فيرا بو منصف
Lebanese-Forces.com
اذا أرادوا سياسة النعامة فهذا شأنهم، لكن النعامة نفسها ما عاد يمكنها طمر رأسها طويلاً في الرمال. صارت متحرّكة، الرمال، وقد تبتلع مَن حولها في أي لحظة. هي مقدمة للتوقف عند الانتصارات الطالبية والنقابية المتلاحقة لقوى "14 اذار".
غالبا الحقيقة موجعة ولكنها أمر واقع. ما يزعج الاخر، ان هذه النجاحات هي بدورها، أمر واقع مفروض على قوى الامر الواقع، من دون ولا خرطوشة أو بندقية ارهاب، وهنا الخطورة. هي أمر واقع ممن يمثلون عيّنة من الشعب. الشعب هو القوة الحقيقية في تاريخ الاوطان، هم قدرة التغيير الاكبر. اذن يخسر "8 آذار" يوماً بعد يوم، عيّنة من الشعب في مواقع مختلفة، ويسأل هؤلاء، نحن نحمل السلاح وبعد؟ أي شعب سنحكم؟ أأكثرية الغاضبين والساخطين والكارهين والثائرين في وجهنا؟
سؤال جهنمي ربما، قد يكون يدور في رأس "8 اذار"! نقول ربما وبتعجّب لان "8 اذار" في العادة لا تهمها الاسئلة لان الاجوبة لا تعنيها. في منظومة الديكتاتوريات الاسئلة هي باب الى الحوار، والحوار قد يكون منفذاً للحرية، الاقفال على الاجوبة أنجح السبل لتجنب الريح. ولكن هل تساءلت تلك "القوى"، وان كانت متمثلة بحزب واحد، لماذا سلسلة الهزائم تتوالى في الانتخابات الطالبية والنقابية؟ ولعل أخطر ما حصل والاكثر دلالة لما يجري، هو انتخابات نقابة الصيادلة، حيث انكبت اصوات المستقلين على "14 اذار"، ورائحة طبخة الدواء الفضيحة كانت تعبق في صناديق الاقتراع، وحيث أبرز الابطال والمكونات هم من "حزب الله" مع رشة ذكية لحركة "أمل"، فجاءت النتائج وكأنها محاولة لانتزاع القطاع من براثن هؤلاء، في ظل مخطط الهيمنة المبرمجة على وزارة الصحة من جهة، والنقابة من جهة ثانية، للقبض على القطاع الصحي برمته والتهام كل الاطباق الدسمة... ولن نسأل عن صحة المواطن، اذ لا شيء اسمه "مواطن" في هذه المنظومة. اذن هي نوعا ما صورة عن حكم الشعب اذا جاز التعبير، لمقاصصة هؤلاء عبر الانتخابات النقابية، أو لعل ما جرى هو عينة مما قد يجري في الانتخابات النيابية المقبلة.
"القوات اللبنانية" و"14 اذار" انتزعوا انتصارات غالية في عرين قوى "8 اذار"، كما حصل في الـLAU بيروت مثلا والـAUB ، وكرسوا الـLAU جبيل والـNDU معقلاً لهم، وفي انتخابات نقابة المحامين في بيروت والشمال، هل هو التغيير في المزاج العام؟ لا أظن، لا علاقة هنا للمزاج، لا مزاج في السياسة في بلد سكران دائما بأحزابه، للقصة علاقة بتغيير في الرؤية للامور، هو الوضوح في الرؤية ربما. بدأت صورة الاخر تنجلي عند كثر، وخصوصا تلك الفئة الصامتة التي لا أحزاب لديها لتصرخ باسمها، أو عند فئة المستقلين التي لا تجد لها مكانا ضمن الحزبيين. هو الضباب الكثيف الذي بدأ ينجلي من أمام العيون والقلوب والذي تحاول "8 اذار"، أن تعزز سماكته كي يبقى ستارا يخفي معالم قبورها، حيث تفوح روائح جثث لم يكتمل هريانها بعد، للفساد روائح أبشع من تلك، والناس بدأت تهرب من تلك الروائح، ومن القبور المفتوحة الشهية على المزيد من أدبيات الدفن.
طبعا قد يكون الانتصار منقوصاً، لكن مجرد التغيير الايجابي هو انتصار. الـLAU، نموذج فاقع تحتذي به "14 اذار" وتخشاه "8 اذار"، وعليها أن تفعل. طبعا نحن لن نحذرها، لا يهمنا، يهمنا أن تبقى على عماها كي يتواصل سقوطها، في سقوطها العمودي انتصار للبنان. في الشكل، يرفض الاخر في لبنان الاعتراف بنجاح الاخصام، طبيعي. في المضمون هم يخشون، يخشون كثيرا لان مع اعلان كل نتيجة انتخابات طالبية كانت أو نقابية، يقرع الناقوس على باب مصيرهم، يلحّ عليهم بالرحيل، ليس عن أرض الوطن بالضرورة، انما عن مصيره، عن دقات قلبه حيث يعيقون التنفّس، عن منافذ الشمس والهواء حيث يتصدّون لحريته.
في المحصلّة ليس مجرد أرقام لاعداد النقابات التي فزنا بها، أو اللجان الطالبية التي سيطرنا عليها وقد نسيطر عليها، وبكثير من الانفتاح انما أيضا التحدي، نعم التحدي لخط سياسي خطير، خطير جدا، يحكم المفاصل الاساسية في لبنان، ويدخل من باب الانتخابات ليحطّم أبواب لبنان، ولتهرب فلول الديمقراطية من أي نافذة متوافرة، هلعا من ديمقراطية السلاح.
الاكيد ان الانتخابات أثبتت ان فوّهة البندقية، وان كانت مصوبة الى الاصابع داخل غرفة الاقتراع السرية، لكنها لا تسقط بارودا في صندوقة الاقتراع. هذا عجز قاتل عند حامل آلة القتل. والاكيد ان هذا العجز سيعمم قريباً ليصيب ديمقراطيي السلاح بالشلل التام، لسبب بسيط تافه غير معمم عند الاخر، هو صوت الناس. هذا ما حصل في تلك الانتخابات...