سوريا وإسرائيل... مهمّة أميركية معقدة لرأب الصدع
08 Jan 202606:44 AM
سوريا وإسرائيل... مهمّة أميركية معقدة لرأب الصدع
نداء الوطن

راشيل علوان

نداء الوطن
وُضع الاتفاق الأمني السوري - الإسرائيلي على نار حامية مدفوعة بضغط أميركي حثيث، إذ سجّلت الجولة الخامسة من المفاوضات بين دمشق وتل أبيب في باريس، تحريكًا للمسار التفاوضيّ. وقد تميّزت هذه الجولة عن سابقاتها ببيان مشترك سوري - إسرائيلي - أميركي، أعلن إنشاء آلية اندماج واتصال مشتركة بإشراف الولايات المتحدة، لتسهيل تبادل المعلومات الاستخباراتية وخفض التصعيد العسكري والانخراط الدبلوماسي والفرص التجارية. بيان يثير تساؤلات عدّة حول فرصة التوصّل إلى اتفاق أمنيّ حقيقيّ وما مدى تشكيل هذه الآليّة مدخلًا جديًا وواقعيًا لتجاوز عقدة الخلافات الأمنية والسياسية بين دمشق وتل أبيب.

العلاقات بين سوريا وإسرائيل من أكثر الملفات تعقيدًا في الشرق الأوسط، لارتباطها بقضية الجولان، ومعاهدة فض الاشتباك عام 1974، وكذلك التوترات العسكرية والضربات الإسرائيلية المتكرّرة بسوريا في السنوات الماضية، فضلًا عن التصعيد الأمنيّ بعد توغل القوات الإسرائيلية جنوب سوريا إثر سقوط نظام الأسد، ما أعاد القضيّة إلى الواجهة. وفي ضوء إنشاء آلية الاتصال المشتركة، جدّدت إسرائيل التزامها بتعزيز الاستقرار والأمن مع الحفاظ على أمن الدروز، في حين أن مسؤولًا سوريًا أشار إلى أن المبادرة فرصة تاريخية لدفع المفاوضات بين سوريا وإسرائيل، مشدّدًا على الحاجة إلى جدول زمنيّ محدّد لانسحابها.

إذًا، إسرائيل متمسّكة بأمن الجنوب السوري، بينما دمشق متمسّكة بضرورة الانسحاب الإسرائيلي في إطار جدول زمنيّ، أمّا واشنطن فمتمسّكة بإنهاء التصعيد وإعادة الاستقرار إلى الحدود السورية - الإسرائيلية. وبالتالي، هذه الآلية لا تمثل سلامًا، لكنها خطوة أولى لبناء الثقة الأمنية بعد موجات من الغارات والاشتباكات التي شكّلت تهديدًا للأمن الإقليمي. فبدلًا من الحديث عن تطبيع دبلوماسي شامل في هذه المرحلة، يتمّ التركيز على اتفاقات أمنية وتقنية يمكن تطبيقها على الأرض أولًا.

يمكن اعتبار أن الضغط الأميركي نجح في هذه الجولة في الإعداد لمفاوضات أعمق تشمل ربّما انسحابًا إسرائيليًا من مناطق داخل سوريا وإعادة تفعيل اتفاقات سابقة، مثل اتفاقية فض الاشتباك. ولكن، رغم الأجواء الإيجابية التي تظهّرت من جولة باريس، فالعراقيل لا تزال كبيرة في طريق تطوّر العلاقات السورية - الإسرائيلية نحو اتفاق أمنيّ شامل وطويل الأمد. أوّلها الخلافات الجوهرية حول السيادة والانسحاب. فسوريا تطالب بانسحاب القوات الإسرائيلية إلى ما قبل خطوط كانون الأول 2024، واستعادة سيادتها الكاملة على أراضيها، بينما تسعى إسرائيل إلى ضمانات أمنيّة تمنع أي تهديد عسكريّ من الجانب السوري.

وإذا نظرنا إلى بيان باريس، فهو يقدّم ترتيبات أمنية ودبلوماسية متداخلة، من دون أي التزام بمقابل واضح يتعلّق بالأرض المحتلّة أو بتعريف حالة الصراع. في المقابل، حدّدت تجارب عربية سابقة مع إسرائيل بوضوح الثمن السياسي للاتفاق المبرَم، مثل اتفاقية كامب ديفيد التي أفضت إلى انسحاب من سيناء، وترسيم لحدود معترَف بها، وإطار قانوني معلن للعلاقة، فيما لم يأتِ بيان باريس على ذكر الاحتلال للجولان أو أي إشارة إلى قرارات دولية ذات صلة.

من هنا، العلاقات التاريخية السورية - الإسرائيلية المليئة بالنزاعات، إلى جانب التدخلات العسكرية المتواصلة، تجعل بناء الثقة بين الجانبين أمرًا صعبًا، حتى في ظلّ الضغوط الأميركية. وبالتالي، محادثات باريس تمثل دفعة ملموسة نحو تحسين إدارة التوتر بين سوريا وإسرائيل، لكن الطريق نحو علاقات مستقرّة أو تطبيع كامل لا يزال محفوفًا بالتحدّيات الداخلية والخارجية. فآلية الاتصال وتبادل المعلومات الاستخباراتية هما بداية، لكنهما ليسا بديلًا من حلول جوهرية وجذرية تتعلّق بالسيادة والحدود والقضايا الاستراتيجية الكبرى.