ثلاثة مسارات لاستعادة الدولة
09 Mar 202606:36 AM
ثلاثة مسارات لاستعادة الدولة
نداء الوطن

شارل جبّور

نداء الوطن
لا شكّ في أن القرارات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية في المرحلة الأخيرة تشكّل تحوّلًا بالغ الأهمية في مقاربة مسألة السلاح غير الشرعي. فابتداءً من قرار الخامس من آب 2025 الداعي إلى نزع سلاح "حزب الله"، وصولًا إلى قرار الثاني من آذار القاضي بحظر أنشطته العسكرية والأمنية وإلزامه بتسليم سلاحه، دخل لبنان الرسمي مرحلة جديدة تختلف جذريًا عمّا كان سائدًا في مراحل سابقة، حين كانت الدولة تتعايش مع وجود تنظيم مسلّح يدّعي أنه "مقاومة". أما مع القرارات الأخيرة، فقد أنهت الدولة هذا التعايش.

وتكمن أهمية هذه القرارات في الرسالة السياسية التي تحملها، إذ إن الحظر المقرون بمنع استخدام الأراضي اللبنانية منطلقًا لأي أعمال عسكرية يؤكد بوضوح أن الدولة اللبنانية ترفض، للمرة الأولى بشكل صريح، أن تكون أراضيها منصة لحروب تقررها إيران من خلال أداتها المسماة "حزب الله"، التي تطلق على نفسها تسمية "مقاومة". وهذا تطوّر جوهري يعيد التأكيد على مبدأ بديهي: لا عمل عسكريًا خارج إرادة الدولة، ولا ازدواجية في السلاح.

غير أن المشكلة الأساسية تكمن في أن "حزب الله" يتصرف حتى الآن وكأن هذه القرارات لم تصدر أصلًا. فهو يواصل أنشطته العسكرية وكأن الحكومة مجرد سلطة شكلية تصدر بيانات لا أكثر، وكأن الحظر مجرد حبر على ورق.

وفي موازاة ذلك، اتخذت الحكومة أيضًا إجراءً مهمًا بطرد عناصر "الحرس الثوري"، في رسالة واضحة بأن هذا الفصيل غير مرحّب به في لبنان. وهذه رسالة بالغة الدلالة، لأن "حزب الله" يشكّل في جوهره فصيلاً من هذا الحرس. وهذا يعني أن الحكومة، التي كانت قد حظرت أنشطة "الحزب" العسكرية والأمنية، انتقلت عمليًا إلى حظر الأنشطة العسكرية الإيرانية في لبنان.

كما أن فرض تأشيرات دخول على الإيرانيين يهدف إلى امتلاك القدرة على التدقيق في هويات الداخلين إلى البلاد. ففي المرحلة السابقة كان بإمكان أي مواطن إيراني الدخول بسهولة، وكان معظمهم من عناصر "الحرس الثوري". أما اليوم، فقد أصبح الأمر مختلفًا، ما يتيح للدولة إجراء تدقيق مسبق والاستعلام عبر السفارات والأجهزة المختصة عن هوية الداخلين، وضبط حركة الدخول والخروج، ورفض دخول أي شخص تشتبه بارتباطه بالحرس الثوري أو بأي نشاط غير قانوني. ويكتسب هذا الإجراء أهمية إضافية بعد أن أصبح دخولهم برًّا متعذرًا عقب سقوط نظام الأسد.

لكن، على الرغم من أهمية هذه الخطوات، فإن قيمتها تبقى محدودة إذا لم تقترن بتنفيذ فعلي وحازم. فإذا لم تتصرف الدولة بجدية، فلن يكون هناك أمل في إنهاء الحرب. وحتى لو انتهت هذه الحرب بتحقيق إسرائيل هدفها بمنع "الحزب" من الاعتداء عليها، فإن "الحزب" سيبقى مشكلة لبنانية تحتاج إلى حسم.

ومن هنا، تقع على عاتق الدولة مسؤولية مباشرة في حماية اللبنانيين وتخفيف الخسائر البشرية والمادية، لأن القرارات تفقد معناها إذا لم تُنفذ.

ويمكن مقاربة الخطوات المطلوبة من الحكومة عبر ثلاثة مستويات أساسية: سياسي، وعسكري، وقضائي.

أولًا، على المستوى السياسي

ينبغي أن يصدر قرار فوري بإقالة وزيريّ "حزب الله" من الحكومة. فمن غير المنطقي، ولا المقبول بأي معيار وطني أو سياسي أو دستوري، أن يبقى وزراء ينتمون إلى حزب قررت الحكومة حظر أنشطته العسكرية والأمنية، فيما يواصل هذا الحزب مخالفة قراراتها بإصراره على استخدام الأراضي اللبنانية منطلقًا لأعماله العسكرية. إن استمرار هذا التناقض يقوّض مصداقية الدولة ويحوّل قراراتها إلى مجرد إعلان نيات.

لذلك، ينبغي إقالة وزيري الحزب فورًا، وعدم الاكتفاء بالإقالة، بل تعيين وزيرين شيعيين من المعارضة الشيعية. وبهذه الخطوة تكون الحكومة قد انتقلت من الموقف إلى التنفيذ، خصوصًا أن بقاء "الحزب" داخلها يشكّل إهانة كبرى لها وانفصامًا غير مفهوم ولا مبرر.

كما أن الإجراءات المتعلقة بضبط دخول الإيرانيين، على أهميتها، لا تكفي. فالخطوة المطلوبة أيضًا هي طرد السفير الإيراني وإقفال السفارة الإيرانية في بيروت حتى إشعار آخر، لأن هذه السفارة تحولت عمليًا إلى غرفة عمليات لدولة مسؤولة عن مصادرة القرار اللبناني وعن الحروب التي شهدها لبنان.

ثانيًا، على المستوى العسكري

المطلوب أن ينتشر الجيش اللبناني في مناطق العمليات التي يستخدمها "حزب الله" لإطلاق الصواريخ، وأن يتصدى لأي عملية إطلاق، وأن يلاحق المسؤولين عنها عبر المداهمات والاعتقالات.

فبسط سلطة الدولة لا يتحقق بالبيانات، بل بالقوة الشرعية التي يحتكرها الجيش. وما لم تفرض الدولة سيطرتها على كامل أراضيها، ستبقى الحرب قائمة، لأن إسرائيل لن توقف ضرباتها قبل أن تتأكد من أن لبنان لم يعد منصة لاعتداءات ضدها.

ثالثًا، على المستوى القضائي

يقع على عاتق القضاء دور أساسي في ملاحقة كل من يشارك أو يحرّض على أعمال عسكرية غير شرعية. وعلى النيابات العامة أن تتحرك فورًا لإصدار مذكرات توقيف بحق المسؤولين المتورطين في إطلاق الصواريخ أو في إدارة هذه العمليات أو التحريض عليها.

وفي كل مسار سياسي أو أمني هناك دائمًا المرة الأولى. والمقصود أن الاشتباك الأول بين الجيش اللبناني و "حزب الله" كفيل بإفهامه أن زمن تحييده قد انتهى، وأن "التابو" القائم على عدم الاصطدام به قد سقط. كما أن توقيف وزير أو نائب أو مسؤول يهدد الأمن القومي كفيل بأن يفتح الباب أمام سلسلة من الإجراءات التي تعيد فرض هيبة الدولة.

لم تتمكن الدولة بعد من استعادة هيبتها. غير أن الخطوات المذكورة كفيلة بإعادتها: بدءًا من إقالة وزيرَي "الحزب" وتعيين وزيرين من المعارضة الشيعية، مرورًا بإقفال السفارة الإيرانية، وصولًا إلى ضرب منصات الصواريخ وتوقيف العناصر التي تستخدمها، وملاحقة المسؤولين الذين يحرّضون على العنف والحرب في انتهاك للسيادة واعتداء على أمن الدولة.