في هذا السياق، برز تطور لافت يحمل دلالات استراتيجية. فقد كشفت القناة الثانية عشرة الإسرائيلية أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كلّف الوزير السابق رون ديرمر بإدارة الملف اللبناني خلال الحرب، والتنسيق بشأنه مع الإدارة الأميركية، إضافة إلى الإشراف على أي مفاوضات محتملة مع الحكومة اللبنانية إذا انطلقت في الأسابيع المقبلة.
تعيين ديرمر له رمزيته الخاصة، فهو ليس مجرد موفد سياسي، بل يُعد رجل الظل لنتنياهو وذراعه اليمنى، وأحد أبرز صانعي القرار في الحلقة الضيقة المحيطة به. عمل ديرمر سابقاً كسفير لإسرائيل في واشنطن بين عامي 2013 و2021، ولعب دوراً رئيسياً في إدارة العلاقات الأميركية–الإسرائيلية ضمن إدارات متعاقبة، لا سيما في عهد ترامب الاول وبحسب المصادر، هو أيضاً من المقربين الى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو. وعلى الرغم من أنه خرج من الحكومة، استدعاه نتنياهو خصيصاً لإدارة الملف اللبناني، ما يعكس حجم الثقة التي يوليها له، ويشير إلى أن إسرائيل لا تنظر إلى الملف اللبناني على أنه مجرد إدارة عسكرية، بل كفرصة لتحقيق إنجاز استراتيجي شامل.
واشنطن تراهن على نفس الأهداف الاستراتيجية لإسرائيل، وترى في حزب الله المحرك الرئيسي للصراعات القائمة. القيادة اللبنانية تجاهلت التحذيرات السابقة، ولم تتخذ أي خطوات حقيقية إلا بعد فوات الأوان، وكانت جهودها ضعيفة جداً لتفكيك البنية العسكرية والأمنية للحزب.
منذ أيام، يكرّر الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام الدعوة إلى وقف إطلاق النار والدخول في مفاوضات تؤدي إلى ترتيبات أمنية وربما سياسية أوسع مع اسرائيل، فيما لبنان اليوم محاصر بالكامل.
المفارقة أن الدولة اللبنانية، بدل أن تنشغل بإعداد نفسها لمثل هذه اللحظة الدقيقة، تبدو غارقة في حسابات طائفية وتوازنات داخلية تقليدية. فبدلاً من التركيز على اختيار مفاوضين يمتلكون خبرة سياسية واستراتيجية تضاهي شخصية ديرمر، ينشغل النقاش في بيروت بما يمكن وصفه بـ"الباقة الطائفية": سنّة، مسيحيون، شيعة ودروز، وكأن المسألة مجرد توزيع مقاعد، لا مفاوضات قد تعيد رسم مستقبل البلاد وأمنه.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يناور، وهو اعلن أن إدارته تعمل “بجدية كبيرة” لإنهاء حزب الله، وجاءت تصريحات نتنياهو ووزير دفاعه إسرائيل كاتس بشأن تصميمهما على القضاء على الحرس الثوري الإيراني وحزب الله على الأراضي اللبنانية مؤكدة للتنسيق بين الجانبين في هذا الملف.
الجيش الإسرائيلي لن يغادر لبنان
قبل نزع سلاح حزب الله
واشنطن توجّه اليوم رسالة قاسية للدولة اللبنانية: لم تعد المراوغات مقبولة. المطلوب خطوات فعلية وجدية من بيروت، وهو ما لم يتم بعد.
خطاب الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم الأخير يعكس وضوح المهمة التي يراها الحزب لنفسه: القتال حتى آخر نفس. فالحزب سيواكب النظام الايراني حتى في السقوط وسيدافع عنه حتى وان دُمّر لبنان كلياً.
في ظل هذا الواقع، تنتقل الكرة إلى بيروت: المطلوب من الدولة اللبنانية إعادة فرض سيطرتها كاملة وذلك بدءاً بتصنيف حزب الله ميليشيا إيرانية ارهابية.
الجيش اللبناني مطالب ببسط نفوذه في كل لبنان، والسلطة السياسية ملزمة بملاحقة الميليشيات، وإسقاط الحصانات عن نواب حزب الله، وإقالة وزراء الحزب من الحكومة من دون ان تأخير اضافي.
لبنان يقف اليوم أمام لحظة نادرة وخطرة في آن واحد. الحرب تتصاعد، والضغوط الدولية تتكثف، وقد بدأت في الكواليس ملامح قناة سياسية صغيرة قد تُفتح بعد انتهاء المعارك.
لكن إذا كانت إسرائيل قد وضعت شخصية من وزن رون ديرمر لإدارة هذا الملف، فإن السؤال الملح في بيروت هو: من سيمثل لبنان؟
المطلوب اليوم ليس وفداً يُبنى على "الباقة الطائفية" ولا على التوازنات الحزبية الضيقة، بل دبلوماسي سياسي مخضرم من مستوى ديرمر، قادر على الدفاع عن مصالح لبنان الاستراتيجية، وبعيداً عن العمل وفقاً لأوامر رئيس مجلس النواب نبيه بري؛ على العرّاب أن يدرك أن تسويق نفسه على أنه منقذ لبنان انتهى، خصوصاً بعد فشله في إدارة ملف الشيعة، وساهم، عبر وحدة الحال مع الحزب لعقود، في تشكيل نواة الدولة العميقة التي دمرت لبنان وسلخت الشيعة عن وطنهم.
فالمفاوضات المقبلة، إن حصلت، يجب أن تكون لصالح كل لبنان، لا لصالح بري وبيئته السياسية الضيقة. وهذه مسؤولية تاريخية تقع على عاتق الدولة اللبنانية اليوم: إما أن تدخل هذه المرحلة برؤية وطنية جامعة، أو تترك مستقبل البلاد يُصاغ مرة أخرى وفق ميزان القوى الداخلي نفسه الذي أوصل لبنان إلى أزمته الحالية.