالإمكان تطبيقه بأقل كلفة، قد يصبح اليوم الإطار الأكثر واقعية للخروج من أزمة تراكمت حتى باتت تهدد جوهر الدولة. يحورون ويمورون ويدورون، لكنهم في النهاية سيعودون إلى "إعلان بعبدا"، لأن المشكلة التي حاولوا تأجيلها لم تختف، بل كبرت، والحل الذي جرى تجاهله لم يفقد صلاحيته، بل ازدادت الحاجة إليه.

15-08-2026 07:08

مريم العذراء تعبر "المنطقة الصفراء"... والكلمة الأخيرة لها

في الشريط الحدودي، للأعياد مذاق مختلف. الفرح عندهم ليس لهوًا ولا ترفًا، ولا استراحة من مشقّات الأيام، بل هو فرصة لاقتناص الحياة من بين أنياب الحروب. أن تُضاء شمعة في قرى عاشت ليالي القصف، وأن ترتفع ترنيمة في مكان اعتاد هدير الطائرات، وأن يجتمع الناس حول "مريم" بعدما فرّقتهم "إسنادات الآخرين" وقطعت أوصالهم عن سائر الوطن، فذلك كلّه يصبح فعلَ رجاء وبطولة.يكتسب عيد انتقال السيدة العذراء، في "المنطقة الصفراء" معنى آخر. فكما يحمل "الانتقال" في الإيمان معنى العبور إلى المجد، يحلم أهل هذه القرى بانتقالهم هم أيضًا من زمن الحرب إلى زمن مريم أي السلام.كان "الانتقال" يتحوّل في قرى الجنوب كما في كلّ لبنان إلى ما يشبه الحجّ السنوي. المغتربون يضبطون مواعيد سفرهم إلى لبنان على توقيت مريم، والعائلات تصعد من بيروت إلى بلداتها، فتضيق الطرق بزحمة العائدين، وتمتلئ القرى بالصلوات والترانيم والتطوافات والسهرات والحفلات، ويحوّل أيام آب إلى موعد حبّ مع الأرض والأهل والذكريات.من هنا، قرّرت "كاريتاس لبنان" أن تعيد وصل ما قطعته الحرب، فتنظّم بالتنسيق مع البلديات "موكب مريم" للعائلات من دبل ورميش وعين إبل الراغبة في الصعود اليوم من بيروت إلى قراها للاحتفال بعيد السيدة. ويضمّ الموكب، وفق ما كشفه المنسّق العام لشبيبة كاريتاس لبنان وجهاز الطوارئ، د. بيتر محفوظ، حوالى 30 سيارة. وأشار، في حديث لـ"نداء الوطن"، إلى أن راعي أبرشية صور للموارنة المطران شربل عبد الله، سيترأس قداسًا احتفاليًا، اليوم عند الساعة الثانية عشرة ظهرًا، في كنيسة السيدة في عين إبل، في ختام أسبوع مخصّص لهذه المناسبة.ويقول محفوظ إن هذه المبادرة تأتي في إطار مواكبة أهالي القرى الحدودية، وتشجيعهم على العودة إلى بلداتهم والتشبث بأرضهم والحفاظ على حضورهم فيها، من خلال الصلاة معهم وبثّ الرجاء في نفوسهم، خصوصًا في ظل الظروف الصعبة التي يمرّون بها. وتؤكد "كاريتاس" من خلال مشاركتها في هذه المناسبة وقوفها إلى جانب الأهالي ومواكبتهم، إنسانيًا واجتماعيًا، ودعمهم في مسيرة العودة واستعادة حياتهم الطبيعية في قراهم.أما عين إبل، التي تظلّلها شفاعة العذراء وتحمل رعيتها وكنيستها اسمها، فلطالما تحوّلت في هذا العيد إلى قبلة لأبناء المنطقة. ولم تستسلم للظروف ولا للواقع الذي فرضته الحرب، فبهمّة شبيبتها وبلديتها وكهنتها ورعيتها، بقيت تحافظ على العيد وطقوسه وعلى شعلة الرجاء في قلبها. لكن خلف هذا الإصرار غصّة لا تغيب، فالبلدة التي كانت تضيق في مثل هذه الأيام بأبنائها المغتربين والقادمين إليها من بلاد بعيدة، تكاد تفتقدهم هذا العام. وبحسب رئيس بلديتها أيوب خريش، لم يتمكّن سوى اثنين أو ثلاثة من المغتربين من الحضور إلى عين إبل للمشاركة في العيد.ومع ذلك، شهدت عين إبل ودبل ورميش خلال الأسابيع المنصرمة حركة صعود لافتة لأبنائها، بفضل المواكب التي تنظّمها "كاريتاس". والمؤثّر في هذا المشهد، أن الأهالي ينتظرون هذه المواكب في كلّ مرة عند مداخل بلداتهم، ويستقبلون القادمين بحرارة تشبه لهفة من يترقّب وجهًا عزيزًا آتيًا من بعيد بعد غياب طويل. يقول لهم إنهم غير منسيين، وإن قراهم ليست متروكة، وإن ثمة من لا يزال يقصدهم ليشاركهم الصمود.وإذا كان وصول "الزوّار" يخفّف شيئًا من وطأة العزلة، فكيف حين تكون الوافدة الدائمة، أو بالأحرى المقيمة الأزلية بينهم، هي السيدة العذراء؟ تطوف شوارع عين إبل ورميش ودبل وساحاتها، وتمرّ على جراح القوزح وعلما ويارون، وكل القرى واحدة واحدة، لتبلسمها. تعبر قرب البيوت التي تصدّعت، والأراضي التي أحرقتها الحروب، وتحمل معها رجاءً يحتاج إليه الناس اليوم أكثر من أي وقت مضى.في الخلاصة، لطالما عرف مسيحيو الشريط الحدودي كيف يصنعون الحياة وينسجون معانيها، ليس لأنهم يجهلون الخوف والقلق والمعاناة، فهم يعرفونها جيدًا، لكنهم يرفضون أن يمنحوها الكلمة الأخيرة، ما دام في الجنوب من يضيء شمعة وترافقه العذراء مريم.

15-08-2026 07:06

من المنصوري إلى علي الطاهر... إسرائيل تضغط على جناحَي الجنوب

وسّعت إسرائيل ضغطها العسكري في جنوب لبنان الجمعة، بتكثيف الغارات على بلدة المنصوري في قضاء صور، بالتوازي مع استمرار التصعيد على محور النبطية - تلال علي الطاهر، في مشهد يضع منطقتين مختلفتين جغرافياً وعسكرياً تحت ضغط متزامن، ويفتح الأسئلة حول حدود العمليات الإسرائيلية في المرحلة المقبلة، في ظل تعثر المسار التفاوضي.وسُجلت منذ فجر الجمعة 8 غارات جوية استهدفت بلدة المنصوري ومشاعها، بعد ليلة شهدت تفجيرات وعمليات تمشيط في محيطها ومجدل زون، بالتزامن مع تحركات وقصف وتفجيرات إسرائيلية في مناطق أخرى من الجنوب، من قضاء بنت جبيل إلى مرجعيون.ويطرح تزامن التصعيد على أكثر من محور سؤالاً حول طبيعة التحرك الإسرائيلي: هل يشكل الضغط على المنصوري وعلي الطاهر جزءاً من مسار واحد لتوسيع نطاق العمليات؟ أم أن لكل محور حساباته الميدانية المختلفة، وإن كانا يلتقيان ضمن مسار أوسع لزيادة الضغط العسكري قبل أي تقدم في المفاوضات؟المنصوري... تصعيد بدأ من مجدل زونيربط الخبير العسكري والاستراتيجي رياض قهوجي، التصعيد الإسرائيلي المتواصل في بلدة المنصوري، في جزء أساسي منه، بالتطورات الميدانية التي شهدتها منطقة مجدل زون سابقاً، فيما يرى أن الوضع في تلال علي الطاهر مختلف، بعدما بات يأخذ بعداً عسكرياً وسياسياً داخلياً في إسرائيل. وقال قهوجي لـ«الشرق الأوسط»، إن «المنصوري يمكن اعتبارها اليوم جزءاً من خط التماس في المحور الغربي»، مشيراً إلى أنه «عند النظر إلى تسلسل الأحداث، نلاحظ أن التصعيد الإسرائيلي على المنصوري بدأ مباشرة بعد عملية مجدل زون السابقة، حيث فجّر (حزب الله) منزلاً كان بداخله مجموعة من الجنود الإسرائيليين».وأضاف أن «التصعيد على المنصوري بدأ بصورة واضحة ومباشرة بعد تلك العملية، وكأن الجانب الإسرائيلي يعتبر، أو لديه معلومات بأن رصد ما جرى في مجدل زون أو التحضير له انطلق من منطقة المنصوري». وتابع: «من هنا، يظهر في تسلسل الأحداث وجود رابط بين النشاط العسكري في المحور الغربي باتجاه مجدل زون وبين الرد الإسرائيلي الذي بات يتركز بصورة أكبر على المنصوري».وتضع هذه القراءة التصعيد في المنصوري ضمن سياق ميداني مباشر في القطاع الغربي، بدلاً من اعتباره بالضرورة جزءاً من العملية نفسها التي تتعرض لها المرتفعات الواقعة في محيط النبطية.سيطرة بالنار في القطاع الغربييلفت قهوجي إلى دلالة طلب إسرائيل إخلاء المنصوري سابقاً، رغم عدم احتلالها برياً، ويرى أن ذلك يعكس محاولة لفرض شكل مختلف من السيطرة على المنطقة. وقال إن «طلب إسرائيل إخلاء البلدة في وقت سابق، رغم أنها ليست محتلة برياً، يندرج في هذا السياق»، موضحاً أنه «في ظل المفاوضات وعدم توسيع إسرائيل حتى الآن خريطة احتلالها البري، لجأت إلى فرض نوع من السيطرة بالنار، عبر تكثيف القصف بما يتيح لها التحكم بالحركة داخل المنطقة بالنيران».علي الطاهر تتحول إلى هدف إسرائيليفي المقابل، يفصل قهوجي بين هذا المسار وما يجري في تلال علي الطاهر، التي تحولت خلال الفترة الأخيرة إلى إحدى أبرز نقاط الضغط الإسرائيلي في محيط النبطية.ويقول إن «طبيعة العمل العسكري في تلال علي الطاهر مختلفة»، مضيفاً أن «علي الطاهر تحولت اليوم إلى ما يشبه العنوان الانتخابي في إسرائيل، في ظل تكرار ذكرها في تصريحات المسؤولين الإسرائيليين، من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى وزرائه».وتوقع قهوجي «تصعيداً أكبر وتحركاً إسرائيلياً أوسع باتجاه علي الطاهر»، مشدداً على أن «هذا المسار يختلف في طبيعته عن التصعيد في المنصوري، إلا إذا رأت إسرائيل أن من مصلحتها لاحقاً توسيع نطاق سيطرتها في القطاع الغربي أيضاً».من الحدود إلى النبطية... أحزمة متتاليةفي قراءة أوسع لمسار العمليات، يرى العميد الركن المتقاعد فادي داود أن التحركات الإسرائيلية، وإن اختلفت دوافعها المباشرة بين محور وآخر، تندرج ضمن مسار ميداني متدرج يقوم على الانتقال بين أحزمة جغرافية متتالية. وقال داود لـ«الشرق الأوسط»، إن «التحركات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان لا يمكن قراءتها بوصفها عمليات منفصلة، بل تأتي ضمن مسار ميداني متدرج يقوم على محاور وأحزمة متتالية، بحيث تنتقل إسرائيل من شريط إلى آخر كلما أحكمت السيطرة على المرحلة السابقة».وأوضح أن «المرحلة الأولى ترتبط بالمنطقة الأقرب إلى الحدود، حيث كان الهدف إبعاد مصادر التهديد المباشر، لا سيما القدرة على استخدام أسلحة مضادة للدروع ضد شمال إسرائيل»، مشيراً إلى أن «هذا الشريط يشكل، في القراءة العسكرية، خط الدفاع الأول الذي عملت إسرائيل على السيطرة عليه وتوسيع نطاق تحركها داخله».وأضاف أن «التركيز الإسرائيلي ينتقل حالياً بصورة أكبر إلى خط ثانٍ يمتد على مستوى النبطية ومحيطها شرقاً وغرباً، وتندرج ضمنه المواقع والمرتفعات التي يجري التركيز عليها ميدانياً، وفي مقدمتها تلال علي الطاهر ومنطقة الشقيف»، لافتاً إلى أن «أهمية هذه المواقع تكمن في كونها نقاطاً حاكمة تتيح الانتقال إلى مرحلة أوسع من العمليات».وعن تكثيف الغارات على المنصوري، قال داود إن «ما يجري يندرج في إطار استئناف النشاط العسكري الذي كانت إسرائيل تنفذه قبل المفاوضات، وليس تحولاً منفصلاً عن المسار العام للعمليات».وأضاف: «إسرائيل تعمل وفق ما يمكن وصفه بأشرطة أو أحزمة عريضة، تنتهي من الشريط الأول، ثم تنتقل إلى الثاني، وبعده إلى الثالث. ولذلك، فإن تكثيف النشاط الحالي يعكس عودة إلى نمط العمل الذي سبق مرحلة المفاوضات».وأشار إلى أن «المنصوري تقع على مسافة قريبة نسبياً من الحدود، وبالتالي فإن تكثيف العمليات فيها يرتبط، من الناحية العسكرية، بالعمل الجاري في القطاع الغربي، وبمحاولة تثبيت السيطرة على المناطق التي تعدّها إسرائيل جزءاً من الحزام الأول، أو امتداداً له».امتداد محتمل للعملياتلا يستبعد داود امتداد العمليات إلى نطاق أعمق في حال استكملت إسرائيل أهدافها في محيط النبطية، قائلاً إن «الخط الثالث يرتبط بجبل الريحان وإقليم التفاح والمداخل الجنوبية إلى البقاع الغربي ومحيط جزين»، وهو ما من شأنه، وفق قراءته، أن يوسع نطاق السيطرة النارية والميدانية الإسرائيلية، ويتجاوز الطابع الحدودي للعمليات.ورأى داود أنّ «المسار الإسرائيلي، وفق القراءة الميدانية الحالية، لا يوحي بأنها ستوقف عملياتها عند حدود الشريط الأول أو الثاني، بل إنها تسعى إلى تحسين موقعها العسكري إلى أقصى حد ممكن قبل الدخول في أي مفاوضات جدية»، معتبراً أن «إسرائيل تريد أن تدخل المفاوضات بعدما تكون قد أحكمت سيطرتها الميدانية على أكبر مساحة ممكنة ورفعت مستوى الضغط العسكري إلى أقصاه».تحركات على محاور أخرىامتد التصعيد إلى مناطق أخرى في الجنوب؛ فسُجل في قضاء بنت جبيل تقدم آليات ودبابات إسرائيلية باتجاه حداثا، تزامناً مع تمشيط بالرشاشات وسقوط قذيفة مدفعية، فيما دوّت تفجيرات في بيت ياحون وحداثا وكونين ووصل صداها إلى قرى الساحل، وألقت مسيّرة قنبلة على منزل في كفرا ليلاً. وفي قضاء مرجعيون، نفّذ الجيش الإسرائيلي تفجيراً كبيراً في مركبا، بينما اندلعت حرائق في بني حيان جراء القصف المدفعي المتواصل.

15-08-2026 07:04

{{ article.title }}

{{safeHTML(article.Text)}}

{{ formatCategoryDate(article.publishDate) }}

Article Image

المزيد

خاص MTV بالصّورة: إليكم هويّة الموقوف في المطار بتهمة التعامل مع إسرائيل

تكشف MTV هويّة الشخص الذي أوقف في مطار بيروت قبل أيام، بتهمة التعامل مع إسرائيل، وقد حصلت على صورة لجواز سفره.وكانت مصادر MTV قد كشفت قبل أيّام أنّ المحكمة العسكرية تحقق مع لبناني متورط في التعامل مع اسرائيل، بعد توقيفه في مطار رفيق الحريري الدولي خلال سفره الى العراق للقاء زوجته العراقية، واظهرت التحقيقات الاولية ان الموقوف اعطى معلومات ادت الى اغتيال ٤ قادة من الصف الاول لحزب الله، كما تبين انه مقرب جداً من حزب الله وهذا الأمر ساعده على تجميع كل المعلومات التي طلبت منه حول القادة الذين جرى اغتيالهم في الحرب الأخيرة. وأفادت المصادر أن الموقوف إلتقى بعدد من الضباط الإسرائيليين خارج لبنان.الصورة مرفقة بالخبر.

16-07-2026 09:59

معلومات جديدة صادمة عن اللبناني الذي نفّذ هجوم برلين

أفادت مصادر MTV بأنّ منفذ الهجوم على مسيرة المثليين في برلين عبدالرحمن بلوط سبق وأوقف في لبنان عام ٢٠٢٥ بجرم الانتماء إلى تنظيم "داعش".ووفق المعلومات، فإن المحكمة العسكرية اصدرت حكماً وجاهياً بحق بلوط في ١٥ تشرين الأول عام ٢٠٢٥، وقضى الحكم بسجنه ٣ أشهر، وأطلق سراحه بعدها بكفالة مالية بلغت ٨٠٠ ألف ليرة لبنانية وجرى ترحيله إلى ألمانيا التي يحمل جنسيّتها.وتضيف المصادر، أن بلوط كان على تواصل مع عدة شخصيات من "داعش" في سوريا، وكان التنسيق يهدف الى تسهيل انتقاله إلى سوريا عبر لبنان والانضمام إليهم.

27-07-2026 15:08

بعدما اختفى في نيسان... ماذا تبلّغت عائلة باتريك بيكاريان؟

أفادت محامية عائلة بيكاريان، راشيل زخريا، لـMTV بأن وفداً من رئاسة الجمهورية وقيادة الجيش زار العائلة في زحلة وأبلغها أن لبنان سيستلم رفاة ابنها باتريك، غداً الأربعاء، عند رأس الناقورة على أن تجرى فحوص DNA للتأكد من الرفاة بعدما أبلغ الصليب الأحمر الدولي لبنان أنه استشهد بغارة اسرائيلية.وكان باتريك اختفى في ظروف غامضة منذ أواخر نيسان الماضي في بلدة جديدة مرجعيون جنوب لبنان.

14-07-2026 22:33

"جينز" الرئيس… والمحرومون الذين صاروا مقهورين!

سعى نبيه بري الى نزع صفة المحرومين عن الطائفة الشيعيّة. أدخلهم في الدولة. عزّز مواقعهم في الإدارات. ترافق ذلك، لاحقاً، مع صعود نجم الطائفة الشيعيّة، بعد التحرير في العام ٢٠٠٠، ثمّ بعد اغتيال رفيق الحريري وانسحاب الجيش السوري في العام ٢٠٠٥. أمّا حزب الله، فيحوّل الطائفة اليوم، ولسنا نعمّم، إلى طائفة المقهورين. جمهوره "مقهورٌ"، مثلاً، من زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى واشنطن. وزيره السابق مصطفى بيرم رأى أنّ ارتداء الرئيس وعقيلته "الجينز" لا يليقان بمقام الرئاسة. أن يرتدي ثياباً مريحة لا يليق بآلام شعبه. بيرم مقهور، ولم يجد إلا "جينز" الرئيس لـ "يفشّ خلقه". ربما الساعات التي يرتديها نواف الموسوي في كلّ إطلالة تليق أكثر بآلام الشعب.تافهٌ آخر من نوّاب الحزب صرّح بأنّه لا يجوز أن يكون الرئيس فريقاً، بل يجب أن يكون رئيساً لجميع اللبنانيّين. هل نذكّره بالرؤساء السابقين، منذ الطائف؟ تافهٌ ثالث، أيضاً من النواب، قال إنّ السفيرة في واشنطن ليست سفيرة لبنان بل سفيرة السلطة. لم يكن يزعجهم في السابق ما يفعله السفراء، ولا يزعجهم تركيب قانون انتخاب على قياس مصالحهم، ولا تعطيل انتخابات رئاسيّة ولا عرقلة تشكيل حكومات… لم يطرح أيٌّ منهم، مثلاً، فكرة مراعاة المسيحيّين بعد الطائف، كما تُطرح مراعاة الشيعة اليوم. ثمّ، هل علينا مراعاة من اختار الحرب والدمار والموت، إسناداً لغزة وتبعيّةً لإيران؟لم يقتل الشيعة إلا حزب الله. ولم يكشف عن قياديّي "الحزب" إلا عملاء شيعة. ولم تدمّر قراهم إلا بسبب حروبٍ خاضها، منذ "لو كنت أعلم"، الى الإسنادَين، غزة وإيران. لا جوزاف عون فخّخها، ولا هو من دخل في حربٍ قرّرها مجنونٌ من "حماس"، ولا هو من سقط في فخّ "البيجر"، ففقد آلافٌ من الشيعة عيونهم وأطرافهم.المغالاة في الانتصار والفائض في القوّة لدى حزب الله، دفع ثمنهما الشيعة. بات لبنانيّون كثيرون يخشون إن سكنت عائلة شيعيّة في جوارهم. وبات لبنانيّون كثيرون يعتبرون أنّ حزب الله، الذي تؤيّده غالبيّة الشيعة، هو العائق أمام نهوض البلد، عبر ربط مصيرنا بمصير إيران.لم تعد الطائفة الشيعيّة محرومة بالمعنى الاجتماعي. هي محرومة اليوم من الاستقرار. ومحرومة من التعاطف من قبل غالبيّة اللبنانيّين. وبعض أبنائها محروم من العودة الى قراهم المحتلّة والمدمّرة. من فعل ذلك كلّه هو حزب الله، وليس، بالتأكيد، جوزاف عون و"الجينز" الذي يرتديه، من دون مراعاة آلام أبناء بلده.

20-07-2026 06:54

{{ article.title }}

{{safeHTML(article.Text)}}

{{ formatCategoryDate(article.publishDate) }}

Article Image

المزيد