رحلة الصوم
21 Feb 202608:27 AM
رحلة الصوم

 

ما أجملها من رحلةٍ نكتشف فيها مسالك النفس، فنستجلي مواطن الضعف والقوّة في حياتنا الروحية، استعدادًا لمواجهة تحدّيات الحياة. إنّها سَفرٌ وجدانيّ يبتغي السلام الداخلي، والفهم العميق لمعنى الوجود، والتقرّب إلى الله القائم من بين الأموات. الصوم مسيرة تتطلّب تغييرًا داخليًا صادقًا، وطاعةً واعية، وتأمّلًا عميقًا؛ تنتقل فيها النفس من مقامٍ إلى آخر، كما يتدرّج الإنسان من الطفولة إلى النضج، في ارتقاءٍ مستمر نحو الكمال الروحي.

إنّه فرصةٌ لتحوّلٍ جذري في حياة كلّ إنسان لم يختبر بعد عمق رحمات الله في مسيرته. فالتغيير الحقيقي في حياة الخاطئ يحتاج إلى رغبةٍ صادقة، وتواضعٍ عميق، واعترافٍ شجاع بالخطأ، وعودةٍ أمينة إلى الله. لذلك وضعت الكنيسة الأرثوذكسيّة في روزنامتها مثل الفرّيسي والعشّار، ومثل الابن الشاطر، في آحاد التهيئة للصوم، وقد سبقتهما قصة زكّا العشّار، ذاك الذي حوّل فضوله البشري إلى توبةٍ وتجديد.
تميّز العشّار عن الفرّيسي باتضاعه، فاستحقّ التبرير أمام الله، لأنّه طلب الرحمة بقلبٍ منسحق، لا متّكئًا على برٍّ ذاتيّ زائف. لذلك أعلن الرب أنّ المتواضع هو المقبول، لا المتعالي المفتخر بأعماله، فعاد العشّار إلى بيته مبرّرًا، أمّا الفرّيسي فبقي أسير كبريائه (لوقا ١٨: ١٤).
وتقابل عودة العشّار إلى بيته مبرّرًا صحوةُ الابن الشاطر، إذ استعاد وعيه وأدرك خطأه، فاتّخذ قرارًا عمليًا: «أقوم وأذهب إلى أبي» (لوقا ١٥: ١٨). هناك تتجلّى محبّة الآب ورحمته، إذ لا يحكم الله على التائب وفق ماضيه، بل يستقبله بفرحٍ وحنان: «فأسرع ووقع على عنقه وقبّله» (لوقا ١٥: ٢١). إنّها محبّةٌ لا متناهية، وقبولٌ غير مشروط لتوبة الخاطئ مهما عظمت ذنوبه. فمثل الابن الضال يختصر عودة الإنسان من تيه شهواته وتجربته، ليجد في الله أبًا حنونًا ينتظر العائدين، ويجعل التوبة والرحمة محور الخلاص، لا الخطيئة ذاتها.
غير أنّ التواضع والعودة إلى الله لا يكتملان من دون محبّةٍ عمليّة وخدمةٍ صادقة للقريب - للجائع والعطشان والغريب والمحتاج - فالمسيح يتجلّى في كلّ إنسان متألّم. والإيمان الحقّ لا ينفصل عن الأعمال الصالحة، لأنّ طريق الخلاص يمرّ عبر الآخر.
ولا تكتمل المسيرة أيضًا من دون مسامحة الآخرين، شرطًا أساسيًا لطلب غفران الله. فالمحبّة والمصالحة تسبقان الجهاد الروحي، ولذلك رتّبت الكنيسة أحد الغفران قبل الصوم مباشرة، لكي تبدأ الرحلة بقلبٍ نقيّ متصالح، لا بقلبٍ مثقلٍ بالضغائن.
الخلافات واقعٌ بشريّ لا مفرّ منه، لكنّ السعي إلى المصالحة واجبٌ مبارك. فإن تعذّر الصلح، يُصار إلى إبلاغ الكنيسة، أي الكهنة والخدّام، ليبذلوا جهدهم في إعادة السلام. وإن أصرّ المخطئ على موقفه، يُعامَل كما يُعامَل البعيد، لا بعداوةٍ بل بمحبّةٍ وصلاة، حتى وإن فُرضت مسافةٌ في العلاقة، يبقى الرجاء مفتوحًا أمام نعمة الله.

إنّ الرحلة الصياميّة نحو الفصح ليست مجرّد بلوغ محطة، لا. هي عمليّة تحوّلٍ دائم، ومسارُ ارتقاءٍ مستمر. إنّها دعوة إلى أن نفهم العالم بمحبةٍ أعمق، وأن نعيش المصالحة قبل القيامة، لأنّه «لا فصحَ من دون صفح».
والسلام.